مراجعات كتب

مراجعة كتاب «الحق: تاريخ عالمي لأول منظمة فلسطينية لحقوق الإنسان» للين ولشمان

حمل هذا المقال كبي دي إف

الإشارة المرجعية: دهونت، سيدريك (2024). مراجعة كتاب «الحق: تاريخ عالمي لأول منظمة فلسطينية لحقوق الإنسان» للين ولشمان. رواق عربي، 29 (2)، 12-15 .DOI: 10.53833/HWZR4900.

في الساعات الأولى من صباح يوم الثامن عشر من أغسطس 2022، طوقت مجموعة من الآليات العسكرية الإسرائيلية مبنى في شارع ركب، وهو الشارع الرئيسي المؤدي إلى مركز مدينة رام الله، قبلما يقتحم جنود من وحدات جيش الاحتلال المبنى ويداهمون المكتب الموجود في الطابق الثاني، لتفتيشه وإغلاقه لاحقًا. يضاف هذا الاقتحام إلى سلسلة الاعتداءات الإسرائيلية على منظمات المجتمع المدني الفلسطينية كجزء من سياسة تكميم الأفواه، وإخماد صوت الحقيقة وكبح قدرة مؤسسة حقوقية ظلت تعمل على رصد وتوثيق انتهاكات القانون الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة لأكثر من أربعة عقود.

الالتزام الراسخ بقول الحقيقة في وجه السلطة على مدار أربعة عقود يشكل محور كتاب «الحق: تاريخ عالمي لأول منظمة فلسطينية لحقوق الإنسان» بقلم لين ولشمان، وهي أستاذة في القانون في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن. ومثلما أكدت ولشمان نفسها، تنبع هذه الدراسة من تجربة باحثة حظيت بفرصة التعرف على المنظمة من الداخل. لكن هذا لا يعني أن الكتاب يستند إلى منهجية الباحث كملاحظ مشارك. ومثلما أوضحت ولشمان، «كانت هذه تجربة مختلفة»، وهوما ينم عن وعي بضرورة ترك مسافة بين الباحثة وموضوع البحث.[1]

وبدلًا من تجاربها الخاصة، اعتمدت مؤلفة الكتاب على وثائق عامة وأخرى غير منشورة مستمدة من الأرشيف القيم لمؤسسة الحق، إلى جانب مواد مصدرية مستقاة من منظمات أخرى، لعل من أهمها لجنة الحقوقيين الدولية. واستنادًا لهذه المصادر المتنوعة، يقدم الكتاب معلومات شاملة حول تاريخ مؤسسة الحق، انطلاقًا من نشأتها وصولًا إلى إنجازاتها التي لايزال صداها قائمًا حتى الآن؛ فهي مؤسسة ذات مكانة مرموقة نجحت في وضع بصمتها الفريدة على الساحة الحقوقية الدولية، كما برهنت أيضا على أن انخراطها في رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة هي مهمة لا محيد عنها.

وحسبما يتجلى في مقدمة الكتاب، فإن هذه الدراسة ليست استعراضًا تاريخيًا لمسيرة فلسطين أو نضال شعبها، إلا أن ذلك لا يعني أن الكتاب منفصل عن سياقه التاريخي؛ إذ أشارت ولشمان بوضوح في الفصل الأول إلى الإطار الذي نشأت في ظله مؤسسة الحق وبقيت تنشط ضمن معالمه. ومن خلال اصطحاب القارئ في رحلة عبر المحطات الهامة في تاريخ المؤسسة، فضلًا عن عرض التحديات التي يجابهها الأخصائيون القانونيون في الضفة الغربية تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، يفتح الكتاب نوافذه ليصبح متاحًا لجمهور أوسع ليس لديه بالضرورة خلفية تاريخية أو قانونية فيما يتعلق بالقانون الدولي والنضال الفلسطيني من أجل تقرير المصير.

يسلط هذا الكتاب الضوء على حيثيات ظهور مؤسسة الحق في عام 1979 كمنظمة تابعة للجنة الحقوقيين الدولية ومقرها جنيف. ورغم أن المنظمة بدأت تنشط تحت شعار «القانون من أجل الإنسان»، بهدف توطيد مبدأ سيادة القانون وتعزيز صون حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة؛ إلا أنه تم تدريجيًا الاكتفاء بكلمة «الحق» استنادًا لمبدأ الحياد إزاء النوع الاجتماعي، وتفاديًا للانحياز الذي يظهر في الترجمة الإنجليزية للشعار التأسيسي. وعلى مدار عقود من النشاط المشهود له والمتواصل في مجال حقوق الإنسان، ظلت المنظمة وفية لمبدأ سيادة القانون وجعلت من قواعد القانون الدولي ومبدأ الاستقلالية منطلقًا ومرجعية لا غنى عنهما.

لقد تبلور التزام المؤسسة بتعزيز سيادة القانون والدفاع عن حقوق الإنسان في انخراطها العملي والمنهجي لتثبيت أسس هذا المسار والسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافها الحقوقية بالاستناد إلى البحث القانوني والميداني. ومن ثم، يسلط هذا الكتاب الضوء على الديناميكيات التي شكلت ملامح نشاط مؤسسة الحق باعتبارها منظمة فلسطينية رائدة في مجال حقوق الإنسان. وقد شكلت ممارسات الاحتلال الإسرائيلي والتهديدات التي تعرض لها موظفو المنظمة، فضلًا عن «أزمة الهوية»[2] التي عانت منها بسبب اتفاقيات أوسلو، بالإضافة لموقعها ضمن «الجنوب العالمي»؛ أمثلة حية عن الوقائع والتحديات التي شهدتها المؤسسة والتي مثلت القوى المحركة لنشاطها. وفي هذا الصدد، تقدم ولشمان اقتباسًا ملهمًا من محام بريطاني كان يعمل في مؤسسة الحق، يستنكر فيه السلوك المبني على عقدة التفوق وعقيدة «الفارس الأبيض» الذي تنتهجه بعض منظمات حقوق الإنسان الدولية خلال زياراتها للأرض الفلسطينية المحتلة:

لست متأكدًا من أنني كنت شجاعًا بالقدر الكافي لاستخدام هذه الكلمة في ذلك الوقت؛ لكن كلمة «الاستغلال» هي التي تتبادر إلى ذهني. لقد انتابني إحساس عميق بأن الناس جاءوا محملين بنماذج مسبقة حول ما يجب فعله. ببساطة، لقد كانوا يفكرون في الأمر من وجهة نظرهم الخاصة [وكأنهم يرددون في أنفسهم] ‘نحن بحاجة إلى المعلومات التي لديكم، ثم سوف نتولى نحن -العظماء، والخيرون، والأقوياء- مهمة نشرها، ومن ثم سنجعل كل شيء على ما يرام بالنسبة لكم [… ] من الواضح أنني أبالغ بعض الشيء، ولكن كان لدي شعور قوي بأن هذا الأمر لم يكن بمثابة خطوة شراكة أو تعاون، بل هو صدى لخطة «من الضروري أن نأخذ هذه [المعلومات] منكم؛ نحن بحاجة إليها. أين هي؟» ومن الواضح أن البعض كان أفضل من البعض الآخر [في أداء هذه المهمة]، لقد رأيت ذلك بأم عيني.[3]

تكمن أهمية هذا الكتاب في أن مؤلفته استطاعت أن تصور لنا أهم محطات انخراط مؤسسة الحق في «العمل القانوني»، وأن تنقل لنا صدى صوتها الذي ظل يصدح على مدار عقود من الزمن للمطالبة بمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان. وتشير ولشمان في مقدمة الكتاب لعمل نورا عريقات بعنوان «العدالة للبعض»، والذي يستكشف دور القانون وإمكاناته في تحقيق الحرية للفلسطينيين. ويكمن في صميم هذا البحث مفهوم «العمل القانوني»، وهو اصطلاح صكه الباحث القانوني دونكان كينيدي لوصف الجهود الاستراتيجية التي تبذلها جهة فاعلة قانونية لتغيير الوعي بالقانون استنادًا إلى النتيجة المنشودة.[4]

وفي عملها القانوني، الذي يتضمن البحث القانوني والميداني والتوثيق والمناصرة، تعمل مؤسسة الحق باستمرار على تجريد إسرائيل مما أشار إليه رجا شحادة، أحد مؤسسي المنظمة، بـ«الزي القانوني» الذي يرتديه الاحتلال «لإخفاء وحشيته».[5]

في كثير من الأحيان، برهنت مؤسسة الحق على امتلاكها رؤية سابقة لعصرها في مجال حقوق الإنسان. وفي عام 1985، حذر جوناثان كتاب، وهو ناشط حقوقي وأحد مؤسسي «الحق»، من خلال عرض قدمه أمام لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، من أنه تم فرض نظام فصل عنصري كلاسيكي كجزء من سياسة الأمر الواقع، مع إنشاء هيكلين منفصلين وانتهاج ممارسات عنصرية قائمة على التمييز والفصل في المؤسسات والمحاكم والمساكن، وحتى الحقوق، بين العرب الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين.[6] وقد أجرت مؤسسة بإجراء مقارنات مع نظام الفصل العنصري (الأبرتهايد) في جنوب أفريقيا، وذلك قبل وقت طويل من نشر منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرها المهم «الفصل العنصري الإسرائيلي: تجاوزوا الحد».[7]

وفي عام 1984، دعت مؤسسة الحق في إحدى منشوراتها لإحالة المخطط الإسرائيلي لشق طريق نحو الضفة الغربية -وما سيترتب عن ذلك من مصادرة لأراضي الفلسطينيين وسلب ممتلكاتهم- إلى محكمة العدل الدولية، في خطوة تبرهن مرة أخرى على تعهد المؤسسة غير القابل للتفاوض لفضح الهياكل القانونية التي أنشأتها إسرائيل لتبرير سياساتها الاستعمارية. وبعد عقدين من الزمن، أصدرت محكمة العدل الدولية فتواها بشأن التبعات القانونية الناجمة عن تشييد الجدار الفاصل على الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ خلصت المحكمة لأن تشييد الجدار والنظام المرتبط به يتعارضان مع القانون الدولي.[8] كما طالبت المحكمة دول العالم بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناجم عن بناء الجدار، ودعت الجمعية العامة ومجلس الأمن للنظر في أي إجراءات أخرى لإنهاء الوضع غير القانوني للجدار.

اهتمام ولشمان بتسليط الضوء على إنجازات مؤسسة الحق ودورها الفاعل في تحفيز النقاش القانوني الواسع حول تطور القانون الإنساني الدولي[9] يعكس حدود النظام القانوني الدولي. وبينما يزخر هذا الكتاب بأدبيات ووقائع حاكتها الكاتبة في نسيج متماسك، فإن ولشمان اعتمدت على سياسة النأي بالنفس عن اتخاذ أي موقف من شأنه أن يحيد بمحتوى الكتاب عن مساره المنشود، أو يقود القارئ نحو استنباط استنتاجات قد تفسد متعة القراءة والاستكشاف في حد ذاتها. ومع ذلك، حملت هذه الدراسة في طياتها نبرة من اليأس تجلت في كلمات رجا شحادة لحظة تأمله في وفاة صبري غريب:[10] «بالنسبة لي، يعلن موت صبري عن نهاية حقبة كان من الممكن الاعتقاد فيها بأن القانون يمكن أن ينقذ الأرض الفلسطينية من المستوطنين اليهود».[11]

وفي الواقع، فإن انعكاسات خيبة الأمل من القانون التي انتابت رجا شحادة في عام 2012 تطفو على السطح من جديد وبشكل صارخ في عام 2024. فرغم الأوامر الثلاثة الصادرة عن محكمة العدل الدولية،[12] والتي خلصت إلى أنه من المعقول أن ممارسات إسرائيل تصل مستوى الإبادة المنصوص عليها في اتفاقية الإبادة الجماعية؛ إلا أن النظام الإسرائيلي يواصل ارتكاب مجازر عشوائية بحق المدنيين العزل في قطاع غزة، فيما وصفته خبيرة الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، فرانشيسكا ألبانيز، بأنه من أفعال إبادة جماعية.[13] ولعل كلمات المدير العام لمؤسسة الحق، شعوان جبارين، التي اقتبستها ولشمان في خاتمة هذا الكتاب تقف شاهدًا على أزمة القانون الدولي وعجزه عن إنفاذ قواعده، إذ صرح شعوان في عام 2016 بأن «فلسطين، في جوانبها القانونية والفقهية، تمثل اختبارا لنظام القانون الدولي برمته».[14]

ومن الواضح أن عجز النظام القانوني على وقف الجرائم الدولية التي تُرتكب علنًا يضع قدرته على تجاوز هذا الامتحان على المحك. ورغم أنه من الممكن أن تتحول خيبة الأمل إزاء الإمكانات المحدودة للقانون الدولي إلى أزمة ثقة عميقة واستخفاف صريح بالمنظومة القانونية الدولية ككل؛ إلا أن أي محاولة لترجمة هذا اليأس إلى حملات تشويه تهدف للتقليل من شأن النشاط الحقوقي والقانوني لمؤسسة الحق تظل مستبعدة وغير منطقية. ورغم مرور عقدين من الزمن على إصدار محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري بشأن جدار الفصل العنصري؛ إلا أن الجدار لا يزال قائمًا إلى اليوم. ورغم أن آلة الحرب الإسرائيلية وحلفائها لا زالوا يضربون بعرض الحائط أوامر محكمة لاهاي؛ إلا أن مؤسسة الحق ساهمت في إرساء نظام قانوني دولي شعرت بموجبه جنوب أفريقيا -من بين جميع الدول الأخرى- بأنها مضطرة ومقتنعة برفع دعوى قضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، على خلفية تورطها في أعمال إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.

لقد بات من الواضح الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن أهمية العمل في مجال حقوق الإنسان تكمن في تلك القدرة غير القابلة للتفاوض على قول الحقيقة في وجه السلطة. ولعل من أبرز نقاط قوة هذا الكتاب هي قدرة ولشمان على تقديم وصف تاريخي دقيق لمنظمة كانت ولا زالت وليدة سياقها التاريخي، إذ ظلت وفية لبيئتها التي انبثقت منها، رغم سعيها في بعض الأحيان لتجاوز ماضيها، وحتى حاضرها، نحو مستقبل منشود يكون فيه القانون سيد الموقف، وتتحول فيه إنجازاتها القانونية إلى موروث تاريخي تتوارثه الأجيال جيلًا بعد جيل.

هذا المقال كتب في الأصل باللغة الانجليزية لرواق عربي.

[1] ولشمان، لين (2021). الحق: تاريخ عالمي لأول منظمة فلسطينية لحقوق الإنسان (Al-Haq: A Global History of the First Palestinian Human Rights Organization). كاليفورنيا: مطبعة جامعة كاليفورنيا، ص1.
[2] المصدر السابق، ص 184.
[3] المصدر السابق، ص 130.
[4] المصدر السابق، ص 7.
[5] المصدر السابق، ص 42.
[6] المصدر السابق، ص 60.
[7] هيومن رايتس ووتش (2021). تجاوزوا الحد: السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد.
https://www.hrw.org/ar/report/2021/04/27/378469.
[8] محكمة العدل الدولية (2004). التبعات القانونية لبناء جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة. 9 يوليو. الفقرة 142.
[9] ولشمان، لين (2021). ص 10.
[10] صبري غريب هو مزارع فلسطيني رفض التخلي عن منزله، رغم إحاطته بسياج وجدار أمني يفصل بينه وبين مستوطنة إسرائيلية. توفي في عام 2012.
[11] ولشمان، لين (2021). ص 149.
[12] محكمة العدل الدولية (2024). جنوب أفريقيا ضد إسرائيل: تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة والمعاقبة عليها. 26 يناير، و28 مارس، و24 مايو.
[13] ألبانيز، فرانشيسكا (2024). تشريح عملية الإبادة الجماعية – تقرير المقررة الخاص المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 (Report of the Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in Palestinian Territories Occupied since 1967, A/HRC/55/73).
[14] ولشمان، لين (2021). ص 226.

 

Read this post in: English

اظهر المزيد

سيدريك دهونت

سيدريك دونت هو حقوقي سابق في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ومتدرب كمحامٍ في السجل القانوني في بروكسل. يحمل درجتي ماجستير: واحدة في القانون من جامعة لوفان الكاثوليكية (KU Leuven)والأخرى في الديمقراطية العربية وحقوق الإنسان من جامعة القديس جوزيف في بيروت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى