رؤى: سوريا وتحدي تفكيك المشلنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

الإشارة المرجعية: دونو، جيلان، وروبرت سبرينغبورغ. 2025. «رؤى: سوريا وتحدي تفكيك المشلنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.» رواق عربي 30 (1): 12-20. https://doi.org/10.53833/YFZW4783.
ستكون سوريا اختبارًا حاسمًا لمعرفة مدى إمكانية إعادة إنعاش الدول التي استنزفتها الميليشيات وأمراء الحرب.[1] وتشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حاليًا، تواجد سبع دول يُمكن وصفها بأنها «مُمشلنة»، أي استُولي عليها واستُخدمت من قبل جماعات مسلحة غير حكومية، وأمراء الحرب الذين يهيمنون عليها، ورعاتهم الخارجيين. ثلاث من هذه الدول –لبنان والعراق واليمن– لا تزال مرتبطة بدرجات متفاوتة بما تبقى من «محور المقاومة» بقيادة إيران، والذي كان يتضمن أيضًا سوريا الـ«مُمشلنة» إلى حد كبير، حتى سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024. فيما تخضع شظايا متنازعة من دولتين فاشلتين أخريين، هما ليبيا والسودان، تحت سيطرة أمراء الحرب الملتزمين بجهات خارجية غير إيران. وفي «الفلسطينيتَين»، عملت حماس في غزة لفترة وجيزة، وإن لم تكن بالكامل، كوكيل إيراني منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وحتى أكتوبر 2023. بينما في الضفة الغربية، وتحت غطاء «السلطة الفلسطينية» الوهمية، تحولت قوات الأمن المنتمية لحركة فتح، منذ زمن طويل إلى ميليشيا وكيلة لإسرائيل، تستهدف المسلحين بانتظام، نيابة عنها أو بناءً على طلب الحكومة الأمريكية، مثلما حدث مؤخرًا في جنين في منتصف ديسمبر الماضي. تشكل هذه المجموعة المتنوعة جزءً كبيرًا من المساحة العربية، وتمثل جميع الأقاليم الفرعية للشرق الأوسط، من شمال أفريقيا (ليبيا والسودان) إلى شبه الجزيرة العربية (اليمن)، مرورًا بالهلال الخصيب (لبنان، سوريا، فلسطين، والعراق). وبمجموع سكان يقارب 175 مليون مواطن، تشكل الدول المُمشلنة قرابة 37% من إجمالي عدد السكان العرب البالغ 473 مليون.
المَشلنة والدول المُمشلنة
تتعمد الدول المُمشلنة إساءة معاملة سكانها وإفقارهم، كما تهدد جيرانها، وتعرِّض الأمن الإقليمي والعالمي للخطر. وإذا ما كان مقررًا التصدي للمخاطر التي تشكّلها هذه الدول بشكل فعال؛ يتعين أولًا فهم الديناميكيات التي تؤدي إلى المَشلنة وتساهم في ترسيخها. تُظهر هذه الديناميكيات أوجه تشابه ملحوظة عبر الحالات المختلفة، إذ تتقاسم جميع الدول المُمشلنة ثلاثة مكونات أساسية: دولة مفرغة من مضمونها، قوة اجتماعية وسياسية فعّالة لكنها مهمّشة في البداية، وتدخل خارجي. وتشير الأدلة إلى أن هذه المكونات الثلاثة ضرورية لإحداث المَشلنة، والتي تنجم كذلك عن الطرق المميزة لتفاعلها مع بعضها البعض.
نقطة البداية المنطقية لهذا التحليل تتمثل في وجود قوة اجتماعية مستاءة، تستمد قوتها من التضامن الإثني أو الديني أو الإقليمي أو القبلي، وتشعر بالاستياء من عقود التهميش السياسي والتمييز الاجتماعي والاقتصادي. المظالم المتراكمة لتلك القوة الاجتماعية توفّر أرضًا خصبة لظهور ميليشيا أو أكثر في وسطها، خاصة في ظل تحقق شرطين: أولًا، حينما تتداعى قدرة الدولة على مواجهة الجماعات المسلحة، نتيجة عقود من الفساد والحكم الشخصي وسوء الإدارة بشكل عام؛ وثانيًا، عندما تتحالف هذه الميليشيات وتُستغل من قبل دولة أقوى بكثير في الساحة الإقليمية (على سبيل المثال، إيران أو تركيا أو الإمارات العربية المتحدة). عادة ما يكون التفاعل بين هذه الديناميكيات المحلية والإقليمية معقدًا ومحددًا بحسب كل حالة، فرغم أن الميليشيات غالبًا ما تستخدم قوتها لتعزيز مصالح الرعاة الإقليميين؛ إلا أنه لا يمكن اختزالها في كونها مجرد «وكلاء» لهم.
وبمجرد تمكِّن ميليشيا أو أكثر من الاستيلاء على الدولة، فإن «المَشلنة» البحتة تتحول إلى إنشاء «دولة مُمشلنة». ويمثل التحول من «المَشلنة» إلى «الدولة المُمشلنة» تغيرًا نوعيًا حاسمًا في الاقتصاد السياسي للدولة، إذ يؤدي عادة إلى تحولات كبيرة في السياسات الداخلية لتلك الدولة، وتحالفاتها الخارجية، وموقعها الإقليمي والجيوسياسي، وحتى مدى تمتعها بالسيادة الحقيقية. ولهذه الأسباب، يستحق هذا التحول المزيد من التفصيل.
ببساطة، تشير المَشلنة إلى ظهور الميليشيات على مستوى القاعدة الشعبية، ومراكمتها للموارد والسلطة، وانتشارها المُحتمل في بيئة غنية بالصراعات. وكما ذكر أعلاه، فإن صعود الميليشيات في المنطقة العربية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحركات الاجتماعية والسياسية القائمة مسبقًا، والتي تدّعي التحدث باسم القوى الاجتماعية التي تعرَّضت للتهميش والقمع تاريخيًا، وتعبِّر عن المظالم طويلة الأمد وسرديات تعرض هذه الفئات للظلم . في الوقت ذاته، تنطوي المَشلنة على فقدان الدولة احتكارها للعنف، وتفتت أوسع للسلطة، وحكم جزئي –على الأقل من جانب الميليشيات– للأراضي التي تسيطر عليها. في ظل ظروف المَشلنة، يصبح التعايش بين الحكومة المركزية وجهاز الدولة الأوسع من جانب، والجماعات المسلحة غير الحكومية (الميليشيات) من جانب أخر، أمرًا شائعًا وإن كان غالبًا مليئًا بالتحديات. إذ تتولى هذه الأخيرة مهام الحوكمة في المناطق أو الأقاليم التي نجحت في إزاحة المؤسسات الرسمية للدولة منها، أو سد الثغرات الأمنية وغيرها من الخدمات العامة التي خلفتها الدولة. وفي حالات أُخرى، تلجأ الدولة، التي أصبحت ضعيفة جزئيًا أو عاجزة عن العمل، إلى تفويض بعض سلطاتها إلى جماعات مسلحة محلية (ميليشيات).
يرتبط مفهوم «المَشلنة» بالأدبيات القائمة حول تفكك السلطة، والنظم السياسية الهجينة، والحكم المختلط (بما في ذلك «حكم المتمردين»). في ظل ظروف المَشلنة البحتة، ورغم قدرة الجماعات المسلحة غير الحكومية على تعزيز نفوذها محليًا أو إقليميًا (مثلما فعلت حركة تحرير الشام في إدلب بسوريا منذ 2016 على سبيل المثال، أو كما فعل حزب الله في جنوب لبنان، والبقاع، وضواحي جنوب بيروت منذ الثمانينيات فصاعدًا)؛ إلا أنها لم تصل حد السيطرة على الدولة أو التغلغل فيها لدرجة تستدعي وصف تلك الدولة بأنها «مُمشلنة». باختصار، فيما تنطوي المَشلنة على توطيد السلطة لدى الميليشيات على مستوى القاعدة الشعبية، بما قد يؤدي إلى ظهور نظم محلية جديدة تتقاسم فيها الميليشيات وظائف الحكم مع الدولة أو حتى تحل محلها؛ فإن ذلك بحد ذاته لا يمثل إعادة تشكيل جذرية للسلطة على المستوى المركزي. ووقتما حدثت إعادة تشكيل السلطة هذه؛ فإن عملية «المَشلنة» تُسفر عن تشكُّل «دولة مُمشلنة»، كما سنناقش فيما يلي.
من الأمور الحاسمة أيضًا في كيفية تجسّد المَشلنة في المنطقة العربية وجود صلة قوية بين الميليشيات ورعاتها الخارجيين. تفاقم هذه الروابط من تدهور جهاز الدولة الهش بالأساس، سواء من حيث القدرة أو الشرعية. كما تضمن أنه متى فرضت واحدة أو أكثر من الميليشيات المعنية سيطرتها المباشرة على الدولة، فمن المحتمل أن تقع الدولة تحت تأثير الراعي الخارجي لتلك الميليشيا. مع ذلك، وحسبما أشير أعلاه، نادرًا ما تكون الميليشيات مجرد وكلاء لتلك الدول الأجنبية التي تزودها بالمساعدة المالية والأسلحة والتدريب وأشكال الدعم الأخرى؛ إذ تحافظ دومًا على قدرتها على اتخاذ القرار ومستويات متفاوتة من الاستقلالية، مما يسمح لها بمتابعة أجنداتها الخاصة التي قد لا تتطابق، بل وتتعارض أحيانًا بشكل حاد، مع أجندات رعاتها الخارجيين.
وتتطلب «الدولة المُمشلنة» أكثر بكثير من مجرد وجود أدلة على «المَشلنة» على الأرض. ويتجلى ذلك، على سبيل المثال، في أداء الوظائف الأساسية للحكم من جانب الجماعات المسلحة غير الحكومية على المستوى المحلي. ونحن نقصد بـ«الدولة المُمشلنة» الدولة التي سقطت فيها المؤسسات الاستراتيجية، ومجالات اتخاذ القرار، والموارد الهائلة التي تتحكم بها تحت سيطرة ميليشيا واحدة أو أكثر، بحيث أصبحت هذه الميليشيا متجذرة في جهاز الدولة للدرجة التي تمكنها من فرض قرارات حكومية حاسمة في قضايا تتراوح بين الشئون الداخلية والأمن القومي والسياسة الخارجية. في الدولة المُمشلنة، تعمل الميليشيات كأنها دولة (أو دول) داخل الدولة. وبالتالي، تُعاد هيكلة الدولة التي تمر بعملية المَشلنة لتخدم مصالح وأولويات قادة الميليشيات وكوادرها وأعضائها، وإلى حد أقل مصالح الشرائح الاجتماعية التي كانت مهمشة سابقًا وأضحت الآن مهيمنة. في الوقت نفسه، يتم اختزال غالبية السكان في دور الأطراف الخارجية سياسيًا واقتصاديًا.
في دولة أعيد تشكيلها على هذا النحو، قد ينقسم الجهاز البيروقراطي إلى مكونات مُمشلنة وغير مُمشلنة، لكن الأخيرة تصبح تابعة للأولى. وقد تشهد حتى وزارة واحدة أو جهة حكومية توترًا بين الدولة «الإسمية» أو «المتبقية» من جهة، والدولة «العميقة» المتمثلة في مصالح الميليشيات من جهة أخرى. وأحيانًا قد تعمل الميليشيات المنتصرة على تقسيم غنائم الدولة والأراضي فيما بينها، كما هو الوضع في ليبيا والسودان. وأخيرًا، يُسفر اعتماد الميليشيات على رعاتها الخارجيين إلى خدمة الدول المُمشلنة لمصالح هؤلاء الرعاة في الكثير من الأحيان، مما يعني أن الدول المُمشلنة سرعان ما تكف عن العمل ككيانات ذات سيادة حقيقية.
كما يشير النقاش أعلاه، فإن الدولة المُمشلنة تنطوي على تحولات أكثر أهمية بكثير من مجرد وجود أدلة على المشاركة في الحكم على المستوى المحلي بين الدولة والجهات غير الحكومية، أو حتى قدرة الميليشيات على ترسيخ نفوذها في بعض مؤسسات الدولة. إذ أن مَشلنة الدولة ليست مجرد اختراق أو استيلاء ميليشيا أو أكثر على أجزاء من الدولة؛ بل إنها إعادة بناء أساسية لتلك الدولة، وبالتالي لنظامها الحاكم. بمجرد اختبار الدولة لعملية المَشلنة، قد تتحدى النخب السابقة في النظام النخب الجديدة المرتبطة بالميليشيات، وقد تنشب صراعات على السلطة، كما قد تُزيح النخب القديمة أو يُجبر أصحابها على التعايش مع النخب الجديدة. وعادةً ما ينتج عن ذلك واقع مؤسسي وسياسي جديد، بالإضافة إلى اقتصادات جديدة تعكس نفوذ النخب الميليشياوية وسيطرتها على الموارد. هذه التحولات بعيدة المدى؛ إذ لا تقتصر على ظهور أو ترسيخ «نظام سياسي هجين»، وإنما تؤدي إلى بناء دولة على أسس جديدة. وتصبح الميليشيات معتادة ليس فقط في الأراضي التي شاركت فيها سابقًا في الحكم، بل في صميم كل من النظام السياسي والدولة –إذ يتم عادة إضفاء الطابع الرسمي والقانوني على صلاحياتها. ومن ذلك الموقع الأقوى بشكل ملحوظ، يضحى من الصعب للغاية اقتلاع الميليشيات (فلا دولة من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تعرَّضت للمَشلنة قد تم تفكيك ميليشياتها بعد)، ويمكنها المضي قدمًا في نهب الدولة الإسمية، وبناء إمبراطوريات اقتصادية واسعة، واستبدال سلطتها بتلك التي يتبوأها وكلاء الدولة الظاهريين. علاوة على ذلك، وبما أن الميليشيات في الدولة المُمشلنة غالبًا ما تحظى بوضع قانوني، لا يعود من الدقيق وصفها بأنها «جهات غير حكومية». وعلى أقل تقدير، يصبح التمييز بين الميليشيات والمؤسسات الرسمية للدولة أكثر ضبابية، سواء من الناحية القانونية أو في الواقع، إذ أنهما غالبًا ما يندمجان جزئيًا، مما يؤدي إلى ظهور كيانات مؤسسية جديدة.
يمكن تصور درجة المَشلنة في المجتمع ومدى تحول الدولة نفسها إلى حالة مُمشلنة على أنهما عملية تتكشف بشكل مستمر. كما يمكن الافتراض أنه بمجرد أن تتجاوز مَشلنة المجتمع عتبة معينة، يصبح تحول الدولة إلى دولة مُمشلنة أمرًا أكثر احتمالًا –وإن لم يكن أمرًا حتميًا. وبالمثل، فإن الانتقال من مجرد المَشلنة (بما في ذلك الأدلة المحتملة على تأثير الميليشيات داخل الدولة) إلى دولة مُمشلنة بالكامل هو عملية تستغرق وقتًا يتراوح بين عدة أشهر أو سنوات، وليست حدثًا فوريًا. وقد يؤدي تصاعد ملحوظ في الصراع الداخلي العنيف، خاصة إذا عجزت الدولة عن فرض نفسها بالاعتماد على جيشها النظامي وقواتها الأمنية، إلى تسريع المَشلنة الكاملة للدولة. وفي هذا السياق، يتبادر إلى الذهن، على سبيل المثال، الدور الحاسم الذي مارسته الميليشيات الشيعية الموالية لإيران في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بين عامي 2014 و2017، والذي مهَّد الطريق لإدماجها الرسمي في مؤسسات الدولة الأمنية، واستيلائها لاحقًا على تلك المؤسسات من الداخل.
صُناع سلام أم ممكِّنون للمَشلنة؟
للأسف، غالبًا ما تُضفى الشرعية على مَشلنة الدول على يد من يزعم أنه صانع للسلام. لقد سعى سفراء الأمم المتحدة والدبلوماسيون الغربيون وغيرهم من وسطاء محتملين مرارًا وتكرارًا إلى إنهاء الصراعات العنيفة من خلال منح الأولوية للتعامل مع الجهات الفاعلة المحلية المهيمنة، والتي غالبًا ما تكون في مرحلة حل النزاعات أو ما بعد النزاع مجرد أمراء حرب مرتبطين برعاة خارجيين أقوياء. وقد أسفرت تلك الاستراتيجية عن عواقب وخيمة على الدول والسكان الذين كانوا على الطرف المتلقي لها؛ فقد أدت إلى زيادة مكانة ونفوذ قادة الميليشيات، وعززت قبضتهم على الدولة، ومكَّنتهم من نهب الموارد العامة، ومنحتهم شرعية دولية، وهمَّشت السكان والجهات الديمقراطية أو شبه الديمقراطية، وصادقت على فقدان الدولة الفعلي لسيادتها لصالح رعاة الميليشيات الخارجيين. وما لم تحققه تلك المقاربة هو جلب السلام –بل على العكس، فقد أضرَّت بسمعة عملية صنع السلام، وذلك لأسباب وجيهة، كما توضح الأمثلة أدناه.
في لبنان، الذي كان أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقع ضحية لهذه المقاربة، ضمنت اتفاقات الطائف التي توسطت فيها السعودية في أكتوبر 1989 أن يتم اختطاف النظام السياسي بعد الحرب من جانب ثلاث قوى رئيسية: النخب السابقة للحرب الأهلية، التي تم تسليحها خلال الأعمال العدائية؛ وقادة الميليشيات والمنظمات السياسية العسكرية (أبرزها حزب الله) الذين برزوا خلال الحرب؛ وعملاء سوريين فرديين كان لهم دور أساسي في تسهيل السيطرة السورية على البلاد حتى أبريل 2005. وفي السنوات التي تلت انسحاب سوريا، تزايد نفوذ حزب الله بشكل مطرد، حتى تغلغل في الدولة جاعلًا إياها رهينة للمصالح الإيرانية.
في العراق، أدت عدة قرارات معيبة اتخذتها إدارة بوش إلى تمهيد الطريق لمَشلنة الدولة عقب سقوط نظام صدام حسين والغزو الأمريكي في مارس 2003. من بين أبرزها، إرساء سياسة «تفكيك البعث»، وحلّ الجيش العراقي، واعتماد صيغة جديدة لتقاسم السلطة على أسس عرقية وطائفية. التطهير الجذري والمفاجئ لبيروقراطية العراق الناتج عن تفكيك البعث أنتج فراغًا في صميم الدولة، لم يُملأ بجيل جديد من البيروقراطيين الأكفاء؛ وإنما وفَّر فرصة لتجنيد أنصار الميليشيات. في الوقت نفسه، أدى حلّ الجيش العراقي إلى انضمام ضباط سُنّيين وجنود من الرتب الدنيا إلى صفوف تمرّد أدّى إلى زعزعة استقرار الدولة بشكل أكبر وساهم جزئيًا في صعود الميليشيات الشيعية المؤيدة لإيران داخل الجهاز الأمني ووزارة الداخلية والبيروقراطية الأوسع. أما فيما يتعلق بترتيب تقاسم السلطة بين النخب، الذي اُقتبس إلى حد كبير من لبنان وفُرض على البلاد من خلال جهد مشترك بين المنفيين العراقيين السابقين والأمريكيين، فقد أتاح بدوره زيادة مطردة في نفوذ المنظمات السياسية العسكرية ذات الصلات الوثيقة بالنظام الإيراني (وخاصة منظمة بدر التي تأسست في طهران خلال الثمانينيات). لاحقًا، كما نوقش سابقًا، ساهم القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية، الذي قادته الميليشيات الشيعية المؤيدة لإيران منذ انطلاقه في يونيو 2014 وحتى استعادة الموصل في فبراير 2017، في ترسيخ قبضة الأخيرة على الدولة ومن ثم ترسيمها رسميًا. لاحقًا، تم قبول هذا الوضع باعتباره واقعًا مفروضًا من قبل المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة. وبدعوى استعادة السلام الداخلي الهش الذي كان يتطلب هزيمة عسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية، استسلمت القوى الغربية لمَشلنة الدولة العراقية.
في سوريا، أدى الفشل الأولي للثورة في إسقاط نظام الأسد إلى نشوء دولة مُمشلنة أخرى. هناك، أدت المَشلنة إلى تجزئة الأراضي وظهور «دويلات» تهيمن عليها ميليشيات متنافسة ترتبط برعاة خارجيين متنافسين. وأضحى النظام نفسه أحد تلك الكيانات، يمتد من العاصمة إلى قلب الطائفة العلوية في محافظة اللاذقية مرورًا بممر دمشق–حمص–حماة. وحتى انهيار النظام في أوائل ديسمبر 2024، كان جوهره الداخلي يتألف في الغالب من ميليشيات علويّة مؤيدة للأسد وبقايا الجهاز القمعي المرتبط به. وفي الوقت نفسه، تقاسمت روسيا وإيران مكونات أخرى من الدولة، خاصة المؤسسة العسكرية الأمنية والمرافقة المباشرة للرئيس (سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء محليين). وفي أماكن أخرى، سيطرت ميليشيات مدعومة من الخارج، بما في ذلك قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة في الشمال الشرقي، والجيش الوطني السوري الذي يسيطر عليه الأتراك، وحركة تحرير الشام التي تمتلك صلات قوية بتركيا في محافظة إدلب. وقد تأصل هذا الترتيب الهش في تسوية خارجية أخرى تم التوسط فيها في أستانا عام 2016، والتي، على الرغم من تحقيقها باسم الاستقرار، كانت تعمل في الأساس كوسيلة لضمان المصالح المتبادلة في سوريا لدى روسيا وتركيا وإيران. وبعد سنوات، حينما أُعيد قبول سوريا في الجامعة العربية في مايو 2023، واتجه جميع الفاعلين الخارجيين الرئيسيين (بما في ذلك، وإن بدرجات متفاوتة، الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحتى الولايات المتحدة) بشكل مبدئي للتصالح مع نظام الأسد الوحشي، تم تبرير إعادة التأهيل السياسي، ضمنيًا أو صراحة، استنادًا إلى المتطلبات المزعومة لـ«الاستقرار» و«صناعة السلام».
تُظهر ليبيا والسودان أيضًا مدى بلوغ جهود «صناعة السلام» و«الاستقرار» الظاهرة –التي يتم تنفيذها في المقام الأول من خلال بعثات الأمم المتحدة والممثلين الخواص للأمين العام للأمم المتحدة– في تشديد وإضفاء الشرعية على قبضة الميليشيات في دول قُسمت بالفعل إلى إقطاعيات يديرها أمراء حرب مدعومون من قوى إقليمية متنافسة. في الحالة الليبية، يُعزى وجود الحكومة في طرابلس إلى وساطة الأمم المتحدة، ودعم الحكومة التركية، ونيل الاعتراف الدولي، إضافة إلى العامل الحاسم المتمثل في استعداد مجموعة من الميليشيات القوية للدفاع عنها. وليس الشعب الليبي طرفًا في هذا الترتيب. في الوقت ذاته، تعمل الحكومة المنافسة في المنطقة الشرقية على شكل هياكل إدارية، بينما تكمن القوة الحقيقية في الرجل القوي خليفة حفتر وعشيرته، وفيما يُعرف بـ«القوات المسلحة العربية الليبية»، وهي مجرد ميليشيا، إضافة إلى الدعم المقدم من روسيا وفرنسا والإمارات ومصر. لقد أدى أكثر من عقد من التدخل الأممي في ليبيا إلى ترسيم وتطبيع تقسيم البلاد إلى إقطاعيات ذات نمطين، وتشديد قبضة الميليشيات على مناطقها الشرقية والغربية. كما أسفر ذلك عن خلق غضب واسع النطاق ومبرر بين المواطنين الليبيين تجاه بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا التي وُصفت بالعجز وعدم الكفاءة والتشتت، وتجاه الممثلين الخواص المتعاقبين للأمين العام الذين يُنظر إليهم على أنهم متواطئون مع تجاوزات السياسيين وأنصار الحرب الذين يسعون لتحقيق مصالحهم الشخصية.
أما انحدار السودان إلى الحرب الأهلية منذ أبريل 2023، فيمكن إرجاعه إلى حد كبير إلى جهود الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية غير المدروسة، والتي انتهت بالفشل في نهاية المطاف في محاولة التواصل مع اثنين من كبار ممارسي القوة العنيفة في البلاد، الجنرالين برهان وحميدتي، في محاولة عقيمة لإجبارهما على التوصل إلى حل لتقاسم السلطة، مع تهميش الجهات المدنية غير العنيفة، بدءً بالمجتمع المدني السوداني، رغم أنه أظهر سابقًا قدرات وإمكانات حقيقية. كما أن سعي الجهات الدولية بشكل أحادي نحو صفقة قائمة على النخبة بين رواد العنف، مبررًا باسم «صناعة السلام» و«الاستقرار»، لم يجلب سوى البؤس والدمار الشامل، فضلًا عن فقدان السيادة؛ نظرًا لأن الجهات الخارجية، خاصة الإمارات، استغلت العنف المستعر، وعملت بنشاط على تأجيجه في سعيها لتحقيق مصالحها الخاصة. ومن اللافت للنظر أن ثلاثة من بين الجهات الداخلية الأربع المهيمنة في ليبيا والسودان هم أمراء حرب صراحة (حفتر في ليبيا، وحمدتي وبرهان في السودان)، أما الجهة الرابعة، وهي الإسلاميون الذين يسيطرون على طرابلس، فتترأس ائتلافًا من الميليشيات.
لم يتأثر اليمن بعد بمحاولات خارجية مختلّة مماثلة في مجال «صناعة السلام» و«الاستقرار». لكن قد يحين دوره، نظرًا لدعم الإمارات للانفصاليين في الجنوب منذ 2019، والتواصل التجريبي الذي تمارسه السعودية مع الحوثيين منذ 2021، وإعاقة رعاة الحوثيين الإيرانيين خلال العام الماضي. وقد تدفع هذه الظروف إلى صفقة كبرى بين الجهات الإقليمية الرئيسية المشاركة (إيران والسعودية والإمارات). ومن المفترض أن يتم التصديق على تلك الصفقة، ضمنيًا أو صراحة، من قبل المجتمع الدولي. وكما هو الحال في الأمثلة التي تم بحثها أعلاه، قد تؤدي تلك الصفقة إلى تقسيم اليمن فعليًا إلى إقطاعيات تهيمن عليها الميليشيات ورعاتها الخارجيون. وإذا كانت تلك الحالات الأخرى بمثابة دليل، فقد يكون مصير اليمن أي شيء سوى السلام.
لماذا يبرم صانعو السلام صفقات سيئة؟
السجل التاريخي واضح حتى الآن: غالبًا ما تسفر جهود صناعة السلام التي تبذلها أطراف خارجية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن نتائج سلبية بالنسبة للدول التي يُفترض أن تستفيد منها، ولكن لماذا؟ يعود الجواب في بعض الأحيان إلى النية الأصلية، إذ تستهدف التسويات السياسية التي تُحرَز من خلال التدخل الخارجي تعزيز أجندات صانعي السلام المعلن عنهم، وتسوية مصالحهم المتضاربة في البلد المستهدف، بينما تُعتبر رفاهية السكان المعنيين أمرًا ثانويًا على الأقل. وقد توضح عملية أستانا –التي كانت تهدف إلى حماية «حصص السوق» لدى روسيا وتركيا وإيران في سوريا– هذه الظاهرة على نحو أفضل. كما يمكن ملاحظة تسوية مصالح الفاعلين الخارجيين في معظم الأمثلة المذكورة أعلاه، بدءً من اتفاق الطائف الذي صُمم لاستيعاب المصالح السعودية والسورية في لبنان، وصولًا إلى المناورات الأحدث باسم إقرار السلام أو إحداث «الاستقرار» التي يمارسها اللاعبون الخارجيون الرئيسيون في مسارح تمتد من ليبيا إلى فلسطين.
في السياق نفسه، يلعب خلل الجهاز البيروقراطي وعدم كفاءة المسئولين المشاركين في جهود صناعة السلام –نتيجة عدم تأثيرهم على صانعي القوة الرئيسيين على الأرض وسوء استغلالهم لأي نفوذ يمتلكونه– دورًا متكررًا، لا سيما عندما تكون الأمم المتحدة متورطة. ونظرًا لأن الشرق الأوسط كان موقعًا لأكبر عدد من محاولات الوساطة وصناعة السلام التي تمارسها الأمم المتحدة، مقارنة بأي منطقة عالمية أخرى؛ فقد تحمل أكثر من حصته العادلة من الأضرار الجانبية، بما في ذلك ظهور دول مُمشلنة. ويمكن الإشارة، مرة أخرى، إلى فشل تدخل الأمم المتحدة في ليبيا على مدار السنوات الماضية؛ ففي ظل فترات ولاية المستشارين الخاصين للأمين العام، يان كوبيس وستيفاني ويليامز على وجه الخصوص، لم يؤدِ التشوه الكامل للعملية السياسية المدعومة من الأمم المتحدة إلى شل حركة الأمم المتحدة فحسب، بل كان له تأثير مُوهِن على دبلوماسية إدارة بايدن والحكومات الأوروبية، التي ألقت بثقلها خلف تلك العملية السياسية المدعومة من الأمم المتحدة.
لكن الأمر لا يقتصر على الأمم المتحدة؛ فالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ساهمت أيضًا في «مَشلنة» الدول. قد يكون المثال الأول هو التدخل الدبلوماسي الأمريكي الكارثي في السودان خلال الفترة بين 2021–2023، الذي أسفر في النهاية عن تمكين وتشجيع اثنين من أمراء الحرب المسئولين عن الكارثة الإنسانية والسياسية الحالية في ذلك البلد، فضلًا عن المساهمة في تهميش المجتمع المدني المؤيد للديمقراطية والنشطاء السياسيين. كما يُعتبر التواصل المبكر للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع خليفة حفتر في ليبيا، حينما دعا أمير الحرب الليبي إلى محادثات سلام في باريس في يوليو 2017، مثالًا آخر ساطعًا. وبالتأكيد، في تلك الحالة كان الدافع العام مزيجًا من المصلحة الوطنية الذاتية والاستعراض الشخصي، مقارنة بمزيج السذاجة والتهديدات الفارغة والرضا عن الوضع الذي ميّز نهج كبار دبلوماسيي إدارة بايدن تجاه الأزمة في السودان. لكن النتيجة كانت مشابهة؛ إذ منح التقبّل الدبلوماسي الذي أبداه ماكرون لشخص كان يُنظر إليه آنذاك على أنه مجرد أمير حرب ضال، شرعية دولية ومحلية، مما ساعده على إعادة تشكيل صورته إلى سياسي محترم وحتى رجل دولة، وفي الوقت نفسه شجعه عسكريًا. في ظل هذا السياق، يجب فهم الهجوم العسكري لحفتر على طرابلس في 2020 وترسيخ سلطته اللاحق في الشرق، وفي الواقع عبر ليبيا منذ ذلك الحين.
لا تزال هناك عوامل أُخرى تُفسر ميل صانعي السلام المحتملين إلى دعم أمراء الحرب، سواء كان ذلك بقصد أم لا. فمن ناحية، يمتاز علم النفس وهيكل الحوافز في عملية صناعة السلام من جانب الأطراف المحايدة بطابع الدبلوماسية؛ لذا فإن المهمة الأساسية هي التوصل إلى اتفاق، ويفضّل أن يتم ذلك بأسرع وقت ممكن. من هذا المنطلق، فإن أي صفقة تعتبر أفضل من عدم وجود صفقة –ليس فقط لأن الاتفاق، مهما كان معيبًا، قد يمنع المزيد من القتال؛ بل أيضًا لأن الفشل في إنهاء العنف لن يُحسّن صورة صانعي السلام، سواء على المستوى التنظيمي أو الشخصي. وفي سياق النزاع أو ما بعده، قد ينطوي الطريق المباشر نحو الاتفاق على استيعاب أولويات ومصالح من يتولون إدارة النظم السياسية المحلية، وهذا يعني عادةً قادة الجماعات المسلحة دون المستوى الوطني. بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما تنظر منظمات صناعة السلام إلى ما هو أبعد من مجرد إنهاء الأعمال العدائية؛ إذ تهدف أيضًا إلى تهيئة الظروف التي تُمكّن من تقديم المساعدات الطارئة والإنسانية، وتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار، وإعادة اللاجئين والنازحين داخليًا إلى ديارهم. ولتحقيق هذه الأهداف وضمان أمن الأطقم الدولية التي ستنفذ البرامج المعنية؛ ينبغي عليهم في البداية تأمين التعاون مع من يمتلكون سيطرة فعلية على الأراضي والسكان، أي قادة الميليشيات.
الرهانات الأوسع وراء الفرصة السورية
الآن، بعدما تم إجبار الهيكلية الميليشياوية التي كان يسيطر عليها الأسد ورعاته الأجانب على ترك السلطة، وتحول القوة الاجتماعية التي كانت تحظى بمكانة فضلى، العلويون، من قوة مهيمنة إلى مجموعة مكافئة وليست متفوقة على باقي الفئات؛ باتت أمام سوريا فرصة ذهبية لبناء دولة حقيقية، تتمتع بسيادة حقيقية، وقادرة على أداء الوظائف الأساسية المرتبطة بالدولة، وتوفر نظامًا سياسيًا دونما تتحول إلى جهاز قمعي. لكن، هل يمكن حقًا إعادة دولة منهكة مؤسسيًا ومُفرغة من أركانها إلى الحياة؟ نظرًا لعدم حدوث ذلك من قبل في الشرق الأوسط الحديث، وبما أن سوريا تاريخيًا عرضة للانقسامات والاضطرابات، فإنه من الخطر افتراض إمكانية تحقيق ذلك بسهولة.[2]
ليس هذا سؤالًا أو مسعى بلا جدوى؛ فالدول العربية المُمشلنة تُشكّل آفة لا تؤثر على مواطنيها فحسب، بل تمتد تأثيراتها لتطول المنطقة والعالم بأسره. فقد أظهرت لقطات الفيديو التي تُظهر المخلفات البشرية في سجن صيدنايا المحرر، الشر الكامن تحت سطح تلك الدول. كما أشارت مخازن الكبتاجون والمصانع المهجورة لإنتاجه إلى الخراب الذي أحدثته ما أصبحت أكبر دولة مخدرات في العالم، تُنتج وتُهرب المخدرات في جميع أنحاء المنطقة خارجها. وبالمثل، كان يُعتقد على نطاق واسع أن صفوف السيارات «المستعملة» المعروضة للبيع في جنوب لبنان، والتي لاحظها المؤلفان، هي سيارات مسروقة في أوروبا على يد لصوص مرتبطين بحزب الله، الأمر الذي يثبت أن القارة ليست محصنة من الأنشطة الإجرامية التي تمارسها كيانات مرتبطة بالدول المُمشلنة (كما لو أن تهريب البشر من ليبيا لم يبرهن ذلك بالشكل الكافي). والأهم من ذلك، هو ما لا يُرى؛ ومنه تهريب النفط الإيراني الخاضع للعقوبات عبر العراق ومسارات أخرى.[3] ولكن قبل كل شيء، فإن استعراض القوة الناعمة والصلبة من جانب رفقاء أو رعاة الدول المُمشلنة الأقوياء –وأبرزهم روسيا وإيران– يشكل أخطر تهديد للأمن العالمي. إذن، فمن المؤكد أن الدول المُمشلنة تستحق بذل الجهد لمحاولة إحيائها كدول حقيقية، تستجيب لحاجات مواطنيها، وتمارس أدوارًا إقليمية وعالمية مسئولة. لكن، كيف يمكن تحقيق ذلك؟
المحظورات العشر
للأسف، لا يمكن الإجابة بدقة على السؤال المطروح أعلاه؛ نظرًا لعدم وجود حالة ناجحة يُحتذى بها. وبدلًا من ذلك، لدينا عدة أدلة واضحة من المحاولات الفاشلة لإعادة بناء الدول المنهارة، ومعالجة المخاطر المعروفة للدول المُمشلنة. لذا ينبغي إعادة صياغة السؤال وفقًا لذلك: ما الذي يجب عدم فعله؟ على الأقل، قد تُساعد عشر محظورات في تجنب كارثة أخرى في مجال صناعة السلام أو إعادة بناء دولة فاشلة.
- لا تتنازلوا عن الدولة لأمراء الحرب والميليشيات بحجة امتلاكهم الأسلحة، وأنهم الوحيدون القادرون على تحقيق السلام. فرغم احتمالية قدرتهم على ذلك؛ لم يُظهر أي منهم حتى الآن الرغبة في تحقيقه، إذ إن منحهم الشرعية سيؤدي فقط إلى تقليل استعدادهم لتقديم التنازلات.
- لا تتجنبوا السعي إلى الحقيقة والمصالحة وما يستتبع ذلك من محاسبة المخطئين؛ فالجرائم التي لم تتم معاقبتها ستتكرر، والرغبة غير المتحققة في تنفيذ العدالة ستقوض أي ترتيبات لاحقة.
- لا تتجاهلوا الأصول المسروقة؛ ابذلوا كل ما يمكن لإعادة الأصول العامة إلى الدولة والممتلكات الخاصة إلى أصحابها الشرعيين. تحققوا مما إذا كانت الأصول الأجنبية المرتبطة بأمراء الحرب متورطة في نشاط إجرامي، وتصرفوا وفقًا لذلك. لا بد من تحقيق العدالة بشكل علني لتعزيز احترامها وترسيخها.
- لا تعهدوا بإعادة الإعمار إلى قوى خارجية لها مصالحها الخاصة؛ بل اعملوا على تمكين المواطنين من المشاركة بأكبر قدر ممكن فيها. المثال السلبي على ذلك هو عمل شركة سوليدير على إعادة إعمار وسط مدينة بيروت التاريخي نيابةً عن المملكة العربية السعودية، الأمر الذي أدى إلى تدميره وابتعاد اللبنانيين عنه.[4]
- لا تفضّلوا السلع والخدمات الخاصة على الخدمات العامة بحجة ضعف الدولة، وأن الفاعلين الخاصين هم فقط القادرون على تقديمها. على سبيل المثال، هذا المنطق يضفي شرعية على توليد الكهرباء وتوزيعها من جانب القطاع الخاص في مناطق النزاع؛ إذ إن توفير الخدمات العامة أمر حيوي لإعادة بناء قدرات الدولة، وتعزيز احترامها، وتحقيق رفاهية المواطنين.
- لا تبالغوا في الوعود بما يمكن تقديمه لمن عانوا، كي لا يخيب أملهم وينصرفوا عن عملية إعادة الإعمار؛ فإذا عاد جميع السوريين المهاجرين منذ 2011 خلال فترة وجيزة، من شأنه أن يخلق تحديات إدارية هائلة. حدّدوا الأولويات وافرضوا إجراءات وجداول زمنية معقولة حتى يتمكن المواطنون من التخطيط والتكيف بدلًا من الانجراف وراء حماس مؤقت يعقبه إحباط.
- لا تتسرعوا بإجراء انتخابات ذات رهانات عالية في دول من الواضح أنها ليست مستعدة لها، إذ من المحتمل أن يُطعن في نتائجها الأمر الذي قد يفاقم بدوره من حدة الانقسام القائم. فهناك العديد من الخطوات الضرورية التي ينبغي اتخاذها في سبيل أن تتفوق فوائد إجراء الانتخابات على المخاطر المرتبطة بها. ففي ليبيا على سبيل المثال، كان تركيز الأمم المتحدة والولايات المتحدة على الحاجة المزعومة لإجراء انتخابات عامة (لم تُجرَ قط) ذو تأثير عكسي تمامًا.
- لا تسمحوا للميليشيات بالاحتفاظ بأي استقلالية عن الدولة، سواء بشكل مباشر أو داخل مؤسساتها الأمنية، ولو على أساس انتقالي؛ فأي ميليشيا سُمح لها بالحفاظ على استقلاليتها لم تحل نفسها على الإطلاق.
- لا تعتمدوا على صناعة السلام من جانب الأمم المتحدة؛ فلم تنجح في أي مكان في المنطقة، فالمنظمة ضعيفة ومنقسمة للغاية لدرجة أنها لن تكون فعّالة في البيئات التي تشهد مَشلنة (وغيرها). ففي ليبيا، كان من الممكن أن تنجح الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشكل أكبر لو كانت دبلوماسيتهم تُدار بشكل أكثر استقلالية عن «عملية الأمم المتحدة». على الأقل، كانوا سيتجنبون فقدان مصداقيتهم بسبب ارتباطهم الوثيق ببعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا، خاصةً بعدما فشلت الأخيرة في السيطرة على العملية التي كانت تقودها.
- لا تفشلوا في استغلال الفرصة التي أتاحها شعب سوريا، الذي حقق ما لم يحققه أي مواطن آخر في الإطاحة بدولة مُمشلنة في الشرق الأوسط. إن الدعم السخي لن يُسهم فقط في تجديد الدولة السورية، بل سيزيد من احتمالية محاكاة الحالة السورية.
هل تبرد الحمى، أم يتفشى السرطان؟
بالنظر إلى الهزيمة الجيوستراتيجية التي تكبدتها إيران في الأشهر الماضية، وإلى أن «محور المقاومة» تلقى ضربات يصعب التعافي منها بالكامل، فقد تواجه آفة الدول المُمشلنة أخيرًا ترياقها. لكن تهديد المشلنة لا يزال يلوح في الأفق في المنطقة. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن سوريا قد بدأت للتو مرحلة انتقالية، قد تنجح أو لا تنجح، ولأن النجاح الذي تحققه قد لا يسير على دربه الآخرون. كما يُعزى الأمر أيضًا إلى سهولة تصور أن دولًا عربية أخرى ستخضع لشكل من أشكال تدهور الدولة أو حتى انهيارها. المشتبه بهن الرئيسيات هن دول شمال أفريقيا المتبقية، الممتدة غربًا من مصر مرورًا بتونس والجزائر وصولًا للمغرب. يبلغ عدد سكانها معًا 213 مليون نسمة. وإذا أُضيف ذلك إلى عدد سكان الدول المُمشلنة بالفعل، يرتفع الإجمالي إلى قرابة 400 مليون من أصل قرابة 475 مليون مواطن عربي. جميعها دول سلطوية هشة. وبالتأكيد، لا تمتلك أي منها قوى اجتماعية محرومة يُمكن بناء ميليشيات قوية عليها –كما تمثلها الشيعة في لبنان قبل الثمانينيات، والشيعة في العراق تحت حكم صدام، والزيديون في اليمن في عهد صالح، أو الفلسطينيون في الأراضي المحتلة. ولكن، في الوقت نفسه، لا يحظى أيٌّ منها حاليًا بدعم سياسي كبير. هذه الأنظمة، المدعومة بشكل أساسي من جانب مؤسساتها القمعية بدلًا من أي قاعدة شعبية قوية ومحددة، تخضع لضغوط هائلة نتيجة المعاناة الاقتصادية والرقابة السياسية الخانقة وسوء الإدارة العميق، ناهيك عن النمو السكاني وتدهور البيئة. وبينما تمثل الدول المُمشلنة التحدي المباشر الأكثر صعوبة الذي يواجه بناة الدولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سيكون من الحكمة أن يظل هؤلاء البناة يراقبون الدول الأخرى، التي تبدو في الوقت الحالي شبيهة إلى حد كبير بما كانت عليه الدول المُمشلنة قبيل انهيارها.
هذا المقال كتب في الأصل باللغة الانجليزية لرواق عربي.
[2] من المفيد أن نتذكر أنه على مدار الفترة بين الاستقلال في 1946 والانقلاب الذي نفذه حافظ الأسد في نوفمبر 1970، شهدت سوريا عشرة انقلابات عسكرية (ثلاثة منها في 1949 وحده) وقرابة عشرين تغييرًا حكوميًا خارج نطاق القانون.
[3] مها الدهان ويوسف صبا، «شبكة تهريب زيت الوقود تجني مليار دولار لصالح إيران ووكلائها»، رويترز، 3 ديسمبر 2024، https://www.reuters.com/world/middle-east/fuel-oil-smuggling-network-rakes-1-billion-iran-its-proxies-2024-12-03.
[4] سوليدير اختصار لـ«الشركة اللبنانية للتنمية وإعادة إعمار وسط مدينة بيروت».
Read this post in: English