الإشارة المرجعية: حسن، بهي الدين. 2026. «رؤى: ماذا يعني الدفاع عن حقوق الإنسان في زمن التطبيع مع النزعات الاستعمارية والنظم التسلطية؟» رواق عربي 31 (1): 9-18. https://doi.org/10.53833/VDYK6666.
ربما لم تخيم أجواء التشاؤم على العالم بهذه الكثافة على مدار سبعة وسبعين عامًا مضت منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر 1948؛ فعلى مدى عامين متواصلين جرت حرب إبادة وتجويع في غزة أدت إلى مقتل أكثر من سبعين ألف فلسطيني، وقد عجزت مؤسسات المجتمع الدولي عن وقفها، مثلما عجزت عن وقف حرب إبادة أخرى في السودان بدأت قبل غزة، بمبادرة أطراف محلية ومشاركة أطراف عربية تستغل الصدوع العرقية مثلما استغلها الاستعمار الأجنبي من قبل.[1] فضلًا عن استمرار عجز المجتمع الدولي عن وقف الغزو الروسي لأوكرانيا المتواصل منذ أربعة أعوام، مثلما عجز عن إعادة الأراضي التي اقتطعتها روسيا منها منذ اثني عشر عامًا. بل إن المبادرة الأمريكية الأخيرة للوساطة بين الطرفين تفرض على أوكرانيا التنازل لروسيا عن أراض إضافية لا تزال تحت سيطرتها، تصل مساحتها إلى 2500 ميل مربع وتضم مدينتين كبيرتين! وفي هذا الشأن، يبدو أن التفهم الذي تبديه إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه أطماع الرئيس فلاديمير بوتين الاستعمارية،[2] يتسق مع أطماع هذه الإدارة ذاتها في الاستيلاء على جرينلاند من الدانمارك، وفي ضم كندا وايسلندا وخطف رئيس فنزويلا والسيطرة على صادراتها النفطية. في هذا السياق، لا يبدو مستغربًا أن تتوقع فرنسا اندلاع الحرب بين روسيا وأوروبا خلال ثلاث أو أربع سنوات. في ضوء العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران هذا العام، وقبل ذلك فنزويلا؛ يبدو أن العالم لم يعد يخضع لأي نظام قانوني على الإطلاق.[3]
لم يبدأ انهيار النظام الدولي مع ترامب، وإنما قبل ذلك بأكثر من عقدين؛ وتحديدًا مع الهجمة الإرهابية على نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر 2001، والغزو الأمريكي للعراق بعدها، رغم رفض مجلس الأمن منح غطاء للغزو ومعارضة حادة من حليفين بارزين لأمريكا: هما فرنسا وألمانيا. في العام الماضي، تجددت المواجهة بين الولايات المتحدة وأغلبية دول أوروبا بشكل أكثر حدة، حول حل الدولتين لفلسطين والمحكمة الجنائية الدولية، وحروب ترامب التجارية وفنزويلا وجرينلاند، والموقف من الأطماع الاستعمارية الروسية في أوكرانيا.
بالطبع لم يكن الوضع مثاليًا قبل الحادي عشر من سبتمبر، ولكن منذ ذلك الحين تراجع بشكل حاد الحرص على احترام قواعد وقرارات المجتمع الدولي بشأن النزاعات المسلحة وحقوق الإنسان. وتوازيًا مع هذا التدهور، شهد العالم تراجعًا للديمقراطية، وصعودًا لنظم تسلطية ولليمين المتطرف والشعبوي في عدد من دول العالم، وتزايدًا في الانقلابات العسكرية؛ خاصةً في أفريقيا والعالم العربي.
في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية، ولد النظام الدولي المبني على قواعد، وهيئة الأمم المتحدة والمنظومة الدولية لحقوق الإنسان. و خلال ما تبقي من القرن العشرين، شهد العالم تحرر عشرات من دول الجنوب من الاستعمار، وانطلاق الموجتين الثانية والثالثة للتحول الديمقراطي اللتان شملتا عددًا من دول أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. لكن العالم العربي لم تلامسه الموجتان، ولا بالطبع الموجة الأولي للتحول الديمقراطي التي جرت في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين.
الفجر الكاذب
اتضح افتقار العالم العربي للديمقراطية والحرية بأجلى صوره خلال عامي حرب الإبادة والتجويع في غزة؛ إذ نجحت شعوب دول الغرب في تجسيد تضامنها الجماعي، واحتجاجها على تواطؤ بعض حكوماتهم، بمشاركة مئات الألوف بشكل أسبوعي في عدد كبير من العواصم وكبرى وصغرى المدن، وفي الجامعات والمهرجانات الفنية والثقافية –وبمشاركة نشيطة من يهود، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية– في مشهد للتضامن الدولي «لا مثيل له في التاريخ الحديث».[4] بينما في المقابل، عجزت الشعوب في أغلبية الدول العربية عن تحويل المشاعر الفردية بالابتئاس لمأساة الفلسطينيين إلى أفعال تضامن جماعي سياسي مع غزة، بل أنه جرى القبض على من تجرؤ على الخروج للشارع في مصر، وحبسهم عامين قبلما يحالوا للمحاكمة بعد ذلك.
ربما استدعت هذه المفارقة مرة أخري السؤال التاريخي الذي تردد في أرجاء العالم العربي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر بعد استيقاظه من ظلمات كهف العصر المملوكي العثماني ليُصدم بمدى تقدم الغرب: «لماذا تقدموا ولماذا تخلفنا؟». ضاعف من وطأة المفارقة تصدُّر شعوب الغرب لمشهد التضامن السياسي والأخلاقي مع القضية الفلسطينية، والتي تعتبرها أغلبية النخب السياسية والثقافية العربية قضيتها «الأولي/المركزية»، الأمر الذي كشف ذروة عجز هذه النخب أمام ذاتها وأمام العالم!
فيما تجنح العديد من التحليلات الشائعة لتفسير كل مظهر للتخلف في العالم العربي بالعرق العربي ودين الإسلام؛ إلا أن عجز أغلبية شعوب العالم العربي عن التعبير عن تضامنها السياسي مع الشعب الفلسطيني يستحيل تفسيره بالعروبة أو الإسلام، الذي يفترض أنهما عاملان يدفعان بقوة نحو التضامن مع الأخوة في العروبة/الإسلام.
يبدو أن جذور المشكلة تكمن في مكان آخر، وهي على الأرجح ذات صلة بتطور المجتمعات والدول، ووثيقة الصلة أكثر بتدني قيمة «الحرية» لدي النخب السياسية والثقافية في المنطقة في المرحلة الحالية. ولعل تأمل مسارات «الربيع العربي» يقدم دليلًا جليًا على ذلك.
عوَّل كثير من المراقبين على موجتي الربيع العربي (2011 – 2021) –اللتين شملتا تونس ومصر والبحرين وسوريا وليبيا واليمن والمغرب، ثم العراق ولبنان والجزائر والسودان– باعتبارهما موجة رابعة عالمية محتملة للتحول الديمقراطي، وهو ما تبين لاحقًا أنه كان فجرًا كاذبًا. فقد تكشّف عجز المجتمعات السياسية في العالم العربي عن بلورة كتلة مجتمعية حرجة متماسكة تتبني مسارًا توافقيًا في أي من الدول الإحدى عشر، إذ تراجعت «الحرية» كقيمة لصالح اعتبارات أخرى لدى النخب السياسية، يتفاوت وزنها من دولة لأخري، مثل العلمانية أو الإسلام، أو تحسين الشروط المعيشية، أو الشعور بعدم الأمان إزاء مستقبل غير واضح المعالم ومع فاعلين جدد، أو استشعار تفاقم مخاطر خارجية حقيقية أو لا أساس لها، أو عدم وضوح صورة المستقبل، أو اعتبارات أخرى. لذا انتهى الأمر بانحسار «الموجة» لصالح استمرار النظام القديم (في العراق ولبنان والجزائر والبحرين والمغرب)، أو بانقلاب عسكري (مصر)، أو بانقلاب دستوري (تونس)، أو بصراع مسلح أدى لانقسام الدولة إلي إقليمين أو أكثر (اليمن وليبيا)، أو بحرب أهلية (سوريا)، أو بانقلاب عسكري ثم حرب أهلية بين مهندسي الانقلاب (السودان). باستثناء الجزائر والمغرب؛ مارست دول عربية أخرى أدوارًا مؤثرةً بوسائل مختلفة وبدرجات متفاوتة في الدفع نحو المسار الفاشل لموجتي الربيع العربي في الدول التسع الأخرى.
كذا لم يشكل سياق التحرر من الاحتلال استثناءً؛ إذ أخفقت النخب السياسية الفلسطينية، في العقود الثلاثة الأخيرة، في تكوين كتلة تتوافق على رؤية استراتيجية موحدة، رغم مبادرات الوساطة الإقليمية والدولية التي قادتها مصر وقطر والجزائر وروسيا والصين. وقد تواصل ذلك الإخفاق خلال عامين من حرب إبادة، تفاوضت خلالهما السلطة الوطنية وحركة حماس (كل على حدة) في مناسبات متعددة مع إسرائيل والرئيس ترامب، وتوصل كل طرف فلسطيني لاتفاقات أو تفاهمات مع الطرفين جرى التزام جدي بها في أغلب الحالات. ورغم ذلك، لا يزال الطرفان الفلسطينيان الرئيسيان عاجزين، حتى لحظة كتابة هذا المقال، عن التوافق على خطة عملية لإدارة غزة المنكوبة وإعادة إعمارها، أو حتى على قبول الجلوس وجهًا لوجه في قاعة واحدة بمصر، التي تتولى الوساطة بينهما. في هذا السياق، يبدو منطقيًا أن يطالب الفلسطينيون بمنح الأولوية «لإعادة الإعمار السياسي للسياسة والحوكمة الفلسطينية»،[5] على جهود إعادة إعمار غزة، والتي مازالت مهددة بالتحول «لمستعمرة عقارية/ ريڤيرا غزة»، وفقًا لتصريحات مستشاري ترامب في منتدى دافوس هذا العام.
أحد أهم العوامل التي ساهمت في هذا الفشل الجماعي، في سياق الربيع العربي وفلسطين، يتمثل في تدني مستوى التوافق بين النخب السياسية والثقافية في العالم العربي علي أولوية قيمة الحرية؛ مقارنةً بالشعوب التي بدأت في اجتياز هذا الاختبار منذ نحو قرنين من الزمان. هذه مسألة –كما أسلفنا– لا تتعلق بقضايا العرق والدين، وإنما بالتطور التاريخي للمجتمعات والدول، والذي تمارس فيه النخب السياسية والاقتصادية والثقافية دورًا حيويًا.
قد يكون مفيدًا في هذا السياق تأمل أثر تباين خيارات النخب السياسية في دولة واحدة هي كوريا الموحدة؛ إذ أفضت هذه الخيارات إلى نشأة دولتين مختلفتين تمامًا، لا يجمعهما سوى ملامح أفراد الشعبين. فالشمالية دولة شيوعية توتاليتارية مغلقة، بدرجة تفوق الصين في عهد ماو تسي تونج، وتكرس القيم البطريركية الآسيوية، فتسجد لزعيم أوحد من نسل العائلة المؤسسة. على الجانب الأخر، صعدت كوريا الجنوبية إلى مصاف الدول الصناعية والديمقراطية الكبرى في العالم، بعدما نبذت نخبها السياسية القيم البطريركية، بل أحالت رئيس الدولة للمحاكمة، وعزلته العام الماضي بسبب شكوكها في اعتزامه تنفيذ انقلاب دستوري، ثم عوقب بالسجن مدى الحياة.
مثال آخر من العالم العربي، ولكن لتحولات النخب السياسية عبر الزمان في الدولة ذاتها؛ إذ شرعت مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في الاستيقاظ من سبات كهف العصرين المملوكي والعثماني، وشهدت نهوضًا متصاعدًا اقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا ومجتمعيًا وتعليميًا. لم يستطع الغزو والاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 كسر هذه الموجة الناهضة وإعادتها للكهف، بل أجبرت ثورة المصريين في مارس 1919 الاحتلال على التسليم بحق مصر في الاستقلال. من اللافت للنظر أن حزب الوفد، الذي كان يقود الكفاح من أجل التحرر الوطني لمصر، كان إحدى أكبر وأهم قلاع قيم الليبرالية السياسية في مصر والعالم العربي. لكن في النصف الثاني من القرن العشرين، انقلبت مصر في اتجاه معاكس؛ رغم أن المصريين لم يتغير أصلهم العرقي ولا أديانهم. قد تكمن الإجابة في مكان آخر؛ أي في تحولات قيم النخب السياسية والثقافية.
ولكن؛ للفرد أيضا دور خاص ومؤثر، سلبًا وإيجابًا في مسار الدول، بل وفي مسار العالم أحيانًا. لنتأمل بصمات أشخاص مثل هتلر وستالين ولي كوان يو وترامب، وكذلك بصمة الفرد غير السياسي، مثل نيوتن وأينشتاين وجاليليو وفرويد وداروين.
فرد اسمه جمال عبد الناصر
في أعقاب التحرر من الاستعمار الأجنبي، انصرفت جهود كثير من دول الجنوب العالمي للتركيز على مهام البناء الداخلي، بما يستوجبه ذلك من إيلاء عناية قصوى للتنمية الاقتصادية وتعزيز التماسك الداخلي للمجتمع خلف هذه الأولويات، وتجنب استنزاف الطاقات المحدودة لدولة ناهضة في صراعات داخلية عنيفة أو صراعات إقليمية مع دول مجاورة.
في هذا السياق، تشكل الهند مثالًا نموذجيًا، فبعدما خضعت للاحتلال البريطاني لقرابة 200 عام، قررت التركيز على الأولويات السالف الإشارة إليها؛ فأطلقت بمجرد استقلالها حرية الفاعلين الاقتصاديين والحريات السياسية، ولم تحول مطالب المسلمين بالانفصال في دولة مستقلة (صار اسمها باكستان) إلى معركة صفرية، وحرصت على ألا تؤدي التوترات العسكرية مع جارتها القوية: (الصين الشعبية) إلى حرب استنزاف اقتصادي وبشري. حتى انتهى الأمر بالهند (1.4 مليار نسمة) لأن تصير حاليًا خامس أكبر اقتصاد في العالم (تسبق بريطانيا)، وتشغل المركز الثامن والثلاثين على مؤشر الابتكار في العالم. بالطبع لم يخل مسار الهند من تراجعات كبقية دول العالم؛ لكن الانتكاسات لم تؤد إلى عكس مسار منحنى الصعود منذ لحظة الاستقلال.
على النقيض من الهند؛ فإن طريق صعود مصر في السنوات الخمس الأخيرة إلى قمة الدول المتسولة في العالم بدأ يلوح أيضًا مبكرًا منذ الأيام الأولى التي أعقبت الانقلاب العسكري في الثالث والعشرين من يوليو 1952، ومن خلال جدول الأعمال الذي وضعه قائد الانقلاب؛ إذ كانت الأولوية القصوى لتكريس حكم الفرد، لذا جرى:
(أ) التخلص تدريجيًا من رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة/الانقلاب بالتآمر عليهم، ثم بالسجن أو بالنفي خارج البلاد أو بالتقاعد المنزلي المبكر. لتبدأ تدريجيًا حلقات متصاعدة من الصراع الدامي بين العضوين الباقيين: الرئيس (جمال عبد الناصر) ووزير دفاعه (عبد الحكيم عامر). للأسف لم يُحسم ذلك الصراع الذي تصاعد تدريجيًا على مدار نحو خمسة عشر عامًا إلا بعد تلقي أفدح هزيمة عسكرية لجيشهما ولمصر في الساعات الأولى من صباح الخامس من يونيو 1967، ثم انتحار/قتل وزير الدفاع.
(ب) إلغاء الأحزاب السياسية، وفرض إطار سياسي وحيد على المصريين «الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي» تديره الأجهزة الأمنية. وترتيب محاكمات هزلية لأبرز قيادات الحزب الأهم: الوفد (الذي مزج في سبيكة واحدة بين التحرر السياسي للفرد والمجتمع وبين التحرر الوطني للدولة)، واعتقال قيادات جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الشيوعية وممارسة أبشع أساليب التعذيب بحقهم.
(ج) إلغاء الاتحاد النسائي المصري، والتدخل الأمني في النقابات، وإعدام عاملين (خميس والبقري) عقابًا على قيادتهما إضرابًا عماليًا في واحدة من أصغر مدن مصر: كفر الدوار. ورشوة قيادات نقابية أخرى لتدبير مظاهرات ترفض في مارس 1954 العودة للديمقراطية،[6] وشن حملات للتطهير السياسي الجماعي استهدفت إقصاء الشخصيات المستقلة في الصحافة والثقافة والفكر وأساتذة الجامعات والقضاء (ما يُعرف بمذبحة القضاة).
(د) تطوير نظام حكم يرتكز على عقد اجتماعي يقايض «الخبز» بالتخلي عن الحرية/العبودية السياسية، الأمر الذي اقتضى تركيز كل مصادر ثروة البلاد في قبضة الحكام الجدد، من خلال أعمال التأميم والمصادرة وتقييد حرية الفاعلين الاقتصاديين المحتملين، بزعم أنهم جميعا «مستغلين»! وتطلب من ناحية أخرى زيادة أجور ودخل الشرائح متواضعة الدخل بما يسمح بتوسيع القاعدة الاجتماعية لحكم الفرد. ولكن بالتوازي؛ تم حجز مواقع الإدارة العليا المدنية للدولة والقطاع العام الناشئ للعسكريين والمحاسيب من المدنيين من أنصار نظام يوليو والمتعاونين مع أجهزته الأمنية، بصرف النظر عن مدى امتلاكهم الحد الأدنى من الكفاءة والمؤهلات اللازمة لتقلد هذه المواقع الحاكمة في الإدارة اليومية لمصر واقتصادها وجيشها. النتيجة يعرفها القارئ: فشل الخطة الخمسية الأولى للدولة وشيوع الفساد، وتعبيد المسار الذي أدى لهزيمة الخامس من يونيو 1967.
إقليميًا؛ استنسخ أغلبية الحكام العرب من المحيط للخليج ذلك «العقد الاجتماعي الناصري»، مطبوعًا في كل دولة بسمات خاصة. الاختلاف الأهم كان في التفاوت الكبير بين كلفة القبول بالتخلي عن الحرية بين أغلبية الدول النفطية ومقابلها في أغلبية الدول العربية الأخرى. خلال الربيع العربي «ركزت الهتافات على المطالبة بالخبز والكرامة والحرية. كانوا يطالبون بنتائج ملموسة، وليس بنظام سياسي يحققها لهم».[7] بالطبع لم يبخل الرؤساء –الذين استمروا في الحكم بعد الربيع العربي أو من خلفوهم– عن تقديم وعود «بنتائج ملموسة»، ولكن لأنه لم يولد نظام سياسي مختلف قادر على تحويل هذه الوعود إلى حقائق مستدامة، تبخرت الوعود، بل تراجعت قدرات الحكام على توفير –ليس فقط الحرية– بل «الخبز والكرامة». تونس قيس سعيد ومصر عبد الفتاح السيسي هما مثالين ساطعين في هذا السياق.
رغم أن جمال عبد الناصر اعتاد استهلال خطبه السياسية الجماهيرية للمصريين بعبارة «أيها المواطنون»؛ لكنه لم يعنها أبدًا، إذ كان يتهكم في جلساته الخاصة من جدارة المواطنين بالاضطلاع بأي دور سياسي.[8] في نظره، لم يكن المصريون يومًا جديرين بالحرية والكرامة والمساواة، كل سياسات نظام حكمه منذ أطاح بأبرز زملائه سعت لتأليه ذاته وتجنب المحاسبة، بما في ذلك خطابه في التاسع من يونيو 1967، الذي لم يحمل فيه نفسه مسئولية أبشع هزيمة عسكرية في تاريخ مصر الحديث. ورغم فشله الكارثي حينها، إلا أنه لم يتورع عن أن يطلب من سلاح الجو بعد نحو عام قصف مظاهرة احتجاج طلابية في الإسكندرية.[9]
(ه) من سوء حظ مصر والدول العربية الأخرى أن شهية الحاكم الفرد (ناصر) للسلطة لم تنحصر بمصر، إذ صار تدريجيًا ينظر لنفسه كمبعوث العناية الإلهية للإقليم كله (من خلال الحملات الإعلامية التحريضية الملتهبة وتدبير أجهزة مخابراته مؤامرات ضد نظم الحكم في دول عربية)، وكمحرر لفلسطين من النهر للبحر، دونما يملك الحد الأدنى من رؤية مدروسة، ومن مقومات اقتصادية ترشح دولته لهذا الطموح التوسعي الإقليمي، أو خطة عسكرية مدروسة للتحرير وجيش مؤهل ومدرب عليها، وحلفاء دوليين يرجحون كفته.
قد يكون مفيدًا في هذا السياق تأمل النهج السياسي الذي اتبعه «سيمون بوليڤار» أثناء معركته لتحرير قارة أمريكا اللاتينية من الاستعمار الإسباني في القرن التاسع عشر، وكيف حرص على كسب كبار الفاعلين الدوليين لدعمه، ورفض في الوقت ذاته دمج دول القارة بعد التحرير في دولة إقليمية واحدة برئاسته.[10] جدير بالذكر أن بوليڤار ولد في فنزويلا، لكنه تولى رئاسة كولومبيا، فيما اتخذت دولة ثالثة اسمه لها: بوليفيا. جدير بالذكر أيضًا أن جواهر لال نهرو، القائد التاريخي للهند بعد استقلالها وأحد أبرز رموز حركة عدم الانحياز، نصح عبد الناصر خلال زيارة له لمصر بأن يتبني الطريق الديمقراطي، قائلًا (وفقًا لإسماعيل صبري عبد الله: أحد أبرز القادة التاريخيين للحركة الشيوعية المصرية): «سيدي الرئيس؛ السلطة تُفسد، والسلطة المطلقة تُفسد فسادًا مطلقًا».[11]
نحن وهم
من الصعوبة بمكان البحث عن عناصر التشابه بين سلطات الملوك والأمراء في عالمنا العربي وأمثالهم في دول مثل السويد وهولندا وبريطانيا. أحد الأسباب هو أن الملك في الغرب يملك ولا يحكم؛ فالمؤسسات غير الملكية المنتخبة، والسياسيين المنتخبين يحتكرون سلطات الحكم فعليًا. لكن استحالة المقارنة تكاد تتعاظم عند مقارنة صلاحيات الرؤساء في نظم حكم منتخبة في الغرب والعالم العربي، سواء كانت هذه النظم جمهورية رئاسية أو برلمانية. يُلاحظ كاتب يساري سوري في مقال نشره قبل أكثر من عامين[12] أن أطر علاقة الحكام على الضفتين بشعوبهم من ناحية، وأقرانهم من الدول الأخرى من ناحية أخري، مختلفة تمامًا بل معكوسة؛ فحكام أوروبا يتعاملون مع شعوبهم بأليات السياسة (منافسات انتخابية شفافة، مداولات برلمانية تنتهي بقرارات وتشريعات تحمل بصمة الأغلبية المنتخبة، إعلام تنافسي حر، قضاء مستقل، حرية تنظيم للمبادرات السياسية والأهلية)، بينما يدير الحاكم في أوروبا علاقته بالدول الأخرى (أوروبية وغير أوروبية) بمنطق «السيد»؛ الباحث عن تحقيق مصالح مجموع ناخبيه السياسية والاقتصادية. بينما على الجانب الأخر، في شرق وجنوب البحر المتوسط، الصورة معكوسة تمامًا؛ حيث يدير الحاكم علاقته بالشعب بمنطق السيد الذي يملي الخطط والسياسات والأوامر، بصرف النظر عن وجود هيئات أخرى كاريكاتورية (تتخذ ذات أسماء مثيلاتها في الغرب)، إلا أن وظيفتها تنحصر في كونها مسرحًا يجري من خلاله تمرير السياسات والقرارات المتخذة سلفًا للجمهور، وتبرير القمع المحدود أو الوحشي لمنتقديها. لكن ذات الحاكم في العالم العربي يحرص على إدارة علاقته بالدول الأخرى بمنطق السياسة والمسايرة، مالم يكن ذلك الحاكم يتعرض لضغوط خارجية حادة، أو أنه يحتاج لابتزاز شعبه بأن الدولة تتعرض لتهديد خارجي حقيقي أو مصطنع.
إسرائيل تنتمي بالطبع للمجموعة الأولي، فالمواطن اليهودي هو سيد فيها، والحاكم السفاح الحالي الذي أدار حروبًا على سبع جبهات خلال العامين الماضيين يتعرض لمحاكمة رأي عام يومية في الإعلام وفي الشارع وأمام قضاء يحاكمه بجرائم فساد، قد تبدو حكايات مسلية في نظر القارئ العربي المطلع على مدى تفشي الفساد الفاحش في دوائر الحكم في العالم العربي. لكن محلل فلسطيني يلاحظ أن إسرائيل تنحدر تدريجيًا في السنوات الأخيرة لتصير نظامًا استبداديًا يحكمه فرد واحد؛ نظرًا «لتفاقم عسكرة السياسة والمجتمع الإسرائيلي».[13]
مرة أخرى، ابحث عن دور النخب السياسية في الدفع نحو هذا التحول.
عالمان وعقدان اجتماعيان
أحد أهم أسباب هذا المنطق المعكوس في العالم العربي – عنه في أوروبا – هو استمرار علاقات قوى تكرس هيمنة العقد الاجتماعي العبودي المتوارث منذ قرابة سبعين عامًا: «الخبز» مقابل التخلي عن الحرية والكرامة. يُلاحظ أنه في الدول العربية التي صار حكامها في العقد الأخير عاجزين عن توفير «الخبز» بسعر مناسب، وضمان الحد الأدنى من مقومات المعيشة؛ جرى تقديم «الأمن» بديلًا، من خلال الاستثمار السيكولوجي في التخويف من كوارث الشعوب الأخرى: ليبيا والسودان وسوريا واليمن.
لكن يبقي رهان الحكام العرب (مدنيين أو عسكريين أو سلفيين مثل أحمد الشرع في سوريا) على تواضع قيمة الحرية لدي النخب التي تسود المجال السياسي والثقافي في المنطقة منذ منتصف القرن الماضي، وذلك لصالح اعتبارات أخري (العلمانية أو العقيدة الدينية أو العدالة الاجتماعية أو فلسطين)، وهو الأمر الذي يضر أيضًا بجدارة تلك الاعتبارات الأخرى ذاتها. جدير بالملاحظة أنه حتى الذين يؤمنون بأن المسألة الفلسطينية هي القضية المركزية للشعوب العربية مجتمعة، عجزوا –بسبب حرمان هذه الشعوب من الحرية– عن تجسيد تضامنهم مع الفلسطينيين؛ لأن المسألة المركزية الحقيقية في العالم العربي هي الحرية، وهذا مالا تدركه الأغلبية في النخب السياسية والثقافية في المنطقة بعد.
رغم التفاوت الهائل بين وضعية الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وباقي الشعوب في الدول العربية؛ إلا أن وضعية المواطن في أغلبية هذه الدول هي أقرب إلى اللاجئ (الذي لا يتمتع بالتعريف بحقوق المواطن)، رغم حصوله على جنسيتها بحكم الميلاد، وعلى بطاقة هوية شخصية وجواز سفر صادرين منها، وربما أدي الخدمة العسكرية في جيشها.
من المثير للتأمل في هذا السياق إحصاء كم المتشابهات (غير المتطابقة) بين مقاومة الفلسطينيين المدنية غير المسلحة لمخطط تهجيرهم لحساب الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، وبين مقاومة المواطنين المصريين بكل الوسائل المدنية المحدودة المتاحة على مدار ثمان سنوات لمخطط الحكم العسكري بتهجيرهم من جزيرة الوراق الكائنة في نيل القاهرة.
واقع الأمر أنه إذا أعدنا تأمل جرائم الإبادة التي ارتكبها الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين بحق «مواطنيه» الشيعة والأكراد، والتي ارتكبها رئيسي سوريا: حافظ الأسد ونجله بشار الأسد بحق «مواطنيه» السنة، والتي ارتكبها الرئيس السوداني السابق عمر البشير بحق «مواطنيه» في دارفور والجنوب –وواصلها حلفاء البشير في الجيش وميلشيا الدعم السريع– فإن القارئ ربما لن يجد اختلافًا جوهريًا في القسوة والوحشية بين جرائم الحاكم «الوطني» (بتعبير أكثر دقة المستعمر الوطني)[14] وبين تلك التي ارتكبها جيش احتلال أجنبي (الإسرائيلي) بحق شعب آخر (الفلسطيني). هنا يكاد يتطابق الواقع الفلسطيني والعربي. وفي تطابقهما يكشفان عن خصوصية المهمة الثقيلة/غير التقليدية التي تواجه الحقوقيين في العالم العربي، إنها «الخصوصية السياسية» التي يظن البعض أنها «خصوصية ثقافية» ذات جذور عرقية و/أو دينية تفسر موقف المجتمعات في العالم العربي من عالمية حقوق الإنسان
عن أي خصوصية نتحدث؟
تمتلك هذه الخصوصية غير التقليدية وجهين؛ أحدهما هو مدى قسوة ووحشية الحاكم الوطني المتحررة من كل قيد سياسي أو قانوني أو إنساني، وسيكولوجية الافتراس التي تتلبسه إزاء مواطنيه. فيما يتعلق الوجه الثاني بالنخب السياسية والثقافية –هو الأخطر والأكثر تحديًا للمنطق ولمهمة الحقوقيين في العالم العربي– وهو أن بعض هؤلاء الحكام المفترسين لمواطنيهم سيكولوجيا وجسديا –الذين لم يروا في شعوبهم أكثر من ديكور لا غنى عنه لتتويجهم أسيادًا عليهم– مازالوا يتمتعون بشعبية طاغية بين أبناء ضحاياهم وأحفادهم.
يُنسب لجمال عبد الناصر تربصه بزعيم وطني مصري كان ذائع الصيت قبل انقلاب 23 يوليو1952. قال ناصر: «لقد علمني السياسة، لكني سأجعله يكف عن ممارسة السياسة».[15]
في واقع الأمر، لم يكن ذلك الوعيد مجرد تعهد من ناصر إزاء ذلك الزعيم، بل كان صيحة عهد بكامله، لم تنحصر أصداؤه في مصر وحدها، وإنما خيمت على المنطقة بأسرها لأكثر من نصف قرن؛ إذ تعهد ناصر من خلال ذلك الوعيد بإقصاء ملايين المصريين، بكل وسائل القسر، عن الشأن السياسي، إلا فيما يخص مبايعة الزعيم الأوحد. الأمر الذي أدى بهم لاحقا للخروج بالملايين يبكون متوسلين له البقاء على العرش،[16] ليواصل استعبادهم حتى بعدما كبّد جيشهم أفدح وأفضح هزيمة في تاريخ بلادهم الحديث. بهذا المعني، فإن ناصر يكون قد حقق أبرز انتصار له خلال نحو عقدين من الزمان حكم خلالهما مصر؛ أي الانتصار على شعبه معنويًا، بتجريده من كل سلاح لمقاومة مستعمر أجنبي أو «وطني!» بل ترك لخلفائه المستبدين اللاحقين أهم ذخيرة وسند لرسوخ حكمهم: زهد المصريين في الشأن السياسي، والتخلي عن أية مسئولية عامة مشتركة تجاه حاضر ومستقبل وطنهم.
حركة حقوقية لعالم مختلف
لا شك أن القيمة الأخلاقية لمبادئ حقوق الإنسان العالمية تشكل ركيزة حيوية للكفاح الحقوقي والديمقراطي في العالم العربي. لكن المبادئ وحدها لا تفي بالحد الأدنى للإجابة على سؤال أية استراتيجية فعالة تناسب واقع سياسي اجتماعي ثقافي بعينه؟ خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الضعف المتزايد لفاعلية المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، وتصاعد اللطمات التي توجهها الإدارة الأمريكية الجديدة للمنظومة. الحركة الحقوقية تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضي، إيلاء أولوية لإصلاح العطب المزمن في الثقافة السياسية السائدة في المنطقة، وعدم التسامح مع الخطاب السياسي الذي يقايض العبودية بكسرة خبز (حتى ولو تحت مسمى «حقوق» اقتصادية واجتماعية). السياسة، بما في ذلك السياسات الاقتصادية والاجتماعية، أي إدارة الشأن العام، هي التي تقرر في كل دولة سلبًا وإيجابًا مدى تمتع المواطنين بالحق في «الخبز» والعيش بمستوي لائق وكريم. لكن الخبز لم يحدد يومًا واقع ومستقبل إدارة الشأن العام. لقد اتضح ذلك بأجلى صورة في الدول الشيوعية التي قالت إنها وفرت أفضل شروط لتمتع أغلبية شعوبها بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولكن مقابل حرمانها من الحد الأدنى من حقوقها السياسية. لكن هذه النظم انهارت، ليس فقط بسبب حرمان الشعوب من حرياتها السياسية، بل أيضًا بسبب تواضع أحوال معيشة الأغلبية في هذه الدول (ألمانيا الشرقية والغربية مثالًا). تزعم دراسات أخرى أنه برغم التفاوت الهائل في الثروة في المجتمعات الغربية؛ فإن هذه الدول أكثر مساواتية من غيرها من دول العالم![17]
بالطبع، من المنطقي التعامل مع «الخبز» باعتباره إحدى قضايا الشأن العام الحيوية (لكنه ليس جوهر الشأن العام للمواطن)، وهو ما يستوجب أن يكون الشأن العام شأنًا أساسيًا على جدول أعمال المواطن. مما يتطلب بدوره عودة المواطن للسياسة، وإعادة الاعتبار لأولوية قيمة الحرية والحق المتساوي في المواطنة. في هذا السياق، تحتاج الحركة الحقوقية لمراجعة إحدى المقولات الراسخة في أدبياتها ونشاطها الدعائي، وهي تلك القائلة بالتساوي المعياري بين مكانة كل من مجموعتي الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لعل المفكرة اليسارية حنة آرنت كانت موفقة في انتقادها تبرير بعض الماركسيين لأولوية الخبز على الحرية أو وضعهما على قدم المساواة: «إذا كان ماركس قد ساعد في تحرير الفقراء، فإن ذلك لم يكن من خلال إبلاغهم أنهم التجسيد الحي لضرورة تاريخية ما أو لضرورة أخري، بل عبر إقناعهم بأن الفقر نفسه ظاهرة سياسية، لا طبيعية، ناتجة من العنف والانتهاكات أكثر مما هو ناشئ عن العوز».[18]
بهذا المعنى يتضح كم يخسر الكفاح من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان باختزال بعض الحقوقيين وغير الحقوقيين له واعتباره مهمة تقنية، أو مطلبية قانونية ذات طابع إجرائي في دول عربية ترزح منذ ما يزيد عن نصف قرن تحت نمط من العبودية السياسية لم تقبل به في ظل الاحتلال الأجنبي. «فالطابع الإقناعي للتقويمات القانونية يشبه ما يسميه المفكر الألماني يورجن هابرماس القوة من دون قوة»،[19] بينما يتمثل جوهر قضية حقوق الإنسان في مسألة الحرية، وتطوير الواقع السياسي والاجتماعي للناس، وتطوير علاقات القوي السياسية لصالح التمكين من التمتع بالحق في المواطنة ومراقبة أعمالها، ومحاسبة كل من يحول دون ذلك، وحث الناس على التمسك بحقوقهم، ومقاومة كل محاولة للاعتداء عليها أو الحرمان منها بكل الوسائل السلمية، ربما اقتداء بما أكد عليه إعلان الثورة الفرنسية لحقوق الإنسان والمواطن –أحد أهم مصادر الإعلان العالمي للحقوق– الذي نص على «الحق في مقاومة الظلم والاستبداد».
في كل الأحوال؛ الأمر يتطلب أيضا زيارة جديدة لمفهوم المجتمع المدني، الذي يشيع اختزاله في العالم العربي؛ من معمل تحولات مجتمعية إلى بضع مجموعات «روبوتية»[20] تنشط في واقع افتراضي.
ربما هذا الاعتبار بشكل خاص هو ما آمل أن يتوقف عنده الفاعلون في منطقة المشرق العربي (خاصة سوريا والعراق ولبنان)، التي أدي انهيار المشروع الإمبراطوري الفارسي الشيعي فيها مؤخرًا إلي فتح آفاق غير مسبوقة منذ عقود؛ للتحرر من الهيمنة الفاشية الإيرانية والمحلية، وبناء دول مستقلة وإرساء عقود اجتماعية تكرس حقوق المواطنة (سواء في دول مركزية أو لا مركزية). هذا التحول –في حال تحققه– قد يدشن فجرًا سياسيًا محتملًا لحقوق الإنسان في هذه المنطقة، وقد تكون له انعكاسات إيجابية على دول عربية أخرى. يُخشى أن التقليل من أهمية التفاعل الخلاق مع الطابع السياسي لهذا الانعطاف، واختزال هذه المهمة التاريخية في توجهات وأنشطة تقليدية ذات طابع تقني وقانوني قد يؤدي لترجيح كفة أطراف في دوائر الحكم وخارجها، تسعى لإعادة عقارب الساعة للوراء.
يصعب تصوّر مستقبلٍ واعد للدفاع عن حقوق الإنسان مستقبل في العالم العربي ككل، دونما يكون الانحياز للشعوب في الاتجاه التحريري المضاد (لاستئصال السياسة من المجتمعات) هو المهمة المحورية للحقوقيين وغيرهم من الفاعلين الساعين لإقامة نظام ديمقراطي. وهو ما يتطلب إيلاء عناية استثنائية لإشكاليات الثقافة السياسية السائدة في العالم العربي والسرديات المريضة المهيمنة على النخب السياسية التي توقف هذا المقال عند بعضها، ومساهمتها في تدني قيمة الحرية في سلم القيم في مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني،[21] وتطوير فلسفة ومحاور ولغة الخطاب الحقوقي بمقتضى ذلك. كما قد يتطلب على الأرجح تطوير رؤى جديدة وتصميم استراتيجيات فعالة، لتطوير وضع يختلف جذريًا عن البيئة السياسية والثقافية في مجتمعات حرة في أوروبا وبعض دول أمريكا اللاتينية وآسيا؛ إذ تطورت في تلك الدول عبر الزمان علاقات قوى وأطراف وهيئات وآليات فعالة يمكن من خلالها البحث عن الانتصاف والتصحيح والتطوير، وحيث تجذرت قيمة الحرية في أعماق الثقافة السياسية للنخب والمجتمع.
ليس مطلوبًا من الحقوقيين في العالم العربي تبني سياسات ومواقف انتحارية، بل تطوير استراتيجيات وسياسات تمكنهم من تفادي منزلق انتحاري يخشى أنهم يسيرون نحوه بخطى غير مبصرة. لقد برهنت خمسة عقود منذ نشأة منظمات حقوق الإنسان في العالم العربي على أنها تسير في طريق مسدود. فالدروب التي سارت فيها منظمات حقوقية في بعض مناطق العالم الأخرى لا تصلح لها، نظرًا للاختلافات العميقة بين السياقات التاريخية السياسية والثقافية لتلك المناطق عن العالم العربي، وخصوصية الأزمة السياسية المزمنة للمجتمعات العربية الناجمة عن مقاومة نظم حكم ما بعد الاستقلال الوطني لانتهاج مسار الحداثة والتحول لدول صناعية نامية، مثل بعض دول العالم الثالث الأخرى.
في هذا السياق؛ ربما تحتاج المنظمات الحقوقية في المنطقة الاضطلاع بزيارة جديدة وخلاقة لمهمتها التاريخية، والنظر في احتمالية إعادة تموضعها على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي، بما قد يتطلبه ذلك من إعادة هيكلة دورها، واستنباط استراتيجيات جديدة مناسبة. لا يعني هذا التخلي عن مهام «المناصرة»، لكنه ربما قد يتطلب تقليصًا في مكونها القانوني على الصعيد الوطني والدولي، والتطوير الخلاق لخطاب حقوقي على الصعيد الوطني يأخذ بعين الاعتبار أمراض الثقافة السياسية السائدة والسرديات المهيمنة. فضلًا عن تطوير خطاب حقوقي غير قانوني يخاطب العالم مدرك لعمق الانتكاسات الجارية في النظام الدولي، لكنه في الوقت ذاته ملتزم بقيم حقوق الإنسان.
إقرار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي
لم يستخدم الكاتب أي أدوات أو برامج للذكاء الاصطناعي.
[2] ريكاردو ألكارو، «خطة السلام الأميركية–الروسية: صفقة استعمارية في 28 نقطة،» ضمن سلسلة «تعليقات المعهد»، المعهد الإيطالي للشئون الدولية، العدد 25|60، (2025)، تاريخ الاطلاع 1 مارس 2026، https://www.iai.it/en/publications/c05/us-russia-peace-plan-colonial-deal-28-points.
[3] أونا أ هاثاواي وسكوت جيه شابيرو، «عالم بدون قواعد،» (A World Without Rules) فورين أفيرز، 2026، تاريخ الاطلاع 1 مارس 2026، https://www.foreignaffairs.com/united-states/world-without-rules.
[4] مصطفي البرغوثي، «محاذير يجب الانتباه إليها»، العربي الجديد، 14 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع 1 مارس 2026، https://wwhttps://shorturl.at/ds4EW.
[5] علاء الترتير، «إعادة إعمار غزة ومركزية الإنسان والسياسة،» العربي الجديد، 15 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع 1 مارس 2026، https://shorturl.at/eOVHX.
[6] خالد محيي الدين، الآن أتكلم، (دار الشروق، 1992).
[7] ياسمينة أبو الزهور ومايكل روبنز، «الديمقراطية والكرامة: ما يبرزه الرأي العام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا،» مجلس الشرق الأوسط للشئون الدولية، ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع 1 مارس 2026، https://shorturl.at/HLPTz.
[8] بدر الرفاعي، حنين إلي الدائرة المغلقة، (دار الكرمة، 2025) .
[9] هشام السلاموني: الجيل الذي واجه عبد الناصر والسادات، (مكتبة جزيرة الورد، 2010).
[10] إيلان ستافانس، «طلب جزار بوليفيا،» (Bolivar’s Botcher request) فورين أفيرز، 3 أبريل 2013، تاريخ الاطلاع 1 مارس 2026، https://www.foreignaffairs.com/reviews/review-essay/2013-04-03/bolivars-botched-bequest.
[11] إسماعيل صبري عبد الله وآخرون، الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي، (مركز دراسات الوحدة العربية، 1986).
[12] ياسين حاج صالح، «أوروبا والشرق الأوسط: أطر الحساسية وعناصرها – في الإحساس وقلة الإحساس بما يحدث لغيرنا،» الجمهورية، 24 يناير 2023، تاريخ الاطلاع 1 مارس 2026، https://shorturl.at/Pk3lE.
[13] يزيد صايغ، «نتنياهو ينتقي صفحة من كتاب الأسد،» سابستاك، 15 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع 1 مارس 2026، https://sayighyezid.substack.com/p/388.
[14] بهي الدين حسن، «رؤى: من التحرر الوطني إلى الاستعمار الوطني،» رواق عربي، 29 العدد 2، (2024)، 20-33: تاريخ الاطلاع 1 مارس 2026، https://cihrs-rowaq.org/views-from-national-liberation-to-national-colonialism/.
[15] شريف يونس، نداء الشعب: تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية، دار الشروق، 2012.
أنظر أيضًا أحمد ناجي، روشتة الديكتاتور لعلاج وتأهيل الكتاب الثائرين، المنصة، 1 يناير 2026، تاريخ الاطلاع 1 مارس 2026، https://manassa.news/stories/29217.
[16] شريف يونس، الزحف المقدس، دار التنوير، 2012.
[17] باري إيتشنغرين، «أكثر ثراءً ومساواة: تاريخ جديد للثروة في الغرب،» (Richer and More Equal: A New History of Wealth in the West) فورين أفيرز، تاريخ الاطلاع 1 مارس 2026، https://www.foreignaffairs.com/reviews/richer-and-more-equal-new-history-wealth-west.
[18] فيليب هانسن، حنة آرنت: السياسة والتاريخ والمواطن، (ستانفورد، كاليفورنيا: دار نشر جامعة ستانفورد، 1993)، 176.
[19] المرجع السابق.
[20] بهي الدين حسن، «خريف العرب الكيماوي والمسئولية السياسية للمجتمع المدني،» في تقرير: حالة حقوق الإنسان في العالم العربي 2017-2018، (مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 2018)، تاريخ الاطلاع 1 مارس 2026، https://cihrs.org/arab-region-annual-report-2017-2018/#chemical.
[21] بهي الدين حسن، «سراب 25 يناير،» المنصة، 25 يناير 2026، تاريخ الاطلاع 1 مارس 2026، https://almanassa.com/stories/29933.
Read this post in:
