مراجعات كتب

مراجعة كتاب: «من الفصل العنصري إلى الديمقراطية» لسارة ليا ويتسون ومايكل شيفر عومر-مان

حمل هذا المقال كبي دي إف

الإشارة المرجعية: خليفة، فريال. 2026. «مراجعة كتاب: «من الفصل العنصري إلى الديمقراطية» لسارة ليا ويتسون ومايكل شيفر عومر-مان» رواق عربي 31 (2): 5-8. https://doi.org/10.53833/CQQF4084.

العنوان: من الفصل العنصري إلى الديمقراطية: مخطط للسلام في إسرائيل وفلسطين
المؤلفان: سارة ليا ويتسون ومايكل شيفر عومر-مان
الناشر: أوكلاند: دار جامعة كاليفورنيا للنشر
سنة النشر: 2025
الطبعة: الأولى
الرقم المعياري الدولي للنسخة الإلكترونية للكتاب: 0-40201-520-0-978

يتجاوز كتاب «من الفصل العنصري إلى الديمقراطية: مخطط للسلام في إسرائيل وفلسطين» مجرد الاصطفاف مع الأدبيات الرافضة لنموذج الفصل وحل الدولتين لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛[1] إذ يقدم خارطة طريق أو «مخطط» لتحويل ما يصفه المؤلفان بأنه «دولة واحدة بحكم الأمر الواقع وتفتقر إلى الديمقراطية»،[2] والتي تسود حاليًا بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط (والتي يُشار إليها في الكتاب باسم «الأراضي»).[3] فيما يشير المؤلفان إلى مفارقة تتمثل في تكدس «جبال من التقارير» الموثقة لانتهاكات إسرائيل لحقوق الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة في مقابل «ندرة في الأفكار» الكفيلة بـ «كسر هذه الحلقة المفرغة».[4]

ويسعى الكتاب إلى «تجاوز» إطار اتفاقيات أوسلو وحل الدولتين (الفاشل) الذي تمخض عنها، مقترحًا مقاربة تعكس تسلسل عملية التفاوض.[5] فبدلًا من التفاوض على حق تقرير المصير، ونقل الصلاحيات، وبناء الدولة في ظل استمرار الاحتلال ونظام الفصل العنصري؛ يدعو المؤلفان إلى تفكيك هذه الممارسات أولًا. ويهدف هذا المخطط إلى إعادة توجيه «التفكير الاستراتيجي» للمجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، و«تمكين النشطاء» من خلال تزويدهم بـ«لغة لتصور» رؤية وسياسات وخطط كفيلة بتحويل واقع الفصل العنصري غير الديمقراطي المفروض بحكم الأمر الواقع.[6]

يستهدف الكتاب صُناع السياسات، ومراكز الأبحاث، وصُناع القرار في المجتمع الدولي، فضلًا عن النشطاء على الصعيدين المحلي والدولي؛ ممن شكلت رؤاهم وإسهاماتهم ركيزة لمنهجية الكتاب. وقد صاغ المؤلفان خطة التحول، أو المخطط، الذي يقترحه الكتاب استنادًا إلى المقابلات الشخصية وعن بُعد، والمداولات، والمحادثات مع مائة من أصحاب المصلحة.

ورغم أن الكتاب يتبنى نهجًا «مراعيًا للحقوق» في مقاربته لهذا التحول؛ إلا انه يؤكد على عدم تغليبه للحقوق الفردية على حساب التغييرات «الهيكلية».[7] وهو ما يتجلى في التغييرات الهيكلية الرئيسية المقترحة في الجزء الثاني، ضمن الأقسام من الأول إلى التاسع. إذ إن هذه التغييرات، حال تنفيذها، من شأنها تفكيك اللبنات الأساسية لنظام الفصل العنصري، سواء السياسية منها أو العسكرية، أو الإدارية، أو القانونية، أو الأيديولوجية، أو حتى الرمزية، كما سيُناقش فيما يلي.

يدعو القسم الأول إلى تشكيل حكومة تصريف أعمال انتقالية مدتها ثلاث سنوات، لتحل محل كل من دولة إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وستضطلع هذه الحكومة بعملية «الإشراف» على الانتقال من نظام الفصل العنصري إلى نظام ديمقراطي يراعي الحقوق، وسيتم «توجيه» هذا المسار، من خلال عدد من الهيئات –مثل لجان العدالة الانتقالية والأمن الداخلي، ومفوضيات الرقابة العسكرية وحرية التنقل.[8] كما ستتولى حكومة تصريف الأعمال تنظيم انتخابات وطنية في نهاية المرحلة الانتقالية، مع العمل في غضون ذلك على تمهيد «الطريق» لإجراء استفتاء حول طبيعة الدولة (أو الدول) التي ترغب شعوب «الأراضي» في إقامتها في أراضيها المشتركة.

القسمان الثاني والرابع يتناولان التدابير اللازمة لتفكيك آليات إدارة السكان، بما في ذلك الحكم العسكري والقيود المفروضة على حرية التنقل، التي تدعم نظام الفصل العنصري في الإقليم. ويقضي المخطط بأن تُلغي حكومة تصريف الأعمال الحكم العسكري الإسرائيلي في الأسبوع الأول من المرحلة الانتقالية، وتستعيض عنه بـ«نظام قانوني مدني موحد»، على أن يتبع ذلك إنهاء العمل بالمحاكم العسكرية ونقل الإشراف على السجون العسكرية إلى السلطات المدنية.[9] ولتعزيز هذا الإلغاء مؤسسيًا، يطالب القسم الرابع بتعليق عمل محكمة العدل العليا الإسرائيلية، وإحلال محكمة عليا انتقالية محلها، واستبدالها بمحكمة عليا جديدة للمرحلة الانتقالية، وتأسيس نظام محاكم جنائية موحد في جميع أنحاء «الأراضي».

القسم الثالث يحدد الشهر السادس من العام الأول للمرحلة الانتقالية موعدًا للشروع في إزالة جدار الفصل. ويقدم الكتاب حجة مفادها أن البنية التحتية الإسرائيلية لتقييد الحركة، المتمثلة في التصاريح، ونقاط التفتيش، ولاحقًا جدار الفصل، قد انتهكت لفترة طويلة حقوق الفلسطينيين في السفر والإقامة والعمل والعيش المشترك. كما شكلت أداة للهندسة الديمغرافية، لمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين، وتمكين إسرائيل من الاستيلاء على الأراضي والموارد الفلسطينية.[10] ومن شأن نظام التنقل الجديد أن يضمن لجميع الفلسطينيين والإسرائيليين الحق في العيش والإقامة والعمل والسفر بحرية في جميع أنحاء الإقليم. وبناءً عليه، تُناط مسئولية إنفاذ التدابير الأمنية عند نقاط التفتيش بالشرطة المدنية بدلاً من الجيش، مع إمكانية إدماج بعثات رقابة دولية لتعزيز الإشراف.

يحلل القسم الخامس الأطر القانونية المؤسِّسة لمنظومة التمييز الإسرائيلية، ويطالب حكومة تصريف الأعمال بإلغاء كافة القوانين العنصرية والتمييزية خلال الأسبوع التاسع من المرحلة الانتقالية. ومن بينها، على سبيل المثال، قانون أملاك الغائبين، الصادر عام 1950، لمصادرة ممتلكات الفلسطينيين الذين طُردوا إبان حرب عام 1948، وقانون العودة، الصادر عام 1950، والذي يعتبره الكتاب «من أكثر القوانين الإسرائيلية تمييزًا»؛ إذ يمنح «أي يهودي من أي بلد» الحق في الهجرة والتجنس بالجنسية الإسرائيلية، ما يمنح «حقوق الهجرة لليهود غير الأصليين إلى الأراضي»، فيما يُستبعد الفلسطينيون المنفيون من هذا الحق.[11] بالإضافة إلى قانون الأساس: القدس عاصمة إسرائيل، الصادر عام 1980، والذي يعتبره المؤلفان غير قانوني كونه يمثل «انتهاكًا مباشرًا للحظر القانوني الدولي على الاستيلاء على الأراضي بالقوة».

القسمان السادس والتاسع يناقشان قضايا المواطنة، وحقوق التصويت، والانتخابات الوطنية. ويوضح القسم السادس أنه بعد دمج السجل السكاني، ستمنح حكومة تصريف الأعمال المواطنة الكاملة وحقوق التصويت لجميع البالغين المدرجين في السجل الجديد. وتتمثل ذروة هذا المخطط، حسبما نُوقش في القسم التاسع، في إجراء استفتاء حول طبيعة الدولة (أو الدول) التي ترغب شعوب الإقليم في إقامتها بعد ذلك، سواء أكانت دولتين، أو كونفدرالية، أو فيدرالية.[12]

في القسم السابع، تتولى حكومة تصريف الأعمال صياغة «عقيدة أمنية جديدة وشاملة» لتضحي إطارًا توجيهيًّا في تأسيس وتدريب «قوات أمن داخلي موحدة»، لتحل محل وكالة الأمن الإسرائيلية (الشاباك) القائمة حاليًا، وقوات الأمن الوقائي الفلسطينية.[13] هذه القوات الأمنية المستحدثة، والتي ستُعرف باسم جديد هو وكالة الاستخبارات الداخلية، ستتولى مسئولية كفالة الأمن المتكافئ لشعوب «الأراضي» قاطبة، ليس إبان المرحلة الانتقالية فحسب، بل وفيما يعقبها من أطوار.[14]

في القسم الثامن، يقترح المؤلفان إرجاء برنامج العدالة الانتقالية الشامل، الذي سيعالج مسألة جبر الضرر للفلسطينيين، مثل استرداد الممتلكات، والتعويض عن الأضرار، وإعمال حقوق اللاجئين، إلى حكومة ما بعد المرحلة الانتقالية، ليتسنى البتّ فيه عبر آلية ديمقراطية لصنع القرار.[15] ومع ذلك، يتناول الكتاب قضايا أخرى تتعلق بالأسرى الفلسطينيين، بما في ذلك اشتراط أن تبدأ وزارة العدل، في الأسبوعين السادس والسادس عشر من المرحلة الانتقالية، في الإفراج عن الأسرى الإداريين والسياسيين.[16] علاوة على ذلك، ينبغي أن يتم تعويض ضحايا الاحتلال الفلسطينيين ضمن إطار قانوني دولي، ولكن يتعين على الجهات الفاعلة المحلية وضع هذه الخطط وتوجيهها لضمان تلبيتها لـ«احتياجات الضحايا ورغباتهم» وخلق «ملكية محلية»[17] لعملية الانتقال. ويجب أن يتضمن التحول أيضًا رموز الدولة الإسرائيلية الحالية؛ نظرًا لكونها «إقصائية للمواطنين غير اليهود» الذين يعيشون في «الأراضي»، ولكونها أيضًا لا تمثل سوى السكان اليهود. وتشمل هذه الرموز اسم الدولة نفسه، وعلم نجمة داود، والنشيد الوطني، وخاتم الدولة المتمثل في الشمعدان.[18]

وفيما يناقش الكتاب في مقدمته وفصله الثاني مدى واقعية هذا المقترح تحت تساؤل: «متى يغدو المخطط ملائمًا؟»؛ فإن المؤلفين يريان أن تطبيق هذا المخطط يتطلب توافر شرطي «النضج» و«القبول»؛ إذ يتحقق الأول حينما يتبنى الطرفان، الإسرائيليين والفلسطينيين، «تحولات جذرية» في رؤاهم الاستراتيجية، إثر إدراكهم الثمن الباهظ والمعاناة التي يلحقها بهم هذا الصراع.[19] بينما يتحقق «القبول» عندما تتوافر لدى كبار صناع السياسات من الجانبين، مثل القوات العسكرية وأفراد الأمن، «إرادة سياسية جادة» لدعم الخطة،[20] ويقرُّ الكتاب بأنَّ هذه الشروط «تكاد تكون معدومة الأثر في واقعنا الراهن».[21]

في سياق متصل، يتطرق الكتاب، في مقدمته وقسم الأسئلة الشائعة، إلى قضايا بالغة جوهرية لا يقدم المخطط المقترح حلولًا آنية لها، مثل مسألة عودة اللاجئين الفلسطينيين، وما إذا كان يتحتم على الإسرائيليين التخلي عن الصهيونية.[22] وفي معرض الرد على ذلك، يؤكد الكتاب أن الهدف الأساسي للمخطط يتمثل في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي والتمييز المنهجي الذي يفرضه في «الأراضي»، على أن تُحسم كافة القضايا الأخرى لاحقًا بطريقة ديمقراطية من قِبل الشعوب التي تعيش هناك.

تكمن إحدى نقاط القوة في هذا الكتاب في تجنبه الاستفاضة في تعريف المصطلحات الجوهرية التي وظفها، مثل الفصل العنصري، والمرحلة الانتقالية، والتمييز، والعدالة الانتقالية، وما شابهها؛ والانتقال مباشرةً إلى تفاصيل خطة التحول المقترحة.

وتتجلى إحدى مواطن القوة في هذا الكتاب في كونه، عوضًا عن الاسترسال في صياغة تعريفات مطولة للمصطلحات الرئيسية التي وظفها (مثل الفصل العنصري، والمرحلة الانتقالية، والتمييز، والعدالة الانتقالية، وما شابهها)، يختصر الطريق إلى تفاصيل خطة التحول مباشرةً. علاوة على ذلك، تبرز الميزة الأهم في في كسر رتابة واقع الفصل العنصري القمعي؛ إذ يتجاوز حدود توصيفه وتوجيه النقد الأخلاقي له، ليفتح باب الحوار بشأن آليات تغييره، مستشرفًا بديلًا جذريًا ومخططات عملية لعملية تحول أضحت ضرورة ملحة.

إقرار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي

استخدمت المؤلفة (ChatGPT) للتدقيق اللغوي لهذه المراجعة قبل تحديث سياسة مجلة «رواق عربي» الخاصة بالذكاء الاصطناعي. وتؤكد المؤلفة أن التحليل، والحجج، والهيكل العام للمراجعة هي من إنتاجها الخالص.

هذا المقال كتب في الأصل باللغة الانجليزية لرواق عربي.

[1] غادة كرمي، دولة واحدة: المستقبل الديمقراطي الوحيد لفلسطين وإسرائيل (One State: The Only Democratic Future for Palestine–Israel)، (مطبعة بلوتو، 2023)، https://doi.org/10.2307/jj.2036749؛ ليلى ح. فرسخ، «بدائل التقسيم في فلسطين: إعادة صياغة الرابطة بين الدولة والأمة»، في إعادة التفكير في إقامة الدولة في فلسطين: تقرير المصير وإنهاء الاستعمار بعيدًا عن التقسيم (Rethinking Statehood in Palestine: Self-Determination and Decolonization Beyond Partition)، تحرير ليلى ح. فرسخ (دار جامعة كاليفورنيا، 2021)، 173-192، https://www.jstor.org/stable/j.ctv2rb768k.13.
[2] سارة ليا ويتسون ومايكل شيفر عومر-مان، من الفصل العنصري إلى الديمقراطية: مخطط للسلام في إسرائيل وفلسطين (From Apartheid to Democracy: A Blueprint for Peace in Israel-Palestine)، (دار جامعة كاليفورنيا، 2025)، 19.
[3] ليا ويتسون وعومر-مان، من الفصل العنصري إلى الديمقراطية، 12.
[4] المرجع السابق، 19.
[5] المرجع السابق، 15.
[6] المرجع السابق، 39.
[7] المرجع السابق، 29.
[8] المرجع السابق، 102.
[9] المرجع السابق، 135.
[10] المرجع السابق، 156.
[11] المرجع السابق، 274.
[12] المرجع السابق، 95-97.
[13] المرجع السابق، 108.
[14] المرجع السابق.
[15] المرجع السابق، 228.
[16] المرجع السابق، 228-229.
[17] المرجع السابق، 227.
[18] المرجع السابق، 192.
[19] المرجع السابق، 27.
[20] المرجع السابق.
[21] المرجع السابق.
[22] المرجع السابق، 39-40.

Read this post in: English

اظهر المزيد

فريال خليفة

باحثة وأكاديمية مستقلة مقيمة في الضفة الغربية بفلسطين. درّست علم الاجتماع في عدة جامعات بالمنطقة، وهي حاصلة على درجة الدكتوراه في دراسات الشرق الأوسط من جامعة مانشستر، ودرجة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة شيكاغو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى