مراجعة كتاب: «الجولاج السوري» لجابر بكر وأوجور أوميت أونجور

الإشارة المرجعية: الدردري، سيما. 2025. «مراجعة كتاب: الجولاج السوري لجابر بكر وأوجور أوميت أونجور.» رواق عربي، 30 (3): 48-51. https://doi.org/10.53833/ORLV4029.
العنوان: الجولاج السوري: داخل منظومة سجون الأسد
المؤلفان: جابر بكر وأوجور أوميت أونجور
الناشر: دار بلومزبري للنشر
سنة النشر: 2023
الرقم المعياري الدولي للنسخة الإلكترونية للكتاب: 9780755650224
لا تعد قراءة كتاب «الجولاج السوري» أو مراجعته بالمهمة اليسيرة؛ ومرد ذلك ليس قصور بنيته أو ضعف أسلوبه، وإنما على العكس تمامًا؛ إذ أنه يوثّق العنف الممنهج الذي طارد السوريين طيلة العقود الخمسة الماضية. ورغم أن ذلك العنف قد وضع أوزاره أخيرًا في ديسمبر 2024؛ إلا أن تداعياته لا تزال تخلف ندوبًا عميقة في المجتمع السوري.
يستند المؤلفان إلى المصطلح السوفيتي «الجولاج» لتوصيف منظومة السجون السورية؛ نظرًا لأنها تؤدي الوظيفة ذاتها التي أداها «الجولاج» في سحق جميع أشكال المعارضة، عبر «شبكة واسعة من المعسكرات، والسجون، ومراكز الترحيل، والشرطة السرية، والمخبرين، والجواسيس، والمحققين، والمعذِّبين، والجلادين».[1] وبشكل تفصيلي، يسرد الكاتبان كيف تحولت سوريا تحت حكم حافظ الأسد –وابنه من بعده– إلى سجنٍ كبير بالمعنى الحرفي للكلمة، وكيف استحالت بعد عام 2011 إلى «معسكر إبادة».[2] وتستند نتائج البحث إلى مئة مقابلة أُجريت مع معتقلين سابقين، وشهود عيان، وحتى مع بعض الجناة أنفسهم، فضلًا عن مواد مُستقاة من تسريبات، وتقارير، ومذكرات، إلى جانب معلومات مستخلصة من بيانات ثمانمائة قضية لجوء عكف على جمعها محامٍ هولندي مختص في شئون الهجرة على مدار أربعة عقود، خلال الفترة بين عامي 1975 و2015.
من خلال هذه البيانات الأولية والثانوية الثرية، يقدم المؤلفان رسمًا دقيقًا لهيكلية فروع المخابرات وشُعَبها، ومراكز الاحتجاز العسكرية والسرية؛ وكيفية عملها في ظل إفلات قانوني من العقاب،[3] فضلًا عن تتبع توزيعها الجغرافي في جميع أنحاء البلاد. أحكمت هذه البنية الأمنية حصار السوريين في دوامة من الخوف والمراقبة المستمرة لحياتهم السياسية والدينية، وكذلك الاجتماعية، وهو ما يعيد صدى مفهوم البانوبتيكون (panopticon) لميشيل فوكو، المتمثل في هيكل سجن شُيِّد في مركزه برج مراقبة يتيح رصد جميع المحتجزين في آنٍ واحد. ووفقًا لفوكو، يتمثل الأثر الجوهري للبانوبتيكون في «خلق حالة من الوعي والشعور الدائم لدى النزيل بأنه مرئي، بما يضمن اشتغال السلطة بشكل تلقائي».[4]
تمتلك الدول القدرة على تعميم هذه المنظومة الرقابية على سكانها، مثلما هو الحال في سوريا؛ حيثما خضع السجناء وغير السجناء على حد سواء للمراقبة، وعاشوا تحت تهديد دائم بعواقب وخيمة. إن سجن صيدنايا نفسه مُصمم حرفيًا على هيئة «بانوبتيكون»، مما يعكس طبيعة السلطة السياسية في البلاد. وفي ظل هذا الجهاز، تغلغلت السجون وأجهزة المخابرات داخل الأحياء السكنية وبين المنازل؛ فدمشق، على سبيل المثال، تعج بسجون على مقربة من الجامعات والمدارس والمستشفيات. لم يكن أي مكان آمنًا؛ فحتى الإنترنت كان خاضعًا للرقابة، وكان مجرد تسجيل «إعجاب» بمنشور على فيسبوك كفيلًا بأن يؤدي إلى الاعتقال.[5] وبناءً على ذلك، وكما هو الحال مع البانوبتيكون، يوضح المؤلفان أن «الجولاج السوري» قد خلق «عقلية تدفع المجتمع إلى رسم حدود المباح والمحظور».[6]
ينقسم الكتاب إلى جزأين، يضم كل منهما خمسة فصول تتدفق بوضوح وسلاسة «تُشكل مجتمعة الجولاج السوري: جهاز المخابرات، ومجمع السجون».[7] ومن خلال لغة ميسرة للقارئ غير المتخصص، يستعرض الكتاب أساليب التعذيب مسلطًا الضوء على أصوات الناجين، كما يناقش الاقتصاد السياسي للجولاج، موضحًا كيف جرى استغلال السجناء وعائلاتهم عبر الابتزاز والسرقة والتهديد بهدف جني الأرباح.
يعرض الجزء الأول من الكتاب جهاز المخابرات في سوريا برمته، مستعرضًا مختلف أجهزة المخابرات وفروعها. ويقدم لمحة تاريخية عن كل جهاز، ويوضح كيف وسّع حافظ الأسد نطاق هذه الشبكة العنيفة –بل وأنشأها في كثير من الأحيان– وكيف ورثها بشار، وكيف ضاعفت الثورة من وحشية المنظومة أضعافًا مضاعفة. وتضم هذه الأجهزة: المخابرات العسكرية، والمخابرات الجوية، وأمن الدولة/المخابرات العامة، وشعبة الأمن السياسي، والشرطة العسكرية؛ إذ «يُشكل هذا الرباعي المشئوم معًا ما يُعرف في سوريا باسم المخابرات السرية كُليِّة الحضور، التي تحيط أذرعها بإحكام بالمجتمع السوري».[8]
كما يتناول الجزء الأول أيضًا العلاقات الصدامية بين هذه الأجهزة؛ وهي توترات تعمد حافظ الأسد تأجيجها لضمان مراقبة الجميع للجميع، مما خلق حالة من القلق الدائم لدى الكل. وبذلك، مكّن الأسد كوادره، لكنه أيضًا «استغل تبعات ذلك لتوريط هؤلاء الرجال أنفسهم» عبر دفعهم للتنافس على إثبات ولائهم.[9] لذا، أبقى على هذه العدائية البنيوية لإحكام سيطرته على القطاع الأمني، وهو الإرث الذي واصله بشار. كما فُرضت هذه العدائية على المجتمع، مما خلق توترات اجتماعية وانعدام ثقة عميقًا عبر آلية «التقرير الأمني» التي «كرست حالة من الرعب بين المدنيين وعناصر الأمن على حد سواء»؛ إذ «بات الجميع يخشى الجميع».[10]
الجزء الثاني من الكتاب يستعرض السجون السورية بالتفصيل؛ إذ يستفيض في تاريخ كل منشأة، ويصف الحيز المعماري –من عدد المهاجع والمراحيض والباحات– كما يحدد الجداول اليومية وأساليب التعذيب واستراتيجيات النجاة التي اتبعها السجناء. وتضم هذه السجون سجونًا معروفة، مثل سجن المزة العسكري، وسجن تدمر العسكري، وسجن صيدنايا العسكري، إلى جانب مواقع سرية، مثل مقر فوج المظليين 555. كذا فإن الجزء الثاني من الكتاب يفرد مساحة لبحث أوضاع السجون المدنية التي تخضع لسلطة وزارة الداخلية، حيث يغيب التعذيب الممنهج وتتحسن مستويات الرعاية نسبيًا؛ إذ تعمل هذه السجون إلى حد كبير كجزء من السردية الدعائية للنظام.[11] ومع ذلك، فقد ظلت جميع السجون الأخرى مصدرًا لمعاناة هائلة طالت السوريين وغير السوريين على حد سواء، لا سيما اللبنانيين والأردنيين والفلسطينيين؛ وحتى ياسر عرفات، الذي احتجزه حافظ الأسد في سجن المزة لمدة واحد وخمسين يومًا في عام 1966.[12]
ومن خلال تسليط الضوء على قصص الناجين، يُفصّل الجزء الثاني أيضًا الظروف المروعة التي كابدها هؤلاء بما يتجاوز التعذيب الجسدي، بما في ذلك الاكتظاظ وتفشي الأمراض. كما يُسلط الضوء على تجارب النساء والأطفال السوريين المعتقلين، بما في ذلك «حالات أطفال وُلدوا لسجينات سياسيات… خاصة بعد عام 2011».[13] ويخلص المؤلفان إلى أن أساليب التعذيب اتسمت بوحشية متطابقة في مستوياتها سواء في السجون العسكرية أو سجون المخابرات أو السجون السرية، إذ «تُستخدم أساليب التعذيب نفسها مع الرجال والنساء على حد سواء، رغم أن النساء يُهددن بشكل أكبر بالاعتداء الجنسي».[14] ولكل هذا، بطبيعة الحال، عواقب وخيمة على السجناء، تتضمن –على سبيل المثال– «حالة نفسية تُعرف باسم الانطفاء (switching off)، إذ يدخل المعتقل في حالة من الغياب شبه الكامل عن الوعي» كوسيلة للانفصال عن واقعهم الوحشي.[15]
وهكذا، ينجح الكتاب في تقديم صورة شاملة للجولاج السوري، الذي «تتجاوز أهميته مجرد العلاقة بين السجناء والسجانين»، ليغدو فضاءً تتقاطع فيه «سلطة دولة ما بعد الاستعمار، والسلطوية، والطائفية، والتمييز القائم على النوع الاجتماعي، والثورة، والمقاومة، والعنف».[16] وخلال فترة تأليف الكتاب، كان الناس لا يزالون يعيشون تحت وطأة الخوف؛ مما يجعل قدرة المؤلفين على جمع بيانات واسعة وإجراء مقابلات حساسة لتقديم هذا العرض المستفيض لجهاز المخابرات السوري وأدوات عنفه أمرًا جديرًا بالثناء. ومن خلال تسمية الجناة وإدراج الصور الفوتوغرافية، يقدم الكتاب أيضًا صورة واضحة للمسئولين عن هذه الجرائم.
وبينما سعى نظام الأسد إلى «استئصال أدنى ملمح للسياسة الحقيقية من المجتمع؛ لكونه… في حالة حرب مع المجتمع»،[17] إلا أن هذه الحرب ارتدت عليه في نهاية المطاف. ويبرهن هذا على أن العنف، وإن أفلح في إطالة أمد بقاء النظام لفترة طويلة، إلا أنه دمر شرعيته في أعين الشعب؛ الذي لم يثنهِ القمع المفرط عن المشاركة في انتفاضة عام 2011، متكبدًا خلالها خسارة آلاف الأرواح. وتُعدّ مقاطع الفيديو للسجناء المحررين من المعتقلات طوال شهر ديسمبر 2024 سببًا كافيًا للاحتفال بسقوط الأسد، بمثابة إيذانً بنهاية هذه الدورة الاستثنائية من العنف. وبينما لا يمكننا الجزم باحتمالات نشوء دورات مستقبلية من العنف؛ إلا أن ما يهم الآن هو أن شخصًا مثل الطيار السوري السابق رغيد أحمد الطَّطَري (70 عامًا) –الذي قضى ثلاثة وأربعين عامًا في السجن لرفضه قصف حماة– بات بإمكانه أخيرًا السير بحرية في وطنه.[18] كما أن رؤية المسئولين، وبعضهم مذكورون بالاسم في الكتاب، وهم يخضعون الآن للمحاسبة من جانب الدولة الجديدة يعد أيضًا إنجازًا بالغ الأهمية للسوريين في رحلة تعافيهم من عقود من الصدمات.[19]
بطبيعة الحال، لا يزال أمام سوريا طريق طويل. ومع ذلك، يساهم الكتاب في تعريف العالم بالفظائع التي ارتُكبت إبان عهد الأسد، ويصب في نهاية المطاف في مسار السعي لتحقيق العدالة للكثير من السوريين بعد عقود من سياسات ممنهجة أفرزت «خوفًا شاملًا، وصدمةً جماعية، وكسادًا اقتصاديًا، واستقطابًا طائفيًا، وخنقًا للمواهب، وظلمًا مستمرًا، والحيلولة دون تشكّل بدائل مستقبلية للبلاد».[20]
بيان الاستعانة بالذكاء الاصطناعي
اقتصر استخدام برنامج شات جي بي تي على التدقيق اللغوي للنسخة الإنجليزية من مراجعة الكتاب.
هذا المقال كتب في الأصل باللغة الانجليزية لرواق عربي.
[2] المرجع السابق، 211.
[3] المرجع السابق، 99.
[4] ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة: آلان شيريدان (بنجوين، 1977)، 201.
[5] بكر وأوميت أنجور، الجولاج السوري، 134.
[6] المرجع السابق، 21.
[7] المرجع السابق، 9.
[8] المرجع السابق.
[9] المرجع السابق، 21.
[10] المرجع السابق.
[11] المرجع السابق، 151.
[12] المرجع السابق، 157.
[13] المرجع السابق، 283.
[14] المرجع السابق، 88.
[15] المرجع السابق، 59.
[16] المرجع السابق، 3.
[17] المرجع السابق، 313.
[18] ميدل إيست مونيتور، «سوريون يكرّمون طيارًا أمضى 43 عامًا في السجن لرفضه أوامر بقصف حماة» (Syrians Honour Pilot who Spent 43 Years in Prison for Defying Orders to Bomb Hama)، 27 ديسمبر 2024، تم الاطلاع في 11 ديسمبر 2025، https://www.middleeastmonitor.com/20241227-syrians-honour-pilot-who-spent-43-years-in-prison-for-defying-orders-to-bomb-hama/.
[19] وزارة العدل السورية، «نحو العدالة…تحقيقات تحت مظلة القضاء»، يوتيوب، أغسطس 2025، 44 ثانية، تم الاطلاع في 11 ديسمبر 2025، https://www.youtube.com/watch?v=Y0fWTibIjWU.
[20] بكر وأوميت أنجور، الجولاج السوري، 4.
Read this post in:



