مراجعة كتاب «الاستقطاب، العزلة والخوارزميات: دراسة تحليلية للأجيال الجديدة» لأنتوني غوتيريث-روبي

حمل هذا المقال كبي دي إف

الإشارة المرجعية: زعنون، عبد الرفيع. 2026. «مراجعة كتاب: الاستقطاب، العزلة والخوارزميات: دراسة تحليلية للأجيال الجديدة لأنتوني غوتيريث-روبي.» رواق عربي 31 (1): 5-8. https://doi.org/10.53833/NYAJ3500.

العنوان: الاستقطاب، العزلة والخوارزميات: دراسة تحليلية للأجيال الجديدة
المؤلف: أنتوني غوتيريث -روبي
الناشر: دار نشر القرن الواحد والعشرين، مدريد
سنة النشر: 2025
الرقم المعياري الدولي للكتاب: 978-84-323-2147-4

أنتوني غوتيريث-روبي كاتب إسباني وخبير دولي في الاتصال السياسي، عُني برصد الارتدادات السياسية للتكنولوجيا الرقمية في مؤلفات عدة، منها: «سياسة المراقبة: التواصل السياسي في زمن ويكيليكس» (2011)، و«السياسة في عصر الواتساب» (2015)، وكتابه الأخير موضوع المراجعة: «الاستقطاب، العزلة والخوارزميات: دراسة تحليلية للأجيال الجديدة» (2025). يتألف الكتاب من ثمانية فصول تستقصي الخصائص المُحدِّدة لشباب جيل «زد»، وطبيعة الأزمات والسياقات المؤثرة في تكوينهم، وانعكاسات الشبكات الاجتماعية على واقعهم، ودورهم في المعارك الثقافية والسياسية، وأليات توجيه أدوات الاتصال السياسي لمصالحة الأجيال الجديدة مع الديمقراطية.

منهجيًا، يرتكز الإطار النظري للكتاب على قراءة نقدية لنظريات تصنيف الأجيال خلص من خلالها إلى تبني المنظور الأمريكي، الذي يقسم الأجيال إلى ست مجموعات كبرى تتمثل في الجيل الصامت وجيل طفرة المواليد وجيل «إكس» وجيل «الألفية» وجيل «زد» وأخيرًا جيل «ألفا». ولجعل المدخلات أكثر تمثيلية، فقد تم الاعتماد على مصادر متعددة، من بينها تحليل بيانات قياس الرأي العام (Demoscopic data) الصادرة عن المؤسسات الدولية المتخصصة، بالإضافة إلى إجراء حوارات موسعة مع تسع خبراء أمريكيين وأوروبيين في السياسات العامة والديموغرافيا السياسية والأنثروبولوجيا الاجتماعية والابتكار الرقمي وتحليل البيانات، فضلًا عن تنظيم سلسلة لقاءات مع مجموعات تركيز (focus groups) بهدف التعرف عن كثب على هواجس وتطلعات جيل «زد».

بناءً على المعطيات الإحصائية، يخلص الكاتب إلى أن جيل «زد» هو الجيل الأكثر تعرضًا للإحباط؛ فحسب تقرير السعادة العالمي للعام 2024، فإن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة هم الأقل سعادة مقارنةً ببقية الأجيال.[1] ويعزو المؤلف هذه النتيجة إلى تعاقب الأزمات التي عاصرها هذا الجيل؛ إذ تأثرت طفولتهم بالأزمة المالية لسنة 2008 التي أضعفت القدرة الشرائية لأسرهم، بينما قُيدت مراهقتهم نتيجة التدابير الصارمة لأزمة كوفيد-19 وتبعاتها، فيما تزامنت مرحلة نضجهم مع تفاقم أضرار الأزمة البيئية، وتداعيات الصراع الروسي–الأوكراني، فضلًا عن ردود الفعل العنيفة التي جابهوها نتيجة احتجاجاتهم التضامنية مع الفلسطينيين ومع ضحايا العنصرية.[2] وغيرها من الأحداث التي أسهمت في تعميق الشعور بقلة الدعم المجتمعي، وعدم الرضا عن الواقع المعيشي. من مؤشرات ذلك تراجع معدل الاستقلال الاقتصادي في ظل ارتفاع نسبة الشباب أقل من ثلاثين سنة الذين لا يزالون يعيشون في كنف أسرهم، إذ تصل هذه النسبة في الولايات المتحدة إلى ست وستين بالمئة، فيما تتراوح بين أربعة عشر وعشرين بالمئة في الصين ومعظم دول الاتحاد الأوروبي نتاج تزايد معدل البطالة وتأخر الولوج إلى سوق الشغل، وما يتبع ذلك من تعميق الإحساس بالفشل وعدم القدرة على الاعتماد على أنفسهم مثلما فعل آباؤهم وأجدادهم في الماضي.[3]

من الارتدادات السياسية لهذا الوضع تغذية الحنين إلى السياقات التاريخية التي عاش فيها الأجداد، بما في ذلك تفضيل الأنظمة الاستبدادية. إذ كشف مؤشر المجتمع المفتوح لعام 2023، أن اثنين وأربعين بالمئة من الشباب –أقل من خمسة وثلاثين سنة– في ثلاثين دولة يرون أن الحكومة العسكرية تعد الطريقة الأمثل لإدارة البلاد،[4] مع ميل أكثر للتيارات الشعبوية المناهضة للقيم الديمقراطية وهو ما يتضح من اتجاهات التصويت عبر العالم. ففي فرنسا انتقلت نسبة داعمي التجمع الوطني بفرنسا من الناخبين دون سن الخامسة والعشرين من اثني عشرة بالمئة إلى تسع وعشرين بالمئة خلال الفترة بين 2019 و2024. والأمر نفسه بالنسبة لحزب «تشيغا» بالبرتغال، والذي أصبح يمثل القوة الثالثة بالبرلمان بعدما ارتفعت أعداد نوابه من اثني عشر نائبًا إلى خمسين نائبًا في 2024. وبفضل الوزن الانتخابي لهذه الفئة، تضاعفت شعبية أحزاب اليمين المتطرف المناهضة للتعددية وحقوق المهاجرين كالبديل من أجل ألمانيا، وحزب الحرية بالنمسا. وفي الأرجنتين، تمكن خافيير ميلي من النجاح في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية لعام 2023 بفضل حصوله على سبعين بالمئة من أصوات الناخبين دون سن الخامسة والعشرين؛ بفضل خطابه المناهض للدولة العميقة، واعتماده على الأدوات الرقمية في الاستقطاب والحشد.

انطلاقًا من هذه الخلفية، يستشرف الكاتب هيمنة أحزاب اليمين المتطرف على أغلبية أصوات الجيل الصاعد لسببين أساسيين: يكمن الأول في جاذبية الخطاب الشعبوي الذي يحاكي تمثلات جيل يعاني من «إحباط تراكمي» جراء الأزمات المتعاقبة، فتحميل النظام السياسي المسئولية عن الأعطاب الاجتماعية والاقتصادية يجلب المزيد من التأييد للتيارات المناهضة للمؤسسة التقليدية. أما العامل الثاني فيُعزى إلى قدرة اليمين الشعبوي على التحدث بلغة يفهمها الشباب، اعتمادًا على المؤثرين ومقدمي البودكاست (Podcasters) ذوي الجمهور الشبابي، وعلى تجنيد كتائب إلكترونية للسيطرة على الشبكات الاجتماعية الشبابية، عبر البث المتواصل لمحتويات وأشكال بصرية مكثفة تستجيب لتوقعات الجيل الجديد انطلاقًا من خوارزميات مُصمَّمة لاستهداف الشباب الذكور غير المُسيَّسين.

لقد أسهمت منصتا تيكتوك وانستغرام وما جاورهما في إحداث تحول منهجي غير مسبوق بالمرجعيات المُحدِّدة للسلوك الانتخابي، من الاعتماد على تفضيلات أعضاء الأسرة والأصدقاء إلى مصادر إعلامية غير تقليدية تجعل من الشباب يتبنون مواقف سياسية مناقضة لتوجهات من يكبرهم سنًا؛ رغم كونهم يتقاسمون معهم السقف نفسه.[5] كما أن تنامي دور الخوارزميات وصناع المحتوى في توجيه اتجاهات التصويت لدى شباب جيل «زد» يطرح تحديات جسام على مآلات الهندسة الانتخابية، خاصة وأن التأثير الانتخابي لهذه الفئة الديموغرافية سيكون أكثر حسمًا في السنوات المقبلة مع بلوغ آخر أعضائها سن الرشد في أفق 2030.

في ضوء ذلك، يتوقع غوتيريث أن المنصات الجديدة في طريقها لتصبح المصدر الوحيد لتشكيل الهوية السياسية للشباب اعتمادًا على تطبيقات تقنية تخطف انتباههم وتصيغ عقولهم، مثل التمرير اللانهائي (Infinite Scroll) كأسلوب يسمح بالعرض التلقائي والديناميكي بدلًا من تقسيم المحتويات إلى أقسام منفصلة، وفقاعات التصفية (Filter Bubbles) كنظام رقمي يعزل المستخدم داخل محتوى يوافق اهتماماته المسبقة بناءً على خوارزميات التخصيص، الأمر الذي يُشكِّل بيئة خصبة لعزل المستخدمين الشباب ضمن «غرف صدى» تدفعهم لتبني مواقف متطرفة تجاه بعض القضايا السياسية والاجتماعية. ولم يعد الأمر يقتصر على تيكتوك، بل حتى عمالقة وادي السيليكون الذين شرعوا في تطوير برمجيات سياسية تخدم مصالح الدول والتيارات السياسية في سعيها للسيطرة على الجماهير الشابة، بما في ذلك توجيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتقديم إجابات مُتحيِّزة.[6]

وفي هذا الشأن، فكك الكاتب التباسات علاقة جيل «زد» بالسياسة؛ فالادعاء بأن هذا الجيل أكثر أنانية هو محض وهم؛ على اعتبار أن قطاعاته الواعية تُظهِر شعورًا قويًا بالعدالة الاجتماعية، إذ ظهرت حركات شبابية، عبر العالم، تتصدى بإقدام لمعضلات التغير المناخي واللامساوة ومختلف مظاهر التمييز، إضافة إلى تزعمهم للتظاهرات المنددة بالاعتداءات الإسرائيلية على غزة، رغم تعرضهم لشتى أشكال العنف. لكن في المقابل، فإن تزايد الإحساس بعدم التمثيل يدفع العديد منهم لتأييد الأنظمة والتيارات السلطوية، وهو الأمر الذي يحتم على المؤسسات والأحزاب الديمقراطية التكيُّف مع هذا المعطى إذا ما رغبت في تقوية أواصر التواصل مع الأجيال الجديدة.[7]

بمعزل عن الإسقاطات الانتخابية المباشرة، ينبه المؤلف إلى التأثيرات المُهيكلة لهذا التحول على فكرة الديمقراطية في حد ذاتها؛ فاعتياد الشباب على ردود الفعل السريعة، بحكم نشأتهم الافتراضية وما تتيحه تكنولوجيا المعلومات من حلول فورية، يجعلهم يتوقعون استجابات آنية لمشاكلهم المتراكمة، دون تقديرٍ لتعقيدات الأنظمة السياسية، وطبيعة العمليات المؤسسية التي يتطلبها تصميم وتنفيذ السياسات العامة.[8] كما أن انعكاسات الانعزال الرقمي قد أصبحت تتجاوز الحياة الاجتماعية والرفاه النفسي إلى الإضرار بالمجال العام في ظل تراجع جاذبية المشاركة بالحياة الجماعية، الأمر الذي يحتم إعادة النظر في المنظومة الديمقراطية لجعلها أكثر استيعابًا «للمواطنين الجدد»، بتقديم حق التصويت والترشيح إلى ست عشرة سنة، وابتكار أشكال متطورة من الديمقراطية الرقمية لترسيخ قيم المواطنة والحوار.[9]

إلا أن الكاتب ظل مرتهنًا للمركزية الغربية في تحليله للديناميات السياسية لشباب جيل «زد»؛ إذ افترض أن هذه الفئات تميل أكثر لتأييد لتيارات اليمين المتطرف بأوروبا وأمريكا الشمالية. وعلى عكس ذلك، فهي أكثر ابتعاد عن التيارات المحافظة بدول الجنوب، حيث يشير واقع الحال إلى أنها كانت وراء اندلاع انتفاضات بالعديد من الدول الأسيوية والإفريقية، أثمر بعضها تغييرات سياسية غير مسبوقة كما هو الحال مع بنغلاديش والنيبال وكينيا؛ وذلك بفضل توظيفها أنماطًا احتجاجية مبتكرة أثرت في بنية السلطة وخطابها، وهو تحول مقبل على منعطفات جديدة في ظل اتساع الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، على نحو قد يجعل من الفئات الشابة عنصرًا داعمًا لمسارات التغيير الديمقراطي.

بشكل عام، يدعو كتاب «الاستقطاب، العزلة والخوارزميات» إلى ضرورة الوعي بخصوصيات الجيل الجديد بما يمكن من الاستجابة لحاجياته وتعظيم تأثيره الإيجابي في المسار الديمقراطي، بدلًا من تركه رهين تيارات اليمين المتطرف التي تنتعش من الخيبات التي يعانيها هذا الجيل. لهذا الغرض، يقدم الكاتب حزمة مقترحات لتوظيف الاتصال السياسي في استيعاب مطالب الجيل «زد»، كالاستفادة من البيانات الضخمة التي تتيحها المنصات الشبابية لتحديد الاحتياجات الأكثر إلحاحًا التي تعبر عنها هذه الكتلة الناخبة الحرجة، مع توظيف الأدوات الرقمية وفق استراتيجية مدروسة تُوازِن بين أصالة الخطاب السياسي وبين اعتماد طرق جذابة بما يكفل تعزيز الشعور لدى الشباب بأنهم ممثَّلون سياسيًا، وأن أصواتهم تجد صدىً حقيقيًا لدى صُنّاع القرار، إضافة إلى وضع سياسات عامة مستجيبة لتطلعات الأجيال الجديدة وكفيلة باستعادة إيمانها بجدوى الديمقراطية وبفضائل النظام التمثيلي. ضمن هذا الصدد، يسلط الكاتب الضوء على بعض التجارب الرائدة التي تعاملت مع العزلة الرقمية كمشكلة سياسية، مثل استحداث اليابان لوزارة العزلة والوحدة كإدارة حكومية تعنى بوضع حلول مبتكرة للتخفيف من التباعد الاجتماعي وانعزال الشباب، وتنفيذ بلدية برشلونة لاستراتيجية شاملة لمكافحة العزلة الاجتماعية (2020-2030) تتضمن مشاريع متعددة للتخفيف من تداعيات الاستخدام المكثف للشبكات الاجتماعية، ولتيسير اندماج الأجيال الجديدة بالحياة العامة عبر مشاريع التكوين والتنشيط الثقافي، ومنتديات النقاش الحضوري لتشجيع الشباب على التواصل مع المسئولين ومع بعضهم البعض بعيدًا عن العالم الرقمي.[10]

إقرار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي

تم استخدام أداة «جيميناي» في تدقيق ترجمة بعض المصطلحات التقنية من اللغة الإسبانية إلى اللغة الإنجليزية.

[1] أنتوني غوتيريز-روبي، الاستقطاب، العزلة والخوارزميات: دراسة تحليلية للأجيال الجديدة [Polarización, soledad y algoritmos: Una radiografía de las nuevas generaciones]، (مدريد: دار نشر القرن الواحد والعشرين، 2025)، 19.
[2] المرجع السابق، 58-59.
[3] المرجع السابق، 20.
[4] المرجع السابق، 24.
[5] المرجع السابق، 53.
[6] المرجع السابق، 156-157.
[7] المرجع السابق، 167.
[8] المرجع السابق، 32.
[9] المرجع السابق، 76.
[10] المرجع السابق، 134.

Read this post in: English

Exit mobile version