مراجعة كتاب: «الشرق الأوسط الأمريكي: خراب منطقة» لمارك لينش

الإشارة المرجعية: هيكس، نيل. 2026. «مراجعة كتاب: «الشرق الأوسط الأمريكي: خراب منطقة» لمارك لينش.» رواق عربي، 31 (1): 34-37. https://doi.org/10.53833/IQNS6248.
العنوان: الشرق الأوسط الأمريكي: خراب منطقة
المؤلف: مارك لينش
الناشر: هيرست وشركاه
سنة النشر: 2025
الرقم المعياري الدولي للنسخة المطبوعة للكتاب: 9781805264019
يكشف مارك لينش، في مقدمة كتابه، عن رؤية نقدية حادة للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط على مدى العقود الثلاثة الماضية. تنطلق هذه الرؤية من الغضب تجاه التواطؤ الأمريكي مع إسرائيل في ردها الانتقامي وارتكابها إبادة جماعية في قطاع غزة، في أعقاب هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، إلى جانب السخط من استعداد إدارة جو بايدن الديمقراطية –التي انتُخبت بناءً على وعد بتصحيح أخطاء إدارة ترامب الأولى– لتمكين ارتكاب هذه الجرائم.
لا تعد المجازر الجماعية في غزة استثناءً في ظل «البنية المؤسسية الراسخة» التي تتمتع بها «السياسات الأمريكية اللاإنسانية إلى حد مذهل»[1] عبر أرجاء الشرق الأوسط، والتي فُرضت لعقود بثبات مثير للاهتمام. ويحدد لينش الغاضب «المشكلة الجوهرية» بأنها تتمثل في عدم رغبة أمريكا «الإقرار بأن سكان المنطقة هم بشر». بمعنى آخر، فإنه خلال هذه الحقبة الممتدة حتى وقتنا الراهن، استندت السياسة الأمريكية إلى الإنكار المنهجي لحقوق الإنسان للغالبية العظمى من سكان المنطقة.
إن البنية الخرّبة التي يصفها لينش هي فترة الـ 35 عامًا من الصدارة الإقليمية الأمريكية بعد نهاية الحرب الباردة. وبينما لم تشهد فترة الحرب الباردة مناصرة الولايات المتحدة لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، أو في معظم أنحاء الجنوب العالمي؛ إلا أنه كان ثمة إطار عالمي للصراع بين الديمقراطيات الغربية بقيادة الولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفيتي والصين الشيوعية، باسم الديمقراطية والحرية. ضمن ذلك الإطار، جرى التضحية بحقوق الإنسان في الشرق الأوسط باسم الأولوية الممنوحة للصراع العالمي ضد الشيوعية السلطوية، مع افتراض وجود أفق لحقوق الإنسان والديمقراطية في نهاية المطاف. وحتى ذلك الحين، يرى لينش أن «القطبية الثنائية فرضت نوعًا من ضبط النفس» على خيارات السياسة الأمريكية، حيث كان بإمكان القادة المحليين استغلال التنافس بين القوى العظمى وتأليب بعضها ضد البعض.
ومع الصدارة الأمريكية، في أعقاب عام 1990، تجلّى بوضوح الإخفاق المستمر في العمل بموجب معايير حقوق الإنسان التي لطالما جاهرت بها واشنطن بصوت عالٍ. إذ دعمت سياساتها، دون استثناء، السلطوية على حساب الديمقراطية، والإنفاق العسكري على حساب دعم التنمية. كما تم حماية المستبدين، الذين تجمعهم بها علاقات ودية، من المحاسبة عن الانتهاكات التي يرتكبونها بحق شعوبهم، في مقابل تعزيز أولويات السياسة الأمريكية: حماية إسرائيل، وضمان تدفق النفط والغاز، والتصدي لنفوذ القوى المنافسة مثل روسيا أو الصين. أما إيران، المعارض الإقليمي الرئيسي للصدارة الأمريكية في الإقليم، تم التعامل معها عبر الاحتواء والتقييد.
ويلاحظ لينش، وبحق، أن استدامة هذا النظام، الذي تطلب غياب الديمقراطية وتجاهل رفاهية الغالبية العظمى من سكان المنطقة، بات هو العرف السائد في واشنطن وخارجها. كما يرى أن تبادل صناع السياسة الأمريكيون التهاني على تقديم خدمات عامة، مثل الوصول الآمن لموارد الطاقة والنظام الإقليمي، لم يكن سوى «مظهر خادع للنظام».
لقد كانت أحداث غزة لحظة كاشفة؛ إذ إن الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بدعم أمريكي استحضرت في ذهنه مقولة جرامشي بأن القوة تكون في أضعف حالاتها عندما تضطر للعمل في العلن. ويرى لينش في ذلك علامة على اضمحلال الهيمنة الأمريكية على المنطقة. فلا وجود لحقوق الإنسان أو نظام دولي قائم على القواعد في منظومة «الشرق الأوسط الأمريكي» التي يتناولها لينش. وقد ساهمت غزة بشكل كبير في تفاقم السخط تجاه السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، سواء بين الأمريكيين أو في جميع أنحاء العالم. كما تسارعت وتيرة هذا السخط بفعل الهجوم الإسرائيلي الأمريكي غير القانوني على إيران في فبراير 2026، والذي وقع بعد نشر هذا الكتاب، مما عزز وجهة نظر لينش بأن الهيمنة الإقليمية الأمريكية، وفقًا لمنطق جرامشي، قد تكون في طور النهاية.
ويرحب لينش بهذا التطور؛ إذ يقتبس مؤيدًا ملاحظة نورا عريقات: «لا يوجد خط فاصل واضح بين الجغرافيا الإمبراطورية للقوة الاستعمارية ومراكزها»،[2] وذلك في معرض نقاشه لسحق الاحتجاجات داخل الحرم الجامعي الأمريكي ضد الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة. وتتجلى أهمية هذه الملاحظة بشكل أكبر في التهديدات الصادرة عن إدارة ترامب الحالية بسحب تراخيص البث من شبكات الأخبار الوطنية بسبب أي تغطية نقدية للحرب ضد إيران. ويبدو أن عبارة أخرى لعريقات، وهي: «وارتد السهم على راميه»[3] تنطبق على هذا الوضع.
وفيما يلاحظ لينش أن النظام الأمريكي «يصطدم بالرأي العام العالمي، والقانون الدولي، وبالأدلة التي يراها المرء رأي العين»،[4] بشكل متزايد؛ إلا أنه ليس متفائلًا بشأن ما قد يعقب تراجع القوة الأمريكية في المنطقة أو انسحابها. إذ يذهب في تأملاته إلى أن إيران، على الأرجح، ستمتلك القدرة على تطوير قدراتها الخاصة من الأسلحة النووية، وهو الأمر الذي سيعقبه على الأرجح خطوات مماثلة من السعودية ودول أخرى في الإقليم. وليس واضحًا كيف سيمثل ذلك أي تحسُّن.
رغم ذلك، يطرح لينش «التطبيق المتكافئ لحقوق الإنسان والقانون الدولي»[5] كمسار محتمل آخر للمضي قدمًا. ويشير بطريق جافة إلى أنه «من الصعب الدفع باتجاه التغيير الديمقراطي عندما يعتمد نظامك الإقليمي على الطغاة».[6] وفيما يُعد ممكنًا إزاحة هذه العقبة في ظل نظام أكثر امتثالًا لحقوق الإنسان؛ إلا أن هدف لينش ليس تقديم حجة مفادها أن إنفاذ حقوق الإنسان هو العلاج لعدم الاستقرار المزمن والكوارث الإنسانية المستمرة في شرق أوسط اليوم؛ بل هو بالأحرى إقرار بالذنب من لاعب يعترف بمشاركته في عملية صنع السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وإن كان لاعبًا ناقدًا وذا بصيرة على نحو يثير الإعجاب.
وتعد الحجج التي يقدمها لينش مألوفة لدى زمرة صغيرة من الأكاديميين المقيمين في الولايات المتحدة، ومحللي مراكز الأبحاث، والصحفيين، ونشطاء المنظمات غير الحكومية، الذين حاولوا، على مدار عقود، تسليط الضوء على الإخفاقات والكلفة القانونية والأخلاقية لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، دونما يكون لهم تأثير يُذكر على السياسة في ممارستها الفعلية. ولدعم وجهة نظره؛ يعرض لينش إخفاقات السياسة لكل إدارة، من جورج بوش الأب إلى بايدن، بشيء من التفصيل.
إن ما استخلصه لينش، وهو ما كان على الأرجح الدافع وراء كتابه، يكمن في إدراكه أن ثمة تحولاً قد حدث بالفعل، أو أنه في طور التشكل الآن. لسنوات خلت، كان الرد المعتاد من صنّاع السياسة من كلا الحزبين على الحجج المطالبة بإنهاء الدعم غير المشروط للمستبدين الإقليميين هو الموافقة المهذبة التي لا تتبعها أي إجراءات فعلية. وهو الأمر الذي بدأ يتغير خلال غزو إدارة جورج بوش الابن للعراق و«الحرب العالمية على الإرهاب» الأوسع نطاقًا، حينما كان مسئولو الإدارة ومؤيدوهم يعترضون بشدة على اتهامات الزمرة المذكورة أعلاه بأن السياسات الأمريكية في العراق وأفغانستان وخليج غوانتانامو وغيرها تصل حد جرائم الحرب، أو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو حتى الجرائم ضد الإنسانية. قبلما تعود الأمور إلى سياقها المعتاد في ظل إدارة أوباما بكلمات تلطيفية وفعل ضئيل، ليعقب ذلك ارتدادٌ إلى الإنكار العدائي لانتهاكات مثبتة بالأدلة، والتي سهلت السياسة الأمريكية ارتكابها في عهد إدارة ترامب الأولى.
إن رفض بايدن الاعتراف بالإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة ووقفها، و«غضبه» من احتمال سعي المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة القادة الإسرائيليين على جرائمهم المزعومة، قد أعقبته تصريحات علنية من ترامب وأعضاء إدارته الثانية تُفيد بعدم اكتراثهم لحقوق الإنسان أو القانون الدولي. فهم لا يتظاهرون بأنهم يعملون للحفاظ على أي نوع من النظام الدولي القائم على القواعد أو صيانة أي منافع عامة؛ بل يسعون لتعزيز المصالح الأمريكية من خلال ممارسة القوة، وبالدرجة الأولى عبر تفوقهم في القوة العسكرية التقليدية. إننا أمام عالم مختلف. وهوما يمثل تجليًا أكثر صدقًا للآثار الفعلية للسياسات الأمريكية، إلا أن التساؤل حول ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى نتائج مختلفة للمنطقة يبقى مفتوحًا لجميع الاحتمالات على نحو مقلق.
يبذل لينش جهدًا غير مقنع تمامًا للإيحاء بأن كتابه يتمحور حول هموم شعوب المنطقة؛ فهو يشير إلى أن الولايات المتحدة تمارس نفوذها الهائل على المنطقة عبر حلفائها: إسرائيل، والسعودية، والإمارات، وقطر، ومصر، وتركيا، الذين يعملون بصفتهم «المحركات الأساسية للاستقرار الإقليمي».[7] وهو لا يقول هنا سوى النذر اليسير بشأن كيفية تغير هذه العلاقات الرئيسية، ذات الديناميكيات المتباينة إلى حد بعيد، في ظل اضمحلال الهيمنة الأمريكية على المنطقة، وربما ضمن سيناريوهات قد تتضمن نتائج أفضل لحقوق الإنسان من شأنها تحسين حياة الملايين.
لقد دق لينش ناقوس الخطر من أن «تخريب المنطقة» الذي يتم بقيادة أمريكا قد تجاوز مستويات الخطر بمراحل، ويجب وضع حد له، سواء عبر قوى سياسية داخل الولايات المتحدة أو من خلال ضغوط إقليمية ودولية مضادة، أو من خلال مزيج من الاثنين معًا. أما فيما يتعلق بكيفية تحقيق ذلك مع تجنب الشراك الواضحة المرافقة له، بل وحتى الأزمات الأكثر عمقًا؛ فهو لا يزال موضوعًا يتطلب المزيد من التحليل والعمل الذي نأمل أن يتجاوز تلك الزمرة الصغيرة المهمومة بالفعل بمخاوف لينش الملحة.
إقرار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي
لم يستخدم الكاتب أيًّا من أدوات الذكاء الاصطناعي.
هذا المقال كتب في الأصل باللغة الانجليزية لرواق عربي.
[2] نورا عريقات، «سجلات الانتخابات: وارتد السهم على راميه،» (Election Chronicles: ‘The Boomerang Comes Back’) ذا بوسطن ريفيو، 2025، تاريخ الاطلاع 24 مارس 2026، https://www.bostonreview.net/articles/the-boomerang-comes-back/.
[3] المرجع السابق.
[4] مارك لينش، الشرق الأوسط الأمريكي، 234.
[5] المرجع السابق، 248.
[6] المرجع السابق، 247.
[7] المرجع السابق، 249.
Read this post in:



