تأسيس المواطنة التعددية في سوريا بعد الأسد: نحو تجاوز الانقسامات الطائفية والهوياتية

حمل هذا المقال كبي دي إف

الإشارة المرجعية: البنا، أسماء. 2025. «تأسيس المواطنة التعددية في سوريا بعد الأسد: نحو تجاوز الانقسامات الطائفية والهوياتية.» رواق عربي 30 (3): 33-47. https://doi.org/10.53833/RKVM1102.  

خلاصة

رغم سقوط نظام الأسد، لا تزال سوريا تعاني من انقسامات طائفية وعرقية كرستها عقود من الحكم الاستبدادي والحرب والتدخلات الخارجية، ما أدى إلى تآكل مفاهيم المواطنة والتشاركية. في هذا السياق، تبرز المواطنة التعددية كطريق لتجاوز الانقسامات والخروج من دوامة العنف والسلطوية وإعادة دمج السوريين في مشروع وطني جامع. تسعى هذه الدراسة للإجابة عن السؤال الرئيسي التالي: كيف يمكن بناء مواطنة تعددية في سوريا في ظل الانقسامات الطائفية، وما أبرز التحديات والمرتكزات التي تحكم هذه العملية؟ وتستخدم الدراسة المنهج الوصفي التحليلي لتحليل سياقات تأسيس المواطنة التعددية، مع اعتماد المواطنة التعددية كإطار نظري للدراسة. وقد خلصت الدراسة إلى أن عملية تأسيس المواطنة في سوريا تواجه عددًا من التحديات البنيوية والهيكلية، من أهمهما تصاعد العنف والتوترات الطائفية وخطاب الكراهية والثأر، كما يمثل خطر عودة السلطوية والحكم المركزي تحديًا رئيسيًا لتأسيس المواطنة وبناء عقد اجتماعي تشاركي. وتبين الدراسة أن عملية تأسيس المواطنة تتطلب بناء المؤسسات كأساس للتعددية، اتباع النهج التشاركي كآلية للتعددية، ونبذ خطاب الكراهية وتحقيق العدالة الانتقالية.

مقدمة

يعد إرساء دعائم المواطنة التعددية في المجتمعات المنقسمة بعد فترات الصراع، لا سيما في السياق السوري، أحد أبرز التحديات البنيوية التي تواجه إعادة بناء الدولة والمجتمع. ففي ظل تفاقم الانقسامات الطائفية والعرقية التي أفرزتها الحرب، وتدهور مؤسسات الدولة وتآكل مفهوم المواطنة، تبزغ الحاجة الملحة لتحليل الآليات التي يمكنها استيعاب هذا التنوع وإعادة بناء الثقة بين المكونات المجتمعية المختلفة. تسعى هذه الدراسة لتقديم إطار تحليلي يربط بين الأطر البنيوية والسياسية والاجتماعية لتأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة التعددية ويمنع عودة السلطوية.

وتأتي الدراسة في سياق عدد من الأدبيات التي تناولت إشكاليات المواطنة في المجتمعات المنقسمة، خاصة بعد الحروب والصراعات، ومن أبرز هذه الأدبيات أعمال كل من عزمي بشارة في كتابه «الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة» الذي يتناول تحول الطائفية الاجتماعية إلى طائفية سياسية، وكذلك برهان غليون في كتابه «المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات» الذي يحلل مشكلة الأقليات في الوطن العربي، إلى جانب كاظم شبيب في كتابه «المسألة الطائفية: تعدد الهويات في الدولة الواحدة»، وقد تناولت هذه الأدبيات تحليل الطائفية في المنطقة العربية وربطها بإشكاليات بنيوية مثل هشاشة الدولة الوطنية والسلطوية. وأشارت الأدبيات إلى أن الطائفية لا تمثل فقط ظاهرة تم بناؤها واستغلالها اجتماعيًا، بل أيضًا هي أداة سياسية توظفها الأنظمة من أجل ضمان استمرار السلطوية.[1]

في السياق السوري، ناقشت الأدبيات كيف عززت ممارسات نظام الأسد السلطوية الانقسامات الطائفية والعرقية، مما ساهم في تفاقم الصراع بعد ثورة 2011، ومن أبرز الدراسات دراسة مروان قبلان «لماذا انهارت دولة البعث في سورية» الذي يحلل انهيار هيكل الدولة القائم على حزب البعث، ودراسة بدر الدين عرودكي «الهوية الوطنية السورية بين الإشكالية والالتباس» الذي يناقش أزمة الهوية الوطنية السورية، بالإضافة إلى دراسة ريموند هينبوش «الهوية وتكوين الدولة في المجتمعات متعددة الطوائف: بين القومية والطائفية في سوريا» التي تركز على التفاعل بين الهوية القومية والطائفية. وقد أدت تلك الممارسات والسياسات إلى اعتماد هيكل السلطة على الشبكات غير الرسمية من المحسوبية والطائفة العلوية مع تهميش باقي الطوائف، الأمر الذي أثر بالسلب على بناء المواطنة الجامعة في سوريا، وعمّق الانقسامات والتوترات.[2]

وبعد سقوط النظام في سوريا، سلطت الأدبيات الضوء على إشكاليات متعددة تمحورت بشكل أساسي حول تحديات المرحلة الانتقالية، والتي تضمنت التحول الديمقراطي وبناء الدولة وإعادة الإعمار ودمج الفصائل المسلحة. ومن أبرز هذه الدراسات تقرير فيليب لوفت وكلير ميلز «سوريا بعد الأسد: العواقب والسلطات المؤقتة 2025» الذي يبحث في التداعيات المباشرة لسقوط نظام الأسد على مختلف المستويات، ودراسة فضل عبد الغني «تحديات إعادة دمج الجماعات المسلحة في سورية ما بعد المرحلة الانتقالية» التي تناولت تحديات دمج المقاتلين والجماعات المسلحة في الجيش السوري، وكذا دراسة خالد التركاوي حول «التحديات الاقتصادية والتنموية في سوريا بعد انهيار حكم بشار الأسد»، إلى جانب دراسة داليا رشدي حول «أبعاد ومتطلبات إعادة بناء الدولة بعد الصراعات» ودراسة إبراهيم خولاني عن «تحديات إعادة إعمار المناطق المدمرة في سوريا»، وتطرقت جميعها إلى قضايا بناء السلام وتحديات إعادة الإعمار الضرورية.[3]

رغم تعدد الدراسات التي تناولت الطائفية والانقسام المجتمعي في سوريا، أو تلك التي ركزت على إشكاليات إعادة بناء الدولة بعد الحرب؛ فقد اتسمت غالبية هذه الأدبيات بالتركيز الجزئي الذي يعالج كل بعد بمعزل عن الآخر. ومن هذا المنطلق، تحاول الدراسة رأب هذا الفراغ من خلال الربط بين البُعد البنيوي الطائفي والبُعد السياسي المؤسسي والبُعد الاجتماعي الثقافي في إطار تحليلي يتمحور حول إمكانية تأسيس مواطنة تعددية في سوريا بعد الأسد. وتمثل الدراسة إسهامًا نظريًا من خلال توظيف مدخل المواطنة التعددية كإطار نظري لفهم مسارات التحول في المجتمعات المنقسمة، كما تقدم إسهامًا تحليليًا تطبيقيًا عبر دراسة الحالة السورية بوصفها نموذجًا لاختبار حدود هذا الإطار في بيئة ما بعد الصراع. ومن ثم، فإن القيمة المضافة لهذه الدراسة تتمثل في تحليل تأسيس المواطنة بوصفها عملية لإعادة بناء الدولة والمجتمع معًا، وليس مجرد إصلاح قانوني أو دستوري، ما يجعلها امتدادًا نقديًا للأدبيات السابقة وتطويرًا لها.

في ضوء ذلك، تنبع مشكلة هذه الدراسة من تفاقم الانقسامات الطائفية والعرقية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وما أفرزته الحرب من تدهور مؤسسات الدولة وتآكل مفهوم المواطنة. إذ تواجه الدولة تحديًا بنيويًا يتمثل في غياب نموذج قادر على استيعاب التنوع وإعادة بناء الثقة بين المكونات المختلفة. من هنا تسعى الدراسة إلى تحليل سياقات وتحديات ومرتكزات تأسيس مواطنة تعددية في سوريا بوصفها مدخلًا لإعادة بناء العقد الاجتماعي ومنع عودة السلطوية، وذلك من خلال الإجابة على سؤال رئيسي: كيف يمكن تأسيس مواطنة تعددية في سوريا في ظل الانقسامات الطائفية والعرقية، وما أبرز التحديات والمرتكزات التي تحكم هذه العملية؟، ويندرج تحته عدد من الأسئلة الفرعية؛ ما هي الجذور التاريخية والتطورات الأساسية للانقسام الطائفي في سوريا وكيف ساهمت في تعميق الأزمة الحالية؟ كيف أسهم انهيار النظام في إنتاج أزمات هيكلية وبنيوية تعوق تأسيس مواطنة تعددية؟ ما هي أبرز التحديات البنيوية والسياسية التي تواجه تأسيس مواطنة تعددية بعد الحرب؟ ما هي مرتكزات تأسيس مواطنة تعددية في سوريا بعد الحرب؟ وتفترض الدراسة أن نجاح تأسيس هذا النوع من المواطنة يعتمد على إصلاح المؤسسات بما يضمن توزيع السلطات وتمثيل المكونات المختلفة، وترسيخ التشاركية السياسية والمجتمعية، ونبذ خطاب الكراهية والثأر وتحقيق العدالة الانتقالية.

تعتمد الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي لتفكيك العوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية التي تحكم سياقات تأسيس المواطنة التعددية في سوريا بعد الحرب، وذلك من خلال تحليل الأطر السياسية والاجتماعية اللازمة لإعادة البناء. ويتضمن هذا المنهج جمع وتحليل البيانات النوعية (مثل الدراسات السابقة عن الحالة السورية، والوثائق والتقارير الرسمية والدولية)؛ بهدف فحص العلاقة بين متغيرات البحث (إذ تمثل الانقسامات الطائفية في سوريا المتغير المستقل، فيما تمثل إمكانية تأسيس مواطنة تعددية تقوم على المشاركة والاعتراف المتغير التابع. وتتمثل المتغيرات الوسيطة في إصلاح المؤسسات، ونبذ خطاب الكراهية والثأر، وإعادة توزيع السلطة، والعدالة الانتقالية)، ما يسمح باستخلاص النتائج وتفسيرها. ويتم توظيف هذا المنهج في الدراسة لاستخلاص تحديات ومرتكزات تأسيس المواطنة التعددية في سوريا في ظل الانقسامات المتجذرة.

تنقسم الدراسة إلى أربعة محاور؛ يناقش المحور الأول الانقسام الطائفي في سوريا من حيث التاريخ والتطور. فيما يتناول المحور الثاني انهيار النظام وما خلفه من أزمات هيكلية وبنيوية، مُسلطًا الضوء على العنف الطائفي. ويستعرض المحور الثالث خطر إعادة إنتاج السلطوية في المرحلة الانتقالية وتأثيره على فرص تأسيس المواطنة التعددية. بينما يناقش المحور الرابع مرتكزات تحقيق المواطنة التعددية، وتشمل إصلاح المؤسسات كأساس لمواطنة تعددية، التشاركية كآلية لتحقيق المواطنة التعددية، ومعالجة خطاب الكراهية وتحقيق العدالة الانتقالية.

الإطار النظري: المواطنة التعددية

تشكل إدارة التنوع الثقافي في الدول التعددية إحدى القضايا الإشكالية، نظرًا لما تثيره من إشكالات تمس الأمن القومي للدولة وحقوق الأقليات، خاصة في ظل الأنظمة السلطوية التي تعتمد على الإقصاء والتهميش وغياب العدالة في توزيع السلطة والقيم. ومع فشل السلطة المركزية في احتواء هذا التنوع، تتحول التعددية الثقافية إلى مصدر تهديد لوحدة الدولة، مما يبرز أهمية الطروحات النظرية حول المواطنة التعددية كإطار لإدارة التنوع وضمان الاعتراف المتبادل بين المكونات المختلفة.[4] لذا، يُعد مفهوم المواطنة التعددية (Pluralist or Multicultural Citizenship) من أبرز الإسهامات النظرية في النقاشات المعاصرة حول العلاقة بين الدولة والمجتمع في ظل التنوع العرقي والديني والثقافي. وعلى عكس التصورات الكلاسيكية التي سعت لتوحيد الأفراد تحت هوية وطنية واحدة؛ تقر المواطنة التعددية بوجود اختلافات جوهرية داخل جسد المواطنة، وتدعو إلى بناء هوية جامعة تستوعب هذه الفروقات بدلًا من إقصائها، والاعتراف بحقوق الجماعات المختلفة ضمن إطار جامع يرسخ المساواة والانتماء.[5]

في أبسط تعريفاتها، قدم تي. إتش. مارشال المواطنة كصفة تمنح أعضاء المجتمع حقوقًا متساوية «كل من يمتلك هذه الصفة متساو فيما يتعلق بالحقوق والواجبات التي تمنحها».[6] وبموجب هذا النموذج، تطورت المواطنة عبر تطور ثلاثة عناصر: المواطنة المدنية في القرن الثامن عشر، وتشمل الحقوق اللازمة للحرية الفردية والمساواة أمام القانون؛ والمواطنة السياسية في القرن التاسع عشر، وتشمل السلطة والممارسات السياسية التي تتضمن حقوقًا وواجبات فيما يتعلق بمجتمع سياسي معين؛ وبحلول القرن العشرين، أكدت المواطنة الاجتماعية أن جميع أعضاء المجتمع يجب أن يتقاسموا الحقوق الأساسية والرعاية الاجتماعية. كان هدف مارشال هو تجاوز الفروقات الطبقية عبر تحقيق مساواة شاملة بين المواطنين. ومع ذلك، واجه هذا التصور انتقادات جوهرية لقصوره في التعامل مع الواقع المتعدد ثقافيًا.[7] إذ انتقدت إيفلين جلين نموذج مارشال مجادلة بأنه نموذج مثالي ينطلق من تجربة محددة (الرجال البيض في بريطانيا ما بعد الحرب)، فيما يتجاهل حقيقة أن الأفراد قد يتمتعون بجميع هذه الحقوق؛ ورغم ذلك يظلون مهمشين على أساس العرق أو الجنس أو الثقافة. هذا النقد يستند إلى كون المواطنة ليست مجرد صفة قانونية أو مجموعة من الحقوق المجردة؛ بل هي ممارسة اجتماعية تتأثر بقوى الهيمنة وتخلق بدورها أوضاعًا متفاوتة بين المواطنين.[8]

نتيجة لذلك، ولقصور التصور الكلاسيكي في التعامل مع حقوق الأقليات؛ برز مفهوم المواطنة التعددية في التسعينيات، ليشمل المطالبة بالانتماء الاجتماعي الكامل الذي يتضمن الاعتراف وإعادة توزيع القيم والسلطة، بجانب المطالبة بالحقوق.[9] فمن خلال أعماله، طور ويل كيمليكا نظرية «المواطنة متعددة الثقافات»، والتي يجادل من خلالها بأن المواطنة لا تكتمل بمجرد المساواة القانونية الفردية، وإنما تتطلب كذلك اعترافًا مؤسسيًا بهوية الجماعات الثقافية واللغوية، من خلال منحها حقوقًا خاصة مثل التعليم بلغتها الأم أو الحكم الذاتي المحلي. بهذا المعنى، تصبح المواطنة التعددية آلية لتجاوز النموذج الأحادي الذي يُذيب الاختلاف في قالب وطني موحد، لصالح نموذج يعترف بالتنوع كقيمة مضافة لبناء الجماعة السياسية.[10] أما تشارلز تايلور فقد ركز على «سياسة الاعتراف» باعتبارها حجر الأساس للمواطنة التعددية، إذ يرى أن غياب الاعتراف بالهويات الثقافية يُنتج أشكالًا من الإقصاء والاغتراب، بينما في المقابل يولد الاعتراف شعورًا بالكرامة والانتماء لدى الأفراد والجماعات. من هنا تصبح المواطنة التعددية مرتبطة بقدرة الدولة على ضمان مساواة فعلية في الفضاء العام، على مستوى الحقوق القانونية وعلى مستوى التمثيل والاعتراف.[11]

في سياق متصل، يرى إنجين إيسن وبرايان تورنر أن المواطنة التعددية تمثل تحولًا في دراسات المواطنة، من التركيز على الحقوق والواجبات الفردية إلى الاعتراف بالعلاقات الاجتماعية والثقافية التي تشكل هوية المواطن. إذ تضيف إلى البعد القانوني للمواطنة أبعادًا جديدة تتعلق بالتمكين الثقافي والاقتصادي والسياسي. وبالتالي يمكن اعتبار المواطنة عملية اجتماعية «ينخرط من خلالها الأفراد والجماعات الاجتماعية في المطالبة بالحقوق أو توسيعها أو فقدانها». وفقًا لذلك، تعد المواطنة عملية سياسية إذ تمثل إحدى السبل التي يتفاعل بها الأفراد مع الدولة ويبلورون من خلالها شعورهم بالانتماء إلى مجتمع أكبر.[12] فيما يرى ريناتو روسالدو المواطنة الثقافية باعتبارها «الحق في أن تكون مختلفًا (من حيث العرق، أو الإثنية، أو اللغة الأم) فيما يتعلق بمعايير المجتمع الوطني المهيمن، دونما مساومة على حق الفرد في الانتماء».[13] وفيما يركز إطاره على الجوانب الثقافية للمواطنة؛ فإنه أيضًا مفيد للنظر في كيفية إدماج المواطنين في المجتمع الوطني رغم اختلافاتهم الثقافية المفترضة. وبالمثل اعتبر يان باكولسكي المواطنة الثقافية بأنها الحق في أن تكون مختلفًا، وعلى وجه التحديد، فهي تتضمن «الحق في الوجود والظهور الرمزي مقابل التهميش، والحق في التمثيل المشرف مقابل الوصم، والحق في نشر الهوية والحفاظ عليها».[14]

تمثل المواطنة التعددية مقاربة نظرية تهدف لتدارك أوجه القصور في النماذج الكلاسيكية، عبر الإقرار بالتنوع الثقافي واللغوي والديني باعتباره جزءً من الهوية الوطنية الجامعة. وبذلك فهي تتجاوز دورها كمفهوم قانوني، إلى إطار لبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المشاركة، والاعتراف، والتوازن بين الوحدة والتنوع. بيد أن هذا المشروع لا يخلو من إشكالات؛ فهناك من يرى أن المواطنة التعددية قد تؤدي إلى ترسيخ الانقسامات إذا ما تحولت الحقوق الجماعية إلى أدوات للعزل بدلًا من بناء الجسور. لذلك، فإن نجاحها يتطلب وجود مؤسسات قوية قادرة على إدارة التنوع، وإطار دستوري يوازن بين الحقوق الفردية والجماعية.[15] وتحتل المواطنة التعددية أولوية قصوى في المجتمعات العربية التي تواجه تحديات بنيوية تتعلق بالانقسامات الطائفية، والإثنية، مثل سوريا. فبدلًا من الاستمرار في نماذج الدولة المركزية التي فرضت هويات أحادية قمعية، يتيح هذا الإطار فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس من المساواة والاعتراف المتبادل. ومن ثم، قد يمثل تطبيق مبادئ المواطنة التعددية طريقًا للخروج من دوامة العنف الطائفي والاستبداد، من خلال بناء مؤسسات محايدة ترسخ سيادة القانون، وتؤسس للتشاركية.

الانقسام الطائفي في سوريا: التاريخ والتطور

منذ الاستقلال، لم تتمكن الحكومات السورية المتعاقبة من تأسيس دولة وطنية ترتكز على هوية جامعة. فيما عززت مقاومة الاستعمار من خطاب القومية العربية كإطار هوياتي مهيمن، حاولت المكونات الطائفية الاندماج فيه لضمان شرعيتها ومكانتها. في الوقت نفسه، كان الصراع السياسي قائمًا أساسًا على الأسس الطبقية؛ إذ بقيت الساحة السياسية محصورة في يد كبار الملاك وأصحاب رؤوس الأموال. ومع ذلك، شهدت خمسينيات القرن العشرين بروز قوة جديدة تمثل تحالف النخب القومية المثقفة مع الفلاحين والطبقة الوسطى، وكان حزب البعث العربي الاشتراكي أبرز انعكاس لهذا التحول. فقد نجح الحزب في حشد الفئات الوسطى والدنيا، وأعاد هيكلة المؤسسة العسكرية لتضم ضباطًا ينتمون إلى هذه الطبقات، مما جعل الجيش أداة فعالة في الانقلابات ضد النخب البرجوازية. وهكذا اتسم النظام المؤسسي في تلك المرحلة بطابع إقصائي، قائم على اعتبارات طبقية واضحة، انعكست على توزيع السلطة والفرص داخل المجتمع.[16]

مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة من خلال انقلاب نفذه في 1970، عمل بالأساس على تثبيت سلطته ومنع الانقلابات التي شهدتها سوريا بعد استقلالها طوال خمسة وعشرين عامًا. فعمد إلى توسعة نطاق السلطات التنفيذية لرئيس الجمهورية، وأعاد تنظيم الجيش والأجهزة الأمنية وأجهزة الدولة المختلفة بحيث جعل مصلحة كل فرد تتركز في دعم النظام والدفاع عنه. تم تمثيل جميع الطوائف في المكتب السياسي لحزب البعث وفي مجلس الوزراء، إلا أن الهيمنة الحقيقية كانت في أيدي العلويين من خلال وضعهم على رؤوس الأجهزة الأمنية والشرطة والجيش، فضلًا عن فرق الحرس الخاص.[17] إذ سعى الأسد إلى ترسيخ نظام سلطوي يعتمد على الطائفة العلوية وتهميش باقي الطوائف. وارتكزت هيكلية السلطة على الشبكات غير الرسمية للسلطة والمحسوبيات. في المقابل لم يسع النظام لبناء مواطنة فعالة تعكس تنوعات المجتمع السوري، وإنما تم توظيف القومية العربية كأداة لقمع خطاب التعددية الطائفية والإثنية. وقد تمثلت هذه الاستراتيجية في ممارسة سياسة الدمج القسري للهويات الفرعية في هوية قومية عربية موحدة. وصاغ النظام سردية مركزية قدمت سوريا بصفتها الدولة الأكثر قومية، وحائط الصد الأبرز في الدفاع عن الأمة العربية ضد إسرائيل. من جهة منحت تلك الرؤية الشرعية لبناء دولة أمنية قوية، كما نزعت الشرعية عن أي نقاش حول حقوق المكونات المختلفة (مثل الطوائف الدينية والمجموعات الإثنية مثل الأكراد والتركمان والأشوريين والأرمن وغيرهم من الإثنيات) في الاعتراف والمشاركة، باعتبار أن مثل هذه المطالب غير مشروعة في ظل التهديدات التي تواجه الكيان الوطني.[18]

لجأ بشار الأسد إلى تبني سياسات الليبرالية الاقتصادية، ما أدى إلى نشوء نظام تسلطي قائم على الرأسمالية المحسوبية. وقد تمحور توزيع الفرص الاقتصادية الجديدة في يد الدائرة المقربة من السلطة، وتحديدًا نخبة من رجال الأعمال المنتمين للطائفة العلوية. وهكذا، تركزت الثروة والنفوذ في يد هذه النخبة، التي أصبحت شبكة الدعم المحورية للنظام، الأمر الذي أدى بدوره إلى تجذير الانقسامات الاقتصادية والاجتماعية على أساس طائفي بشكل متزايد. علاوة على ذلك، ساهم تبني السياسات الليبرالية في تعزيز الطائفية؛ إذ تم تقليص دور حزب البعث. وبينما كان الحزب يعرض درجة من التمثيل للجميع ويشكل مدخلًا لتجاوز التصدع الطائفي نسبيًا؛ أدى ارتكاسه إلى كشف مدى الهيمنة العلوية على مفاصل الدولة.[19]

ورغم وجود إطار قانوني للمواطنة في سوريا؛ إلا أن الممارسة الفعلية عكست تناقضًا مع النصوص الدستورية التي نصت على المساواة. إذ اتسم الواقع بهيمنة الطائفة العلوية على مفاصل السلطة، وتوزيع الموارد، والامتيازات، مما أدى إلى تهميش المكونات الاجتماعية الأخرى. وبذلك، تحولت المواطنة إلى مؤسسة إقصائية ذات طابع طائفي، تمنح الحقوق والامتيازات بشكل انتقائي بناءً على مدى قرب الأفراد من نواة النظام، مع استبعاد بقية المواطنين والتعامل معهم كمواطنين درجة ثانية، مثلما تُشير جلين.[20] وبالتالي، افتقرت ديناميات العلاقة بين الدولة والمواطن في سوريا إلى التماسك والتشاركية.[21] وعمل النظام على تجاهل التمايزات العرقية والدينية والفكرية، وعلى ترسيخ سردية المجتمع ذو النسيج المتلاحم. وقد أدى تمكين بعض الأقليات على حساب تهميش أخرى إلى تعميق الشروخ بين المكونات المختلفة؛ إذ حُرمت بعض المكونات، وخاصة الأكراد، من الحقوق الثقافية واللغوية. إلا أن ذلك لم يمنع وجود معاملة خاصة لبعض المكونات الأخرى، مثل الأرمن والشراكسة الذين كان باستطاعتهم استخدام لغاتهم في الطباعة، مع وجود مؤسسات دينية وثقافية تابعة لهم تؤمن تعليم اللغة.[22]

في هذا السياق المتأزم، اندلعت احتجاجات 2011 لتعكس تراكم التظلمات السياسية والاجتماعية النابعة من فشل سياسات النظام. إلا أن القمع العنيف من جانب السلطة أدى إلى هيمنة التنظيمات والمليشيات العسكرية ذات التوجهات المذهبية والطائفية على المشهد تدريجيًا، وتحول الثورة إلى صراع أهلي طائفي في ضوء عدة عوامل، منها توظيف الأطراف المتنافسة الخطاب الطائفي من أجل الحشد والتجنيد. كما أدى التدخل الخارجي في الصراع إلى تعزيز الانقسامات الداخلية وإطالة أمد النزاع.[23] نتج عن ذلك تشكيل خريطة معقدة من الفصائل المحلية والإقليمية والدولية.[24] علاوة على ذلك، أثر الصراع على نظام المواطنة السوري، إذ تم تكريس نموذج ثنائي تُمنح فيه الحقوق بشكل انتقائي بناءً على الولاء المفترض للنظام. انقسم المواطنون إلى مجموعات موالية وغير موالية، وأصبحت آليات مثل اتفاقيات المصالحة تعمل كعقود إخضاع تهدف إلى منح الحقوق، خاصة حقوق الملكية، للممتثلين فقط، مما فاقم من تجزئة المواطنة وعزز التسلسلات الهرمية الاجتماعية والسياسية. بالإضافة إلى ذلك، فاقم وجود العديد من الإدارات تجزئة المواطنة، إذ أسست الإدارات والمجموعات المسلحة أنظمة موازية وأصدرت وثائق هوية خاصة بها، مما أنتج «فسيفساء» من أنظمة المواطنة المحلية. وقد أفرزت هذه التجزئة تفاوتًا كبيرًا في الحقوق والحركة والوصول إلى الخدمات، بناءً على السلطة المسيطرة، وجعلت المواطنة مشروطة ومحدودة النطاق الجغرافي.[25]

إرث الانهيار: التحديات البنيوية للمرحلة الانتقالية

في الثامن من ديسمبر 2024، سقط نظام عائلة الأسد بعد أكثر من نصف قرن من الحكم، إثر عملية عسكرية شنها تحالف من فصائل المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام تحت اسم «ردع العدوان»، انتهت بدخول دمشق دون قتال بعد هروب رأس النظام إلى القاعدة الروسية وتفكك أجهزته الأمنية والعسكرية.[26] بعد يومين، أعلنت الهيئة تشكيل حكومة انتقالية حتى مارس 2025، وعينت زعيمها أحمد الشرع رئيسًا مؤقتًا، معلنةً عزمها نزع سلاح الجماعات المسلحة وحماية الأقليات.[27] في التاسع والعشرين من مارس، تشكلت حكومة جديدة ضمت ممثلين عن الأقليات والمجتمع المدني وتكنوقراط، إلى جانب وزراء سابقين في حكومات الأسد، ما عكس انفتاحًا نسبيًا على التعددية. ومع ذلك، احتكر المقربون من الشرع الوزارات السيادية (الداخلية، الدفاع، العدل، الخارجية، والطاقة)، ولم تضم الحكومة سوى امرأة واحدة هي هند كباوات وزيرة الشئون الاجتماعية والعمل، رغم وعود بتعزيز مشاركة المرأة.[28]

تواجه الحكومة الانتقالية تحديات هائلة في إعادة بناء الدولة والمواطنة في بلد منهك يعاني من الدمار والانقسامات والصراعات المسلحة. إذ يُعد دمج الفصائل في جيش وطني موحد أحد أبرز التحديات، خاصة مع كيانات مثل قسد والجيش الوطني، في ظل مشهد أمني شديد التعقيد وفي ظل تشتت السيطرة بين قوى داخلية وإقليمية، ما يهدد شرعية أي سلطة مركزية.[29] كما أسفر سقوط النظام عن انهيار مؤسسات الجيش والأمن وتعطل الخدمات الحكومية، وورثت الحكومة مؤسسات ضعيفة وفسادًا إداريًا وخزينة شبه فارغة، إلى جانب الحاجة لاستبعاد رموز النظام السابق ومعالجة إرث طويل من المظالم.[30] واقتصاديًا، تسلمت القيادة الجديدة بلدًا مدمَّرًا بعد حرب استمرت ثلاثة عشر عامًا، خلفت انهيارًا في البنية التحتية، ودمارًا في القطاعات الإنتاجية، وتفككًا في الروابط الاقتصادية؛ مما جعل الاقتصاد السوري يعاني هشاشة بنيوية عميقة تعيق جهود إعادة البناء وإرساء الاستقرار.[31]

وفضلًا عن التحديات الأمنية والاقتصادية، تواجه الحكومة الجديدة تحديًا أكثر تعقيدًا يتمثل في استمرار العنف الطائفي. فقد شهدت سوريا خلال العقد الماضي حربًا أهلية عنيفة، ورغم سقوط نظام الأسد والتراجع النسبي في وتيرة المعارك؛ إلا أن التوترات الطائفية لا تزال تشكل مصدر تهديد دائم ينذر بإعادة إشعال الصراع، خاصة مع تصاعد الانتهاكات ضد بعض الطوائف، أبرزها العلوية، وتزايد التوتر بين طوائف أخرى والفصائل المسلحة أو مكونات السلطة. وفي ظل غياب العدالة الانتقالية وتفاقم خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، تزداد المخاوف من دخول البلاد في دوامة جديدة من الصراع أكثر تعقيدًا وانقسامًا.[32]

خلال الأشهر الماضية، شهدت عدة مناطق سورية أحداث عنف طائفي عكست تصاعد خطاب الثأر والانتقام نتيجة الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها نظام الأسد خلال الثورة، والتي خلفت ندوبًا عميقة في النسيج الاجتماعي وأججت مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام، خصوصًا مع غياب مسار العدالة الانتقالية. تجلت هذه المشاعر في شيطنة الآخر وتحميله مسؤولية المآسي التي عاناها السوريون.[33] وهو ما تُرجم إلى أحداث عنف طائفي في الأشهر الأخيرة، كان أبرزها ما جرى في مناطق الساحل السوري بين السادس والعاشر من مارس، إثر مواجهات بين فلول النظام وقوات الأمن التابعة للإدارة الجديدة. وردت الأخيرة بهجوم شمل مدن اللاذقية وطرطوس وجبلة وبانياس، ما دفع الحكومة للاستعانة بفصائل معارضة غير منضبطة، ارتكب بعضها مجازر طائفية في القرى العلوية في سلوك انتقامي واضح، خلف مئات القتلى من العلويين بينهم نساء وأطفال، فيما فرّ الآلاف إلى الجبال أو عبر الحدود اللبنانية.[34]

في أواخر أبريل، اندلعت صدامات طائفية في ريف دمشق (جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا) التي تقطنها غالبية درزية، عقب تداول تسجيل صوتي لرجل دين درزي يتضمن عبارات مسيئة للنبي محمد، ما أثار موجة غضب وتحريض عبر وسائل التواصل. هاجمت مجموعات مسلحة مدينة جرمانا واشتبكت مع قوات الأمن العام، فقُتل أربعة عشر شخصًا، وامتدت المواجهات إلى صحنايا وأشرفية صحنايا، وشملت هجمات على مقار أمنية، ما دفع وزارة الداخلية لإرسال تعزيزات وفرض طوق أمني.[35] وفي يوليو، شهدت السويداء اشتباكات عنيفة بين فصائل درزية وعشائر بدوية بعد اختطاف تاجر درزي على يد مجموعة بدوية، لتتطور الحادثة إلى عنف طائفي واسع شمل هجمات انتقامية وإعدامات ميدانية. أرسلت الحكومة قوات أمنية لإعادة فرض النظام، لكنها اتُهمت بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين الدروز. ومع احتشاد العشائر البدوية على أطراف السويداء، تحول القتال إلى صراع معقد متعدد الأطراف ذي تداعيات إقليمية؛ إذ استغلت إسرائيل الفوضى وشنت غارات على مواقع للنظام في الجنوب ودمشق، ما أدى إلى مئات القتلى ونزوح واسع. وانتهى القتال بوقف هش لإطلاق النار بوساطات داخلية وخارجية، مع بقاء التوترات قائمة.[36]

تعكس موجات العنف الطائفي في سوريا أزمة سياسية بنيوية وفشلًا في تحقيق المواطنة؛ إذ تحول الصراع الطائفي بعد سقوط النظام إلى ظاهرة متنقلة من منطقة لأخرى، في ظل غياب تجريم رسمي للتحريض الطائفي، وعدم تبني خطاب وطني جامع يدينه بصرامة. كما أن انتشار السلاح بين الأفراد والجماعات المحلية زاد من خطورة الصدامات، خصوصًا مع عجز السلطة عن بناء أجهزة أمنية وجيش وطني بعقيدة دولة لا عقيدة جماعة. فغياب مؤسسات مهنية محايدة أدى إلى تكريس الانقسام، وتعميق انعدام الثقة بين السوريين وأجهزة الدولة، وتثبيت ثقافة الإفلات من العقاب في ظل غياب المحاسبة عن الجرائم، وتباطؤ إطلاق مسارات العدالة الانتقالية.[37] كما تتمثل خطورة الانتهاكات الطائفية في احتمال تكرارها في مناطق أخرى مثل السويداء، بما يشكل تهديدًا مباشرًا لوحدة سوريا الترابية والاجتماعية. ويتجاوز هذا التهديد بعده الأمني ليكشف أزمة أعمق تتعلق بشرعية النظام وآليات تأسيس المواطنة الشاملة وبُنى الحوكمة. ومن ثم، فإن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط الاستقرار السياسي والأمني، وإنما يضع المجتمع السوري أمام تحديات وجودية ترتبط بقدرته على إعادة بناء عقد اجتماعي جامع يتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية، ويعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة التعددية الشاملة كإطار ناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع.[38]

إعادة إنتاج السلطوية وتحدي بناء المواطنة التعددية

عكست المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام نهجًا يعتمد على إعادة إنتاج النموذج المركزي المغلق وأحادية القرار السياسي، مما أدى إلى إفراغ المرحلة من مضمونها التشاركي. إذ ارتكز الإعلان الدستوري المؤقت على صيغة رئاسية واسعة الصلاحيات، فتحولت بذلك مؤسسات الدولة في سوريا الجديدة إلى أدوات تابعة لجهاز القوة المسيطر أكثر منها تعبيرًا عن الإرادة الوطنية الجامعة، وهو ما يهدد فرص إعادة بناء عقد اجتماعي قائم على المواطنة التعددية والشراكة السياسية المؤسسية.[39] هذا التركيز المفرط للسلطة في يد الرئيس لا يمكن فصله عن إشكالية أوسع تتعلق بطبيعة الانتقال السياسي في المجتمعات الخارجة من النزاعات، إذ يشير عدد من الباحثين إلى أن التعجيل بعمليات انتخابية في ظل الانقسامات المجتمعية العميقة والمؤسسات الهشة قد يفضي إلى نتائج عكسية. فكما يوضح رولاند باريس في دراسته حول «السلام الليبرالي المتسرع»، فإن إجراء انتخابات مبكرة في سياقات مماثلة غالبًا ما يؤدي إلى تعميق الانقسامات وتمكين النخب الضيقة بدلًا من أن يشكل مدخلًا للتسوية وبناء الثقة.[40] وبالنظر إلى الحالة السورية، حيثما الدولة منهكة ومؤسساتها مدمرة ومجتمعها ممزق بفعل التدخلات الإقليمية والدولية، يصبح الانتقال السلس نحو ديمقراطية مستقرة مهمة صعبة ومعقدة في المدى القصير. من هذا المنطلق، يمكن تفسير تمسك السلطة الانتقالية بتركيز القرار في يد مركز واحد قوي، باعتباره محاولة لاحتواء الفوضى وإدارة المرحلة بقبضة صلبة، ولو مؤقتًا.[41] لكن في المقابل، يُنذر تركيز السلطة دون ضوابط دستورية أو فصل واضح بين السلطات، بإعادة إنتاج الحكم الفردي وتقويض فرص بناء دولة القانون وتطبيق سياسات المواطنة التعددية.[42]

إحدى المعضلات البنيوية في الحالة السورية تتمثل في استمرار السلطة الانتقالية في استدعاء «شرعية النصر العسكري» أو «الشرعية الثورية» باعتبارها المصدر الرئيسي للشرعية وحقها في الحكم. إلا أن هذا النوع من الشرعية يبقى هشًّا ومؤقتًا، لأنه يستند إلى حدث ماضٍ وليس إلى عملية سياسية مستمرة، كما لا يمكن تعزيزه عبر تحقيق إنجازات في الأمن أو الخدمات فقط. فالانتقال نحو نظام ديمقراطي تشاركي يتطلب تفكيك البنية السلطوية وإعادة توزيع السلطة أفقيًا وعموديًا على نحو يضمن المشاركة الفعلية لجميع المكونات.[43] بعبارة أخرى، لا يمكن بناء شرعية مستدامة وحقيقية إلا من خلال التشاركية والتمثيل السياسي الفعال لكل فئات وأطياف المجتمع بما يعكس التعددية، وفي غياب هذه المشاركة تتعمق مشاعر الاغتراب السياسي، ويغدو المجال العام دائرة مغلقة تحتكرها النخبة الضيقة. وقد أشار كل من كاثي كوهين باستخدامها مصطلح «المواطن الغريب»، وبيري وجون بمفهوم «المواطنة الصامتة»، إلى هذه الحالة من الحرمان من الاندماج الحقيقي والفاعلية رغم توافر الحقوق القانونية للمواطنة.[44]

وفيما تعكس المبادرات السياسية التي طُرحت مؤخرًا، سواء داخل البلاد أو خارجها، محاولةً لكسر حالة الجمود السياسي؛ إلا أن معظمها ظل أسير الأطر الرمزية أو الوظيفية دون إحداث أثر جوهري في بنية الحكم. ويعود ذلك إلى غياب بيئة قانونية تسمح بالتعددية السياسية الفعلية، وتعطيل آليات الانتخابات الحرة، وتهميش المجتمع المدني المستقل، الأمر الذي جعل أي محاولة لإشراك أوسع للقوى الاجتماعية والسياسية تصطدم بطبيعة البنية السلطوية والمركزية المغلقة. والنتيجة هي إنتاج آليات اعتراف وتعددية شكلية، بينما تبقى السلطة الفعلية محتكرة في يد المركز.[45]

في هذا السياق، جاء الإعلان الدستوري الذي أصدرته السلطة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد ليؤكد الاتجاه المركزي ذاته،؛إذ وضع لتنظيم شئون المرحلة الانتقالية وكان يُفترض أن يُمثل خطوة نحو إعادة بناء الدولة والمواطنة التعددية. إلا أنه في واقع الأمر، عكس مضمونه إعادة إنتاج الحكم الفردي المركزي وغياب آليات حقيقية للفصل بين السلطات وتهميش المكونات غير العربية، ما يثير تساؤلات حول مستقبل العملية السياسية في سوريا.[46] إذ منح الإعلان رئيس الجمهورية صلاحيات شبه مطلقة، شملت تعيين مجلس الشعب والسلطة القضائية وإدارة السلطة التنفيذية، ليصبح الحاكم الفعلي والمصدر الوحيد للشرعية السياسية، دون أي آليات فعلية للمساءلة، وهو ما يتناقض مع المبادئ الديمقراطية ويجعل السلطة التشريعية خاضعة بالكامل للسلطة التنفيذية، وبذلك يُعاد إنتاج النمط الشمولي نفسه الذي حكم سوريا لعقود، فيما يُفترض أن تكون المرحلة الانتقالية تأسيسًا للتعددية وليس استمرارًا للسلطوية.[47]

وقد صدر الإعلان في غياب توافق وطني جامع، ولم يُعرض على استفتاء شعبي، كما لم تشارك مختلف القوى السياسية والاجتماعية في صياغته، مما يجعل شرعيته موضع إشكال. كذلك افتقد الإعلان آليات تنفيذية واضحة وتفاصيل مؤسسية دقيقة للرقابة والمساءلة، ما يجعله وثيقة رمزية تتيح للحكومة الالتفاف على الإصلاحات دون التزام فعلي. واتسم الإعلان أيضًا بطابع إقصائي تجاه الأكراد والدروز؛ إذ تجاهل حقوقهم السياسية والثقافية وأبقى على هوية الدولة كـ «جمهورية عربية»، مما يعمق شعور التهميش ويهدد بفتـح الباب أمام توترات جديدة. كما لم يتضمن الإعلان رؤية متماسكة للعدالة الانتقالية أو ضمانات لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، مما يعزز مخاوف استمرار الإفلات من العقاب. وبدلًا من أن يكون إطارًا تأسيسيًا للمرحلة الانتقالية، يبدو الإعلان أداة لإدامة البنية السلطوية دون تغيير بنيوي في النظام السياسي، خاصة في غياب آليات ملزمة للانتقال إلى دستور دائم.[48]

ومن ثم، يمكن القول إن استمرار النزعة السلطوية في المرحلة الانتقالية لا يقتصر أثره على تعطيل مسار التحول الديمقراطي فحسب، بل يمتد ليقوض الأسس الاجتماعية والسياسية اللازمة لبناء مواطنة تعددية حقيقية –والتي تفترض وجود دولة مؤسساتية تقوم على المشاركة والتوازن بين السلطات– بينما تنتج إعادة إنتاج الحكم الفردي والمركزية المفرطة احتكارًا للمجال العام وإقصاءً للفاعلين الاجتماعيين والسياسيين. بذلك تتحول المرحلة الانتقالية من فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس المساواة والتمثيل، إلى أداة لإعادة ترسيخ أنماط السيطرة القديمة في شكل جديد، مما يفرغ فكرة المواطنة من مضمونها التشاركي ويبقيها إطارًا شكليًا بلا محتوى فعلي.

مرتكزات بناء المواطنة التعددية

تمثل المرحلة الانتقالية فرصة أمام السوريين لإصلاح مجتمع مزقته سياسات الأسد الطائفية، وقسمته حرب دامت لثلاثة عشر عاما، ولتأسيس مواطنة جامعة، وإرساء نظام سياسي جديد يضمن المساواة وتمثيل جميع الأطياف وبسط سيادة القانون. وقد مثل مؤتمر الحوار الوطني الذي عُقد في فبراير 2025، والإعلان الدستوري الصادر في مارس من العام نفسه خطوات أولية مهمة على هذا المسار. إلا أنه لكي يتم تحقيق انتقال سياسي حقيقي وبناء هوية وطنية جامعة، لابد أن يتم التأسيس لتشاركية مجتمعية تقوم على نبذ السلطوية والإقصاء وخطابات الكراهية والثأر، بجانب بناء المؤسسات، وتطبيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وتحقيق المساءلة والمحاسبة.[49]

إصلاح المؤسسات كأساس لمواطنة تعددية

يُعد الإصلاح المؤسسي حجر الأساس في نجاح الانتقال السياسي وعملية تأسيس مواطنة لا تقوم على الإقصاء والانقسامات. وفي ضوء هذا الإرث التاريخي من الهشاشة البنيوية المزمنة وتداعياته المتراكمة عبر السنوات الأخيرة، ثم انهيار الوضع بعد 2011 ليبلغ مستويات قياسية في الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ومع دخول البلاد عهدًا جديدًا، أصبح من الضروري معالجة هذه الإشكاليات، والتخفيف من مستويات الهشاشة؛ نظرًا لكونها ترفع إمكانية إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر عمقًا وخطورة، كما أنها تؤثر بشكل كبير في عملية بناء المواطنة ومعالجة الانقسامات والعنف الطائفي وتعزيز الأمن والعدالة الانتقالية.

وبالتالي، فإن وجود مؤسسات وطنية فعالة وشرعية هو الأساس لضمان عدم إعادة إنتاج السلطوية وسياسات الإقصاء والعنف، كما أنها تعمل كأساس للمواطنة التعددية. ويجب على الدولة أن تكون قادرة على امتلاك أدوات تنفيذ القانون وتقديم الخدمات طبقًا للدستور وتوزان السلطات، وتقف على مساحة واحدة من الجميع.[51] بعبارة أخرى، فإن وجود المؤسسات الفعالة يعزز من شرعية الدولة وقوتها وعدم السماح للكيانات من دون الدولة على الصعود وممارسة النفوذ والسلطة وتعزيز الانقسامات. في هذا السياق يشير فرانسيس فوكوياما إلى أن بناء الدولة يتطلب العمل على أربعة مستويات: التصميم والإدارة التنظيمية ويتضمنان الهيكل البيروقراطي والمؤسسي للدولة، تصميم النظام السياسي ويشمل تنظيم العلاقة بين سلطات الدولة، أسس الشرعية، والعوامل الثقافية والاجتماعية.[52]

إن إعادة بناء المؤسسات المعنية بالإدارة العامة في مراحل ما بعد الصراع ليست مجرد عملية تقنية، بل يجب أن تركز على معالجة جوانب الشرعية والعدالة وإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة، وتحقيق التوازن بين الكفاءة من جهة، والشرعية الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى، وكذا تبني مسار تدريجي وتشاركي لبناء مؤسسات قائمة على التكيف والاستجابة والابتكار من خلال إشراك المكونات والأطياف وضمان عدم استبعاد أي مكون. في هذا السياق، فإن وجود مؤسسات قوية فعالة وشرعية هو المفتاح الرئيس للانتقال إلى مرحلة السلام والاستقرار والتنمية، ومن دونها لا يمكن تقديم الخدمات أو إنفاذ القانون أو استعادة الثقة بين الدولة والمواطنين.[53]

التشاركية كآلية لتحقيق المواطنة التعددية

يمثل سقوط نظام بشار الأسد نقطة تحول تاريخية في مسار سوريا، إذ تتاح فرصة حقيقية لتأسيس تشاركية سياسية ومجتمعية على أسس دستورية. الأمر الذي يضع السوريين أمام تحدٍ كبير لتجاوز إرث الصراعات والانقسامات. في ضوء ذلك تشكل التشاركية السياسية والمجتمعية ركيزة أساسية في عملية إعادة بناء المواطنة الجامعة. كما تمثل مدخلًا لتعزيز شرعية قائمة على التعاقد والدمج بدلًا من الإقصاء، وهو ما يجعلها تستند إلى رضا المكونات المختلفة ومشاركتها في صناعة القرار. ما يحولها من شرعية قائمة على الانتصار العسكري وإسقاط النظام إلى عقد اجتماعي تشاركي وجامع يعزز المواطنة. هذا النموذج يجب أن يتضمن المشاركة الفعالة في بناء المؤسسات، وصياغة السياسات، وتشكيل هياكل الحوكمة، إذ تؤدي المشاركة الواسعة أدوارًا متعددة؛ فهي تمنح المؤسسات شرعية مجتمعية، وتفتح قنوات سلمية للتعبير عن المظالم، وتُعزز التماسك الاجتماعي الضروري لترسيخ الديمقراطية. وتتجلى فاعلية المشاركة السياسية في قدرتها على تحويل المؤسسات من هياكل مفروضة إلى تعبيرات أصيلة عن الإرادة العامة، فعندما تهيئ المؤسسات الانتقالية بيئة شاملة للمشاركة، فإنها تولد الشعور بأن بنية الحكم تعكس القيم والتفضيلات الجمعية، وتُعد هذه الشرعية ضرورية لضمان الالتزام بالمعايير الديمقراطية ومنع عودة البُنى السلطوية الإقصائية.[54]

في هذا السياق يمكن الإشارة إلى ضرورة التحالف بين القوى الاجتماعية والسياسية القادرة على إنتاج مشروع وطني جامع. ويمكن لتفعيل التشاركية أن يمثل الأداة العملية لتشكيل هذه الكتلة، بحيث تضم مختلف الفصائل والتيارات السياسية والمجتمعية، بما فيها المجتمع المدني والنقابات والنخب الثقافية والمكونات المحلية والقطاع الخاص، وتحويلهم من متلقين للقرارات إلى شركاء في صياغتها وتنفيذها. غياب مثل هذه التحالفات قد يجعل السلطة الانتقالية عرضة للعزلة، وأكثر قابلية لإعادة إنتاج السلطوية والمركزية والتهميش، ويحتم هشاشة أي مشروع لبناء الدولة أمام الضغوط الداخلية والخارجية. ورغم تصريحات السلطة الجديدة بأن المرحلة الانتقالية ستكون مرحلة بناء؛ إلا أن الواقع الفعلي قد يكون أكثر تعقيدًا نظرًا للخلافات العميقة بين الفصائل المختلفة.[55]

معالجة خطاب الكراهية

تشكل معالجة خطاب الكراهية تحديًا كبيرًا في ظل الحالة السورية، إلا أنها تعد ضرورة ملحة لتحقيق الاستقرار والمصالحة الوطنية. ولتحقيق ذلك ينبغي تبني مقاربة شاملة يمكن تنفيذها على مراحل بحسب السياق. هذه المقاربة قد تشمل أدوات قانونية ومؤسسية وإعلامية وتربوية؛ فيجب تجريم خطاب الكراهية من خلال تطوير إطار قانوني ومؤسسي متكامل يوازن بين مكافحة خطاب الكراهية وحماية حرية التعبير، ولتحقيق ذلك يفضل مشاركة جميع الفاعلين في المجتمع في صياغة هذا الإطار. كما يمكن للإعلام ممارسة دور مهم في التوعية بمخاطر الكراهية والترويج لخطاب التسامح والسلام وبناء ثقافة الحوار بين مختلف المكونات. بالإضافة إلى ذلك تعتبر منظمات المجتمع المدني شريكًا أساسيًا في معالجة خطاب الكراهية. وفي هذا المجال، يمكن للمجتمع المدني إطلاق برامج مصالحة مجتمعية تساهم في تضميد جراح الماضي وبناء الثقة بين المكونات المختلفة للمجتمع. يجب أيضًا دعم ضحايا هذا الخطاب من خلال تسهيل حصولهم على التعويض وجبر الضرر خصوصًا التعويض المعنوي، وضمان حقهم في الوصول إلى العدالة والمساواة أمام القانون. وأخيرًا تطوير برامج تربوية وثقافية تعمل على إدراج مفاهيم التسامح ونبذ العنف في المناهج التعليمية والفعاليات الثقافية.[56]

إلا أن معالجة خطاب الكراهية لا يمكن فصلها عن الإطار الأوسع لـلعدالة الانتقالية، التي تمثل في المجتمعات الخارجة من النزاعات الممتدة المعقدة، مثل سوريا، ضرورة تاريخية لإعادة بناء العقد الاجتماعي، وليست مجرد خيار سياسي أو قانوني. فالمجتمعات في تلك الحالة تجد نفسها أمام مفترق طرق، إما الانزلاق مجددًا إلى دوامة العنف، أو السعي الجاد نحو ترسيخ أسس الاستقرار والمصالحة والتعددية الوطنية. ومن هنا، تصبح العدالة الانتقالية فعلًا تأسيسيًا لإعادة بناء العقد الاجتماعي الذي يؤسس للمواطنة التعددية. وبالتالي لا يكفي تغيير ملامح السلطة السياسية كي يتعافى المجتمع، وإنما يجب تبني إصلاحات عميقة وشاملة، إذ أن مفاعيل وممارسات النظام السابق لا تزول بزواله الرسمي بل تبقى حاضرة في البنى العميقة للدولة والمجتمع.[57]

تتطلب العدالة الانتقالية أدوات تنفيذية واضحة، على رأسها هيئة وطنية مستقلة وذات صلاحيات سيادية، لا تخضع للإملاءات السياسية ولا تُدار بمنطق الترضيات. وفي السياق السوري، تم بالفعل تشكيل هيئة وطنية تُعنى بالعدالة الانتقالية، وهو تطور يعد خطوة أساسية نحو مقاربة واعية لمقتضيات المرحلة. إلا أن هذه الخطوة لا تكفي، ما لم تقترن بتمكين حقيقي. وعليه، فإن الهيئة تواجه تحديات تتعلق بمقدار الممنوح لها من استقلالية قانونية وصلاحيات فعلية في التوثيق والمساءلة، وصياغة آليات جبر الضرر وضمانات عدم التكرار.[58]

الخاتمة

يمثل سقوط نظام الأسد بداية مرحلة جديدة في سوريا وفرصة لتأسيس مواطنة تعددية قادرة على تجاوز الانقسامات والصراعات عبر الاعتراف والتشاركية والمساواة بدلًا من القمع والإقصاء والمركزية. وقد تناولت هذه الدراسة سياقات وتحديات ومرتكزات تحقيق هذه المواطنة في سوريا، كاشفة التحديات البنيوية والهيكلية العميقة، ومن أبرزها استمرار التوترات والعنف الطائفي وخطاب الثأر، إلى جانب احتمالية عودة السلطوية والمركزية التي تعكسها ممارسات السلطة الانتقالية، الأمر الذي يشكل تهديدًا مباشرًا لفكرة المواطنة الجامعة.

وقد خلصت الدراسة إلى أن المواطنة التعددية تمثل ضرورة وركيزة لإعادة بناء الدولة والمجتمع ومنع الانزلاق مجددًا نحو العنف أو إعادة إنتاج السلطوية، لا سيما في ظل تآكل مفهوم المواطنة وانهيار الثقة بين المكونات المجتمعية ومؤسسات الدولة نتيجة لسياسات النظام السابق وتداعيات الحرب. ومن ثم، فإن التحدي الأبرز أمام المرحلة الانتقالية يكمن في غياب نموذج حكم قادر على استيعاب التنوع وترسيخ عقد اجتماعي تشاركي يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمواطن.

وفي محاولة لمعالجة القصور في الأدبيات السابقة؛ قدمت الدراسة إطارًا نظريًا تطبيقيًا يوظف مفهوم المواطنة التعددية لربط الأبعاد البنيوية والسياسية والاجتماعية، لتوضيح أن تأسيس المواطنة التعددية في سوريا بعد الأسد يعتمد على ثلاثة مرتكزات مترابطة: أولًا، الإصلاح المؤسسي بوصفه حجر الأساس للشرعية، من خلال بناء مؤسسات وطنية فعالة وشفافة تمنع إعادة إنتاج الإقصاء والهيمنة. ثانيًا، التشاركية السياسية والمجتمعية كآلية للدمج وبناء الشرعية، إذ تتيح المشاركة الواسعة في صياغة السياسات وبناء المؤسسات فرصًا للتعبير السلمي وتعزيز الثقة والتماسك. ثالثًا، معالجة خطاب الكراهية وتحقيق العدالة الانتقالية بوصفهما شرطين لترسيخ المصالحة الوطنية واستعادة العقد الاجتماعي عبر مقاربة شاملة تجمع بين التجريم القانوني ودور الإعلام والمجتمع المدني في بناء ثقافة التسامح وجبر الضرر للضحايا.

في الختام، تؤكد الدراسة أن مستقبل المواطنة التعددية في سوريا يتوقف على التزام القوى الفاعلة بتنفيذ هذه المرتكزات الثلاثة بصورة متكاملة، وتحويل عملية بناء الدولة من مجرد انتقال في السلطة إلى مشروع تأسيسي حقيقي لإعادة بناء الثقة والهوية الوطنية على أسس المشاركة والمساواة والاعتراف المتبادل.

 

إقرار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي

الكاتبة لم تستخدم أي من أدوات أو برامج الذكاء الاصطناعي في أي من مراحل هذه الدراسة.

[1] عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)؛ برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، (دار الطليعة، 1979)؛كاظم شبيب، المسألة الطائفية: تعدد الهويات في الدولة الواحدة، (دار التنوير، 2011).
[2] مروان قبلان، «لماذا انهارت دولة البعث في سورية»، سياسات عربية 9 العدد 53 (2021): 7-34، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://siyasatarabiya.dohainstitute.org/ar/issue053/Documents/Siyassat53-2021-Kabalan.pdf؛ بدر الدين عرودكي، «الهوية الوطنية السورية بين الإشكالية والالتباس»، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 2 نوفمبر 2020، 3-70، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://shorturl.at/UDJBf؛ ريموند هينبوش، «الهوية وتكوين الدولة في المجتمعات متعددة الطوائف: بين القومية والطائفية في سوريا» (Identity and State Formation in Multi‐Sectarian Societies: Between Nationalism and Sectarianism in Syria)، الأمم والقومية 26 العدد 1 (2020): 138-154، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر، https://doi.org/10.1111/nana.12582.
[3] فيليب لوفت، كلير ميلز، «سوريا بعد الأسد: العواقب والسلطات المؤقتة 2025» (Syria After Assad: Consequences and Interim Authorities 2025)، مكتبة مجلس العموم (House of Commons Library)، 23 يوليو 2025، 1-48، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-10161/.
فضل عبد الغني، «تحديات إعادة دمج الجماعات المسلحة في سورية ما بعد المرحلة الانتقالية»، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يونيو 2025، 1-21، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://shorturl.at/yK5fw.
خالد التركاوي، «التحديات الاقتصادية والتنموية في سوريا بعد انهيار حكم بشار الأسد»،  مجلة لباب للدراسات الاستراتيجية العدد 26 (مايو 2025)، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://shorturl.at/zPcJz.
داليا رشدي، «أبعاد ومتطلبات إعادة بناء الدولة بعد الصراعات بناء السلام: القضايا الأساسية والأطر الملائمة للصراعات العربية»،  السياسة الدولية (52) العدد 206 (2016): 11-17، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://www.siyassa.org.eg/News/11927.aspx.
إبراهيم خولاني، «تحديات إعادة إعمار المناطق المدمرة في سوريا»،  المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، فبراير 2025، 1-19، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://shorturl.at/rFhAe.
[4] حمياز سمير، «الآليات الاستراتيجية لإدارة التنوع الثقافي في المجتمعات التعددية»، مجلة الفكر المتوسطي (9) العدد 1 (2020): 57، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://asjp.cerist.dz/en/article/120378.
[5] مصطفي كيحل، «الليبرالية ومعضلة التعددية الثقافية»، مجلة الفكر العربي المعاصر (36) العدد  170 (2016): 68، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://search.mandumah.com/Record/748399/Description.
[6] تي إتش مارشال، المواطنة والطبقة الاجتماعية في: الطبقة والمواطنة والتنمية الاجتماعية (Citizenship and Social Class. In Class, Citizenship and Social Development)، (مطبعة جامعة شيكاغو، 1950) 149.
[7] ميتشل كوهين، «المواطنة والطبقة الاجتماعية لمرشال» (T.H. Marshall’s “Citizenship and Social Class”)، مجلة ديسنت، خريف 2010، تاريخ الاطلاع 3 ديسمبر 2025، https://www.dissentmagazine.org/article/t-h-marshalls-citizenship-and-social-class/.
[8] إيفلين جلين، «بناء المواطنة: الإقصاء والتبعية والمقاومة» (Constructing Citizenship: Exclusion, Subordination, and Resistance)، المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع (76) العدد 1 (2011): 2-3، تاريخ الاطلاع 3 ديسمبر 2025،  https://doi.org/10.1177/0003122411398443.
[9] جو ترنر، «إضفاء الطابع الجندري على السياسة: المواطنة من الفضاءات الهامشية» ((En)gendering the Political: Citizenship from Marginal Spaces)، دراسات المواطنة (20) العدد 2 (2016): 142-144، تاريخ الاطلاع 3 ديسمبر 2025،  https://doi.org/10.1080/13621025.2015.1132569.
[10] ويل كيمليكا، المواطنة متعددة الثقافات: نظرية ليبرالية لحقوق الأقليات (Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights(مطبعة جامعة اوكسفورد، 1995).
[11] قيس ناصر راهي، «سياسة الاعتراف عند تشارلز تيلور»، حكمة، 30 يوليو 2020، تاريخ الاطلاع 3 سبتمبر 2025، https://shorturl.at/awI3B.
[12] إنجين إيسن وبرايان تورنر، «دراسات المواطنة: مقدمة» (Citizenship Studies: Introduction)، في دليل دراسات المواطنة (Handbook of Citizenship Studies)، تحرير إنجين إيسن وبرايان تورنر (منشورات ساج، 2002): 4.
[13] ريناتو روسالدو، «المواطنة الثقافية في سان خوسيه، كاليفورنيا» (Cultural Citizenship in San Jose, California)، بولار (17) العدد 2 (1994): 55-57، تاريخ الاطلاع 3 سبتمبر 2025، http://www.jstor.org/stable/24497930.
[14] يان باكولسكي، «المواطنة الثقافية» (Cultural Citizenship)، دراسات المواطنة (1) العدد 1 (1997): 80، تاريخ الاطلاع 3 سبتمبر 2025، https://doi.org/10.1080/13621029708420648.
[15] حنان أبو سكين، «التعددية الثقافية وإشكالية التطبيق»، شئون الأوسط العدد 148 (2022): 171، تاريخ الاطلاع 3 سبتمبر 2025، https://search.mandumah.com/Record/587638.
[16] قبلان، «لماذا انهارت دولة البعث في سورية»، 9.
[17] عرودكي، «الهوية الوطنية السورية بين الإشكالية والالتباس»، 34-36.
[18] هينبوش، «الهوية وتكوين الدولة في المجتمعات متعددة الطوائف»، 149-150.
[19] هايكو ويمن، «مسيرة سورية من الانتفاضة المدنية إلى الحرب الأهلية»، مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، 22 نوفمبر 2016، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://carnegieendowment.org/research/2016/11/syrias-path-from-civic-uprising-to-civil-war?lang=ar.
[20] جلين، «بناء المواطنة»، 2-3.
[21] عثمان بهادر دينشر، زينب شاهبن، «عودة اللاجئين، وإعادة الإدماج، وممارسات المواطنة في سوريا ما بعد الصراع» (Refugee Return, Reintegration, and Citizenship Practices in Post-Conflict Syria)، الهجرة الدولية 63 العدد 1 (2025): 7-8، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://doi.org/10.1111/imig.13379.
[22] نائل جرجس، «الأقليات في نظام القانون السوري ومبدأ حيادية الدولة»، المركز الأوروبي للدراسات الكردية، أغسطس 2020، 11-12، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://url-shortener.me/WKU.
[23]هينبوش، «الهوية وتكوين الدولة في المجتمعات متعددة الطوائف»، 151.
[24] حنان سلام، «سوريا: ما هي المجموعات المتقاتلة فيما بينها وأين؟» (Syria: Which Groups have been Fighting Each Other and Where?)،  بيانات موقع وأحداث الصراع المسلح (ACLED)، 11 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://acleddata.com/brief/syria-which-groups-have-been-fighting-each-other-and-where.
[25] دينشر، شاهين، «عودة اللاجئين، وإعادة الإدماج، وممارسات المواطنة في سوريا ما بعد الصراع»، 8.
[26] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، «تحديات المرحلة الانتقالية في سورية وآفاقها»، 12 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر  2025، https://shorturl.at/RNZhS.
[27] لوفت، ميلز، «سوريا بعد الأسد»، 6.
[28]مجموعة الأزمات الدولية، «يد العون لسوريا ما بعد الأسد» (A Helping Hand for Post-Assad Syria)، 22 مايو 2025، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/syria/helping-hand-post-assad-syria.
[29] إسراء شوقي، «قراءة في تعقيدات المشهد السوري بين الطائفية ومخاطر التفكك»،  السياسة الدولية، 15 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://www.siyassa.org.eg/News/22058.aspx.
عبد الغني، «تحديات إعادة دمج الجماعات المسلحة في سورية ما بعد المرحلة الانتقالية»، 4.
[30] كندة حواصلي، «خطوات عملية لبناء مؤسسات حكومية فعّالة في سوريا» مركز الحوار السوري، 18 أغسطس 2025، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://shorturl.at/0eWSi.
المركز السوري لبحوث السياسات، «سوريا: العدالة لتجاوز النزاع»، مارس 2020، 111، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://shorturl.at/UPkAp.
[31] التركاوي، «التحديات الاقتصادية والتنموية في سوريا بعد انهيار حكم بشار الأسد».
[32] شوقي، «قراءة في تعقيدات المشهد السوري بين الطائفية ومخاطر التفكك».
[33] أحمد قربي، هنادي حجار، «خطاب الكراهية في سوريا: رؤية تدريجية للإصلاح والمعالجة»، مركز الحوار السوري، 20 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://shorturl.at/XOjzd.
[34] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، «أحداث الساحل السوري: الخلفيات، التداعيات، وردّات الفعل الدولية»، 13 مارس 2025، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://tinyurl.com/2nv42w63.
[35]الجزيرة، «هل هدأت التوترات الأمنية في صحنايا وجرمانا؟»، 1 مايو 2025، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://tinyurl.com/mwnmz9b5.
[36] غيث السيد، كريم شهيب، «البدو المسلحون في سوريا يعلنون انسحابهم من المدينة ذات الأغلبية الدرزية بعد قتال استمر أسبوعًا» (Syria’s Armed Bedouins Say they have Withdrawn from Druze-Majority City After Weeklong Fighting)، AP، 21 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025،  https://apnews.com/article/syria-druze-clashes-israel-bedouins-4da2410d00a298a7fde9f508ea9ece17 .
تالا رمضان، «سوريا تعتقل عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية للاشتباه بتورطهم في أحداث السويداء» (Syria Detains Defence, Interior Ministry Members Suspected of Sweida Violence)، رويترز، 3 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع 5 سبتمبر 2025، https://tinyurl.com/3twy599p.
[37] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، «أحداث السويداء والمسألة الطائفية في سورية»، 19 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://tinyurl.com/mrye6bzr.
[38] نادين المعوشي، «الأقليات والبناء الوطني في سوريا الأسد»، سياسات عربية العدد  48 (يناير 2021): 107-108، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://siyasatarabiya.dohainstitute.org/ar/issue048/Pages/art06.aspx.
قربي، حجار، «خطاب الكراهية في سوريا: رؤية تدريجية للإصلاح والمعالجة».
[39] هيومن رايتس ووتش، «سوريا: «الإعلان الدستوري» يعرّض الحقوق للخطر: مخاوف من غياب الضوابط على سلطة الرئيس»، 25 مارس 2025، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2025، https://www.hrw.org/ar/news/2025/03/25/syria-constitutional-declaration-risks-endangering-rights .
[40] رولاند باريس، عند انتهاء الحرب: بناء السلام بعد النزاع الأهلي (At War’s End: Building Peace After Civil Conflict)، (مطبعة جامعة كامبريدج، 2004): 180-195.
[41] عمرو السراج، «الطريق إلى الشرعية المؤجلة.. السلطة والاستثناء والديمقراطية في سوريا»، الجزيرة، 20 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع 2 سبتمبر 2025، https://tinyurl.com/98975jhz.
[42] رشدي، «أبعاد ومتطلبات إعادة بناء الدولة بعد الصراعات بناء السلام»، 12-17.
أحمد بديوي، «ديمقراطية الصراعات»، السياسة الدولية، 16 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع 2 سبتمبر 2025، https://www.siyassa.org.eg/News/21914.aspx .
[43] مالك الحافظ، «التشاركية السياسية في سوريا.. الشرعية وأزمة العقد الاجتماعي»،  الترا سوريا، 14 أغسطس 2025، تاريخ الاطلاع 2 سبتمبر 2025، https://tinyurl.com/5aymy4hc.
[44] جين بومان، «المواطنة كثقافة: نحو نظرية للمواطنة الثقافية» (Citizenship as Cultural: Towards a Theory of Cultural Citizenship)، بوصلة علم الاجتماع 10 العدد 10 (2016): 853، تاريخ الاطلاع 2 سبتمبر 2025، https://doi.org/10.1111/soc4.12415.
[45] الحافظ، «التشاركية السياسية في سوريا.. الشرعية وأزمة العقد الاجتماعي».
[46] محمد صابر، «الإعلان الدستوري: محاولة إصلاح أم إعادة إنتاج الاستبداد؟»، مركز آتون للدراسات، 17 مارس 2025، تاريخ الاطلاع 2 سبتمبر 2025، https://tinyurl.com/y43n6ua7.
[47] جريجوري ووترز، «الحكم المحلي في سوريا ما بعد الأسد: نموذج دولة هجينة للمستقبل؟» (Local Governance in Post-Assad Syria: A Hybrid State Model for the Future?)، مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، 15 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع 2 سبتمبر 2025، https://carnegieendowment.org/research/2025/07/local-governance-in-post-assad-syria-a-hybrid-state-model-for-the-future?lang=en.
[48] ووترز، «الحكم المحلي في سوريا ما بعد الأسد: نموذج دولة هجينة للمستقبل؟».
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، «الإعلان الدستوري في سوريا وتحديات المرحلة الانتقالية»، مايو 2025، 12-13، تاريخ الاطلاع 2 سبتمبر 2025، https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/constitutional-declaration-in-syria-and-transitional-challenges.aspx.
محمد أبو الرب، ناثان براون، «فرصة ثانية لعملية توافقية في سوريا؟» (A Second Chance for a Consensual Process in Syria?)، مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، 18 أغسطس 2025، تاريخ الاطلاع 2 سبتمبر 2025، https://carnegieendowment.org/research/2025/08/a-second-chance-for-a-consensual-process-in-syria?lang=en.
مركز حرمون للدراسات المعاصرة، «الإعلان الدستوري السوري: بين الضرورة القانونية والانتقادات السياسية»، مارس 2025، تاريخ الاطلاع 2 سبتمبر 2025، https://tinyurl.com/5n72syd2.
[49] ماري فوريستييه، «إعادة بناء الدولة السورية: انطباعات من الميدان»، مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، 8 مايو 2025، تاريخ الاطلاع 2 سبتمبر 2025، https://carnegieendowment.org/research/2025/04/rebuilding-the-syrian-nation-impressions-from-the-ground?lang=ar.
حواصلي، «خطوات عملية لبناء مؤسسات حكومية فعّالة في سوريا».
[50] حواصلي، «خطوات عملية لبناء مؤسسات حكومية فعّالة في سوريا».
[51] باريس، «عند انتهاء الحرب»،212-233 .
[52] فرانسيس فوكوياما، بناء الدولة: الحوكمة والنظام العالمي في القرن الحادي والعشرين (State-Building: Governance and World Order in the 21st Century(مطبعة جامعة كورنيل، 2004): 43-45.
[53] تغريد صفي الدين، «إشكالية بناء الدولة بعد الثورات: دراسة حالة على دولة سوريا»،  المركز الديمقراطي العربي، 9 سبتمبر 2024، تاريخ الاطلاع 2 سبتمبر 2025، https://democraticac.de/?p=99794 .
[54] فضل عبد الغني، «دعوة لتصحيح مسار الانتقال السياسي في سوريا عبر تعزيز الجبهة الداخلية»، الشبكة السورية لحقوق الإنسان، 19 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع 2 سبتمبر 2025، https://tinyurl.com/3n2ukw9r.
[55] أماني السروجي، «مستقبل سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد»، السياسة الدولية، 9 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع 2 سبتمبر 2025، https://www.siyassa.org.eg/News/21906.aspx.
[56] قربي، حجار، «خطاب الكراهية في سوريا: رؤية تدريجية للإصلاح والمعالجة».
[57] منصور عمري، «دمج العدالة الانتقالية في سوريا» (Mainstreaming Transitional Justice in Syria)، مبادرة الإصلاح العربي، 3 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع 5 سبتمبر 2025، https://www.arab-reform.net/publication/mainstreaming-transitional-justice-in-syria/.
«سوريا ما بعد الأسد: تحقيق العدالة وإرساء سيادة القانون» (Post- Assad Syria Achieving Justice and Establishing the Rule of Law)،” مركز جنيف الدولي للعدالة، يناير 2025، تاريخ الاطلاع 5 سبتمبر 2025، https://www.gicj.org/topics/countries/syria/4145-post-assad-syria-achieving-justice-and-establishing-the-rule-of-law.
[58] عمري، «دمج العدالة الانتقالية في سوريا».
جاك لينش، «العدالة الانتقالية في سوريا ما بعد الحرب: طريق نحو الشفاء» (Transitional Justice in Post-War Syria: A Path to Healing)، مجلة فوردهام للقانون الدولي، 17 أبريل 2025، تاريخ الاطلاع 5 سبتمبر 2025، https://tinyurl.com/35xv8ybh.

Read this post in: English

Exit mobile version