مراجعات كتب

مراجعة كتاب: «إنجاح المساعدات» لجيلان دينو، وروبرت سبرينجبورج، وهشام علوي

حمل هذا المقال كبي دي إف

الإشارة المرجعية: هيكس، نيل. 2025. «مراجعة كتاب: إنجاح المساعدات» لجيلان دينو، وروبرت سبرينجبورج، وهشام علوي». رواق عربي 30 (2): 45-48. https://doi.org/10.53833/KAVB6767.

العنوان: إنجاح المساعدات: مقارعة الطغاة وأمراء الحرب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
المؤلفون:
جيلان دونو، روبرت سبرينجبورج، وهشام العلوي
الناشر: دار لين رينر للنشر
سنة النشر: 2025
الرقم المعياري الدولي للنسخة الإلكترونية للكتاب: 9798896163312

يقدم المؤلفون في كتاب «إنجاح المساعدات» تحليلًا متعمقًا للإخفاق الجماعي الذي مُنيت به الجهات المانحة في تعزيز التنمية الاقتصادية أو دفع جهود الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط. واستنادًا إلى عقود من الخبرة والمعرفة المشتركة بديناميات السياسة في الدول العربية، يُحدد المؤلفون مواطن الخلل في ممارسات المساعدات الخارجية للدول الغربية، لا سيما الولايات المتحدة، كما يطرحون توصيات لتبني مقاربة جديدة لمجابهة الظروف السائدة غير المواتية.

إحدى أكبر العقبات التي تعترض طريق التحول الديمقراطي، حسب توصيف المؤلفين، تتمثل في ارتداد الدول العربية نحو أشكال أشد قسوة من السلطوية، وفي حالات كثيرة، انزلاقها إلى ما يطلقون عليه «المشلنة»؛ بمعنى فقدان الحكومات المركزية زمام السيطرة على مناطق واسعة من أراضيها ومواردها لصالح ميليشيات مسلحة، غالبًا ما تكون مدعومة من جانب قوى إقليمية متنافسة. وتضم قائمة الدول الممشلنة كلًا من لبنان، وليبيا، والعراق، والسودان، واليمن. كما ينطبق التعريف نفسه على فلسطين أيضًا. في المقابل، تتسم الجزائر ومصر والمغرب وتونس بسلطوية شديدة المراس. ورغم أن دول الخليج الثرية لا تخضع لهذا التحليل، نظرًا لكونها لا تتلقى مساعدات تنموية أو لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة؛ إلا أن سطوة القوى الإقليمية السلطوية –بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بجانب إيران وإسرائيل وتركيا– تُعَدّ عاملًا ساهم في ترسيخ اتجاهات مقاومة بشكل متزايد لبرامج التنمية ودعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة التي تروج لها الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى.

ولا تنحصر مواطن الخلل في الدول المتلقية للمساعدات فحسب، بل تمتد لتشمل الجهات المانحة أيضًا. إذ أضحت الأنظمة السلطوية ذات القناع الليبرالي أكثر مهارة في تحييد الضغوط الدولية الرامية للإصلاح، وبرعت في احتواء أو قمع المساعي المحلية الرامية لتعزيز الديمقراطية والحكم الخاضع للمحاسبة؛ مبرهنةً بذلك على قدرة فائقة على الصمود.

لقد تضافرت أحداث دولية مزعزعة للاستقرار –بدءً من «الحرب العالمية على الإرهاب» التي قادتها الولايات المتحدة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، مرورًا بالإخفاقات الكارثية لجهود بناء الدولة التي قادتها واشنطن في العراق وأفغانستان، والصدمة الاقتصادية الناجمة عن الأزمة المالية العالمية عام 2008، وصولًا إلى انتفاضات وثورات الربيع العربي عام 2011– لتُسهم مجتمعةً في تغيير حسابات النخب الحاكمة المحلية والقوى المانحة على حد سواء. فقد آثرت الدول الغربية، وبشكل متزايد، منح الأولوية لمجابهة التهديدات المتصورة للإرهاب والهجرة غير النظامية. وقد وجدت هذه الدول ضالتها في شركاء مستعدين للتعاون، سواء في الملكيات الخليجية التي أفزعتها التطلعات الديمقراطية التي أذكتها انتفاضات 2011، أو في الأنظمة السلطوية المتصلبة ضمن نُظم الوصول المقيّد، التي بدت وكأنها تحالفات مستقرة ظاهريًا بين نخبٍ دأبت على إقصاء غالبية الشعب عن أي دور في الحكم ومفاقمة التفاوت في الدخل. وتمحورت الصفقة حول التغاضي عن استحواذ النخبة، بل وحتى دعمه، كسبيل لدرء الفوضى. لقد كان هذا الترتيب القائم على تبادل المصالح بين المانحين والدول العربية مُقوِّضًا للأهداف المعلنة لبرامج التنمية ودعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة الأمريكية والأوروبية؛ تلك البرامج التي واصلت عملها رغم انفصالها بشكل متزايد عن الحقائق السياسية.

وتُقدم دراستا الحالة في مصر والمغرب برهانًا دامغًا على «قصور وعدم فعالية… البرامج التقليدية للمساعدات الديمقراطية في البيئات السلطوية المتصلبة». ويقدم المؤلفون أدلة مستفيضة تؤيد الاستنتاج القائل بأن «الولايات المتحدة وأوروبا لا تملكان القدرات أو الإرادة السياسية للدفع بقضية الديمقراطية في الشرق الأوسط». ويصف المؤلفون كيف أن الاهتمام بتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط قد توارى ليحل محله التركيز على احتواء روسيا والصين، وكيف نخرت فيه أزمة متفاقمة داخل الديمقراطيات الغربية ذاتها، وكيف أُعيد توجيهه صوب هدف الاندماج الإقليمي في إطار «الاتفاقيات الإبراهيمية»، التي تُمثّل صيغة لنظام سلطوي يُعاد إنتاجه. وبعدما دلل المؤلفون على عبثية تعزيز الديمقراطية في ظل هذه الظروف غير المواتية، ينتقلون إلى المهمة الشاقة المتمثلة في رسم مسار بديل للمضي قُدُمًا.

لدى المؤلفين وعي راسخ بتلك التناقضات التي تعتري الممارسات التقليدية للمساعدات الخارجية؛ إذ تتأسس استراتيجيات المساعدة على افتراضات زائفة، وتتعارض أهداف الإصلاح الاقتصادي والتحول الديمقراطي مع الأهداف الاستراتيجية الأوسع للدول المانحة، ناهيك عن أن طبيعة الاقتصادات السياسية في الدول المتلقية تقف حجر عثرة أمام تحقيق الأهداف المعلنة لهذه المساعدات.

إبان كتابة هذا العمل، واجه المؤلفون تحولًا مدويًا في موضوعه. فمشهد المساعدات الخارجية، الذي ينصب تركيزه الأساسي على برامج الحكومة الأمريكية، بدا مغايرًا تمامًا لحظة انبثاق فكرة مشروع الكتاب عما آل إليه حال صدوره في نوفمبر 2025. وفي ظل ظروف طبيعية، كان للنقد اللاذع الذي يقدمه الكتاب لممارسات المساعدات التقليدية أن يكون كافيًا لإطلاق مراجعة بناءة للأهداف والأساليب، إلا أن المشهد قد تبدّل. إذ أدى تدمير إدارة ترامب للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) إلى تقليص المساعدات الإنمائية الأمريكية بشكل حاد، فضلًا عن إعادة تشكيل علاقات المعونات بين الدول الغنية والمتلقين لها حول العالم. وحسبما يشير المؤلفون، فإن هذه اللحظة تمثل تهديدًا وجوديًا للمساعدات الخارجية، لكنها في الوقت ذاته قد تشكل فرصة سانحة للتخلص من الأساليب والمقاربات التي أخفقت في الوفاء بوعودها، ولإعادة بناء برامج مساعدات تنموية مُحَسنّة في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغنية. ورغم أن الأسئلة التي يطرحها المؤلفون، والمشكلات التي يصفونها، كانت تستدعي دراستها ومعالجتها منذ زمن؛ لكن لسوء الحظ، يتعين الآن التصدي لهذه القضايا في ظل صخب منشار إيلون ماسك وآلة الفرم الخاصة به الذي يصم الآذان. بينما في المقابل، يجد أنصار الإبقاء على قدرات قوية للمساعدات الخارجية أنفسهم مضطرين للدفاع عن أنفسهم في معركة يدركون ألا قبل لهم بالفوز بها، على الأقل في المدى المنظور. وهو سياق لا يبدو مبشرًا للنظر في قضايا بهذه الجسامة.

فيما يخص الدول السلطوية المتصلبة، يوصي المؤلفون بإرجاء الأهداف الطموحة لتعزيز الديمقراطية، والتحول نحو تركيز الجهود في نطاق ضيق ومحدد يتمثل في إمداد صُنّاع السياسات في الدول المتلقية للمساعدات بتحليلات مستقلة وموثوقة للسياسات العامة، والتي من شأنها تمكينهم من التعامل بفاعلية أكبر مع التحديات الجسيمة التي يجابهونها، بدءً من القصور في الأداء الاقتصادي الكلي، ووصولًا إلى التدهور البيئي وغيرها من المشكلات. وفي هذا الصدد، يقترح المؤلفون تقديم هذه المعلومات في هدوء، وتجنب مواجهة النخب الحاكمة بإخفاقاتها بشكل مباشر، ويرون أنه من الأفضل أن تنبع هذه المعلومات من مراكز الأبحاث المحلية التي يُعاد تفعيلها، ومن التكنوقراط والخبراء الذين دفعهم القمع وغياب الفرص في أوطانهم إلى المنفي، وكذلك عبر المداولات الصريحة بين الأطراف المتلقية والجهات المانحة.

وإذ كان كل ذلك مرغوبًا فيه، فمن العسير تبيّن الدافع الذي قد يحفز القادة السلطويين المتصلبين، الذين ينصب جل اهتمامهم على الاحتفاظ بقبضتهم على السلطة وتعزيزها وتسخير موارد الدولة لهذه الغاية، إلى التصرف بشكل مغاير لتحقيق أهداف تنموية لشعوبهم، ناهيك عن توسيع نطاق الديمقراطية. ويجادل المؤلفون بأن هذه المقاربة من شأنها الاستجابة لأشد نقاط الضعف لدى عتاة السلطوية: القصور في الأداء الاقتصادي الكلي والافتقار إلى الشرعية السياسية؛ إذ أن نوعية المعلومات التي ستقدم لهم قد تمثل طوق نجاة يُمكّنهم من الخروج من مآزقهم الراهنة. إلا أن القادة السلطويين أنفسهم هم من بادروا باتخاذ خطوات لوأد مصادر البحث والمعلومات المستقلة المعنية بالأوضاع والاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية في بلدانهم. كما أنهم قادرون على انتزاع ما يحتاجونه من دعم اقتصادي وغيره من الدول المانحة بسبل أخرى؛ ففي حالة مصر، على سبيل المثال، عبر تقديم أنفسهم كطرف مُحاور مفيد ظاهريًا في إدارة الأزمات الإقليمية في غزة والسودان وليبيا. ومع تفشي الأزمات الإقليمية، وانهيار الدول، واتساع رقعة «المشلنة»، تتزايد القيمة النسبية للأنظمة السلطوية المستقرة. كما تبرع دول المنطقة في استغلال المخاوف الأوروبية بشأن الهجرة غير النظامية القادمة من الجنوب والشرق، وكذلك من بلدانهم، عبر التلويح بتهديدات مشينة وبالكاد مستترة. وبالمثل، تُثمّن الدول الغربية علاقاتها مع السلطويين باعتبارهم شركاء موثوقين، حسب الزعم، في مكافحة الإرهاب.

ويدعو المؤلفون إلى نسج علاقات بين مقدمي المساعدات ومتلقيها بحيث تكون «حمولتها السياسية أقل بكثير، فضلًا عن كونها أقل استفزازًا ومراوغة». مجددًا، ورغم أن هذا المطلب يبدو مرغوبًا فيه؛ إلا أن الوسائل اللازمة لإنجاح تلك العلاقات –مثل الربط الوثيق بين الأهداف الدبلوماسية والأمنية الأوسع وبين الأهداف التنموية، وآليات المشروطية الجادة– لا تزال غائبة في الوقت الراهن. ومثلما أشار المؤلفون، فإنه من العسير تبيّن المصدر الذي قد تستمد منه الدول المانحة الإرادة السياسية للتصرف بشكل مغاير؛ إذ إن العلاقات الحالية تفي بالغرض بما يكفي لخدمة مصالح الحكومات المانحة والحكام السلطويين المتلقين، طالما ظل رخاء شعوب تلك البلدان خارج المعادلة.

يوجه المؤلفون انتقادًا لاذعًا لبرامج دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة «المدفوعة بالطلب»، التي ينصب تركيزها على تطوير منظمات قاعدية للدفع باتجاه نيل الحقوق وتحقيق الأهداف التنموية. وهم مُحقّون في رأيهم بأن هذه المقاربات قد مُنيت بفشل ذريع إلى حد كبير، لا سيما خلال السنوات العشرة أو الخمس عشرة الماضية، إذ تعرض الحيز المتاح للمجتمع المدني لهجوم ممنهج من جانب الأنظمة السلطوية في المنطقة. لذا من المثير للدهشة، عند التصدي للتحدي الأكثر استعصاءً أمام تعزيز الديمقراطية وإصلاح الحوكمة في «الدول الممشلنة»، أن نجدهم يعوّلون على انتفاضات المواطنين ضد سيطرة الميليشيات في لبنان، وينصحون المانحين بتبني نهج «التوجه محليًا» لدعم مجموعات المواطنين.

تُعَدّ هذه الفصول، التي تطرح مقاربات يُفترض أنها جديدة في مجال التنمية ومساعدات دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة، الأقل إقناعًا في الكتاب؛ إذ أن المقومات اللازمة لنجاحها هي عينها تلك التي تفتقر إليها علاقات المساعدات الراهنة، التي وصفها المؤلفون –عن حق– بأنها فاشلة وقاصرة. كذا فإن الأمل الغامض بأن «القيود الصلبة» المفروضة على استعداد الجهات المانحة لمواصلة دعم مشروع فاشل، بالتزامن مع الأزمات الاقتصادية المتفاقمة التي تواجه الأنظمة السلطوية المتصلبة، ستجبر كلا الطرفين على التوصل إلى ترتيبات جديدة يبدو أمرًا غير مقنع.

الفصل الأخير يقدم عرضًا أكثر تكثيفًا للمشكلات التي يسلط الكتاب الضوء عليها، ويشير إلى سُبل المضي قدمًا. ويتناول المؤلفون تصريحات قادة برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، في أعقاب تدمير ترامب للوكالة، بنظرة نقدية. وقد نال المديرة السابقة، سامانثا باور، نصيبٌ من هذا النقد؛ لتصويرها برامج المساعدات بوصفها «قوة عظمى»، ولزعمها بأن الحكام السلطويين سيرحبون بزوال الوكالة. ففي سياق الشرق الأوسط على الأقل، كان السلطويون في دول مثل مصر والمغرب شركاءً مُفضَّلين لدى الوكالة، ولطالما كانوا سعداء بحصد هذا الدعم. وفي معرض دفاع هؤلاء القادة العلني عن برامج المساعدات الخارجية الأمريكية، لاحظ المؤلفون أن التركيز انصبّ على الإشادة بالمساعدات الإنسانية، فيما لم يُبذل سوى جهد ضئيل للدفاع عن مساعدات دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة (التي استحوذت على نصيب الأسد من موارد الوكالة)؛ الأمر الذي يشي بأن مقدمي المساعدات كانوا مدركين لافتقارهم إلى البيانات التجريبية التي تدعم نجاعة برامجهم الرئيسية.

وختامًا، يلاحظ المؤلفون، عن حق، أن جذور الأزمات الإنسانية التي عصفت بالمنطقة في السنوات الأخيرة: في سوريا واليمن، والآن في فلسطين والسودان، هي «سياسية في جوهرها»، شأنها في ذلك شأن التخلف الاقتصادي الحاد الذي يُشكّل «عنفًا بنيويًا» بحق شعوب دول مثل مصر والمغرب وتونس. إن معالجة هذه الإشكاليات يتطلب ما هو أكثر مما تستطيع المساعدات التنموية وحدها تقديمه. ومن شأن التغيير الضروري في الإرادة السياسية لدى الدول الغربية المانحة أن يبعث الأمل في إمكانية معالجة المشكلات السياسية بحلول تدمج على نحو صحيح بين الضغط السياسي والأهداف التنموية. وفي ظل غياب مثل هذا التكامل، فمن المرجح أن تتواصل الإخفاقات التي وصفها المؤلفون في تعزيز التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة في أرجاء المنطقة.

إقرار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي

لم يستخدم الكاتب أي أدوات أو برامج للذكاء الاصطناعي.

هذا المقال كتب في الأصل باللغة الانجليزية لرواق عربي.

Read this post in: English

اظهر المزيد

نيل هيكس

المدير الأول السابق للمناصرة في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان من عام 2018 إلى 2025. وهو حاليًا باحث زائر في معهد بونافيرو لحقوق الإنسان بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى