الإشارة المرجعية: شعباني، محمد. 2026. «الاقتصاد السياسي للطائفية في سوريا: ديناميات ضمور وانبعاث ولاءات ما قبل الدولة الوطنية،» رواق عربي 31 (2): 20-37. https://doi.org/10.53833/DGOV8918.
خلاصة
تتناول هذه الدراسة بالنقد التفسيرين السائدين للطائفية في سوريا –الجوهراني الذي يردّها إلى انقسامات عقائدية وسمات اجتماعية ثابتة، والأداتي الذي يحصرها في توظيف سلطوي– مقترحةً إطارًا ثالثًا ينظر إليها باعتبارها نتاجًا بنيويًا لتحولات الاقتصاد السياسي. اعتمدت الدراسة منهج الاقتصاد السياسي التاريخي لنمذجة العلاقة بين نمط الإنتاج وبنية الولاء الاجتماعي–السياسي، مع إبراز دور المتغيرات الوسيطة. من هذا المنطلق، تقدم الدراسة نموذجًا تفسيريًا يربط بين بنية الاقتصاد السياسي ومسارات تشكل الهوية السياسية، وتعيد تعريف الطائفية بوصفها نتاجًا لتحولات في البنية الاقتصادية وتفاعلاتها مع البنى السياسية والاجتماعية، وليس باعتبارها معطىً ثقافيًا ثابتًا أو قرارًا سياسيًا فوقيًا. وقد خلصت الدراسة إلى أن الاستقطاب الطائفي في سوريا منذ عام 2011 وصولًا لما بعد سقوط نظام الأسد يشكل ذروة مسار بنيوي طويل ارتبط بتآكل الحوامل المادية للمواطنة وتحول انتماءات ما قبل الدولة الوطنية إلى شبكة علاقات اجتماعية توفر الحماية الاقتصادية–الاجتماعية للفرد.
مقدمة
منذ سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، تشهد سوريا استقطاباً طائفيًا وإثنيًا ومناطقيًا حادًا، يتبدّى في موجات عنف تكررت في أكثر من منطقة ومناسبة، واكبتها، وسبقتها في بعض الأحيان، مطالبات بالانفصال أو الفيدرالية على أسس طائفية وإثنية.[1] لم يكن الخطاب والاقتتال الطائفي في سوريا وليدًا للحظة سقوط النظام السوري، ولا نتاجًا عرضيًا لسنوات الصراع والعنف الأربعة عشر التي سبقت سقوطه؛ إذ كشفت تلك السنوات، بما حملته من أبعاد وسمات الاحتراب الأهلي،[2] عما سبقها وعمّقت مساره، بما يؤكد ترسخ الاستقطابات الطائفية والإثنية وغيرها من مظاهر التصدع الاجتماعية. حينئذ يصح القول إن تلك الانقسامات هي تمظهر لصيرورة استمرت لعقود تشكلت خلالها لحظة الاستقطاب. وإذا كانت صيرورة الاستقطاب الأهلي قد بلغت ذروتها في لحظة سقوط النظام؛ إلا أنها مرت بمرحلة تكوين وتراكم سابقة لتلك اللحظة؛ هي زمن تحول وافتراق تاريخي بين زمنين: الأول تشكل في صعود علاقات إنتاج رأسمالية ونظام سياسي برلماني وفي أجواء من الحرية السياسية ضمرت في ظله ولاءات ما قبل الدولة الوطنية، والثاني هو نكوص وانقلاب على هذه الحالة لصالح رأسمالية المحاسيب وبرجوازية بيروقراطية ريعية واستبداد سياسي دفع إلى انبعاث ولاءات ما قبل الدولة الوطنية وتغلغلها في بنى الاقتصاد والسياسة والمجتمع.
تسعى هذه الدراسة لتحليل الديناميات المحركة لصيرورة ضمور وانبعاث ولاءات ما قبل الدولة الوطنية في سوريا، من خلال تتبع التحولات البنيوية التي طرأت على الاقتصاد السوري وعلاقته بالبنية الاجتماعية والسياسية وتفاعلاتها، بهدف فهم الكيفية التي ساهمت فيها هذه الديناميات في ضمور وانبعاث هويات ما قبل الدولة الوطنية.
الأدبيات السابقة
يمكن تقسيم الأدبيات السابقة التي تناولت المسألة الطائفية في المنطقة العربية بشكل عام، وفي سوريا بشكل خاص، إلى تيارين رئيسيين: التيار الأول يرى الهويات الثقافية، والعرقية، والدينية سمات اجتماعية لا تتغير، وأن ظاهرة الطائفية هي امتداد لصراعات عقائدية كانت قائمة على مدار التاريخ. ويمثّل هذا التيار ثلة من أبرز الباحثين، من بينهم ميشيل سورا،[3] وليون غولدسميث،[4] ونيقولاس فان دام.[5]
في المقابل، يرى التيار الثاني أن الطائفية السياسية ليست جوهرًا قائمًا بذاته، وإنما هي ظاهرة تاريخية قابلة للتشكل؛ متناولًا كيفية توظيف الأنظمة الاستبدادية للهويات الاجتماعية وإعادة تشكيلها سياسيًا لاستخدمها كوسيلة لتثبيت حكم هذه الأنظمة وضمان استمراره. وتندرج ضمن هذا التيار مقاربات متعددة، من أهمها المقاربة السوسيولوجية السياسية، التي يعد كل من عزمي بشارة[6] وبرهان غليون[7] من أبرز ممثليها.
وفي إطار التيار الأداتي، تبرز مقاربة الاداتية الطبقية، التي تفسر الطائفية بوصفها آلية لإعادة إنتاج السيطرة على المجتمع في ظل رأسمالية المحاسيب، عبر إضعاف إمكانية تشكل وعي طبقي مستقل أو حركة شعبية معارضة لنظام الحكم، ويمكن ردّ بعض جذور هذا التصور إلى أعمال مهدي عامل، وتحديدًا كتابه «في الدولة الطائفية»،[8] الذي يفسر من خلاله ظاهرة الطائفية في لبنان باعتبارها شكلًا تاريخيًا محددًا مرتبطًا ببنية الدولة البرجوازية الكولونيالية اللبنانية. غير أن القراءات المعاصرة لأطروحاته تميل إلى إعادة صياغتها ضمن إطار أكثر مباشرة يركز على الوظيفة السياسية–الاقتصادية للطائفية، في سياق الاستبداد ورأسمالية المحاسيب. ويُعد جوزيف الضاهر أحد أبرز من استند إلى فكر مهدي عامل في تحليله لظاهرة الطائفية في سوريا، ولا سيما في بحثه حول الاقتصاد السياسي السوري.[9]
وقد أسهم هذا التيار في تعميق نقد التصورات الجوهرانية، وإبراز الطابع التاريخي والاجتماعي للطائفية، والكشف عن دور المؤسسات السياسية والاقتصادية في إنتاجها أو إعادة إنتاجها. ومن شان وضع المسألة الطائفية في هذا الإطار، أن يؤدي إلى تغييب تحليل شروط الإمكان البنيوية التي تجعل ولاءات ما قبل الدولة الوطنية حاضرةً في تمثيلات الوعي أصلًا، أي إغفال فحص الأدوار التي تؤديها البنية الاقتصادية والاجتماعية في تحفيز انبعاث الانتماءات الأولية بوصفها ظاهرة اجتماعية قابلة للتحول إلى قناة فعل سياسي منظم.
إلى جانب التيارين السائدين، ظهرت أدبيات حديثة تناولت المسألة الطائفية في سوريا، من بينها دراسة أسماء البنا حول تأسيس المواطنة التعددية في سوريا بعد الأسد،[10] والتي ركزت على إعادة بناء المواطنة عبر الإصلاح المؤسسي والتشاركية السياسية ومعالجة خطاب الكراهية والعدالة الانتقالية. ورغم أهمية هذه المقاربة في إبراز البعد المؤسس؛ إلا أنها تظل ضمن أفق الحلول الفوقية التي لا تلامس البنية المادية العميقة المنتجة للظاهرة، وتتعامل معها كمسألة قابلة للمعالجة عبر إصلاح المؤسسات والسياسات العامة.
إلى جانب دراسة البنا، تبرز دراسة كيفن مازور[11] التي يمكن وضعها ضمن مقاربات بنيوية–تفاعلية ذات طابع تحليلي؛ إذ تركز على تفسير تحول حركة الاحتجاجات السورية، من حركة مدنية إلى صراع ذي طابع إثني. ينطلق مازور في تحليله من فرضية أن بنية النظام السوري تتسم بطابع إقصائي إثني؛ إذ تتمتع المجموعة المهيمنة (العلويون) بإمكانية وصول أعلى وأفضل إلى موارد الدولة، مقارنة بباقي المكونات، لا سيما السنة. وتتميز دراسته باعتمادها على مقاربة تحليلية (مجالية/محلية) لمسار الاحتجاجات السورية؛ إذ يتناول الحراك بوصفه متغيرًا يتشكل تبعًا لاختلاف البنى الاقتصادية والاجتماعية وشبكات السلطة المحلية في كل منطقة على حدة، بدلًا من التعامل معه كظاهرة كلية ذات منطق موحّد. وضمن هذا الإطار، يُنظر إلى التحول السياسي كعملية ديناميكية عبر الزمن (dynamically diachronic process)، تتبدل فيها أنماط الفعل والفاعلين تبعًا لتغير شروط السيطرة وأدوات القمع في السياقات المحلية المختلفة. وفي تفسيره لعملية «الأثننة» كما يصفها، يربط مازور بين تفاعل عنصرين أساسيين: فشل شبكات الوساطة المحلية العابرة للهويات التي اعتمد عليها النظام في احتواء الاحتجاجات، ثم لجوئه لاحقًا للعنف بوصفه نتيجة انحسار هامش المناورة داخل بنية سلطوية إقصائية محدودة الأدوات، الأمر الذي أسفر، عرضيًا، عن إعادة تشكيل الفاعلين وصعود أنماط انقسام اجتماعية أكثر حدة.
من هذا المنظور، يقدم مازور «الأثننة» كمسارٍ تراكميٍّ مزدوج الاتجاه؛ من الأعلى إلى الأسفل عبر سياسات الدولة وآليات القمع وإعادة توزيع الموارد، ومن الأسفل إلى الأعلى حين تجد المجتمعات المحلية نفسها مضطرة للعودة إلى هوياتها الأولية في ظل تفكك الحماية والوساطة الاجتماعية. وبالتالي، لا تظهر الطائفية كقرار سياسي مباشر، بل كنتيجة لتفاعل طويل بين العنف وبنية السلطة وتفكك الشبكات المحلية.
في الوقت ذاته، ورغم تعقيد وتركيب أدوات مازور التحليلية؛ إلا أنه يتعاطى مع النظام الإقصائي الإثني في سوريا كما يصفه كمعطى أولي، أي أنه لا يحاول تفسير نشأة هذا النظام، ويكتفي بإشارة موجزة إلى تشكل النواة الصلبة للسلطة بعد 1970، مع وصول حافظ الأسد وعدد من الضباط ذوي الخلفية العلوية الريفية إلى سدة الحكم. ومن هنا ينصب تركيز مازور على كيفية عمل هذا النظام لاحقًا، متجاهلًا شروط نشأته التاريخية، ناهيك عن وجود الطائفية نفسها كظاهرة اجتماعية، وليس كتفاعل سياسي ظرفي، وهي إحدى الفجوات التي تسعى هذه الدراسة لسدها، عبر ربط نشوء ولاءات ما قبل الدولة الوطنية بتحولات نمط الإنتاج وتآكل الحوامل المادية للمواطنة، بدلًا عن التعامل معها كمعطى سياسي، أو/و أمني–ظرفي جاهز.
بناءً على ما سبق، تطمح هذه الدراسة إلى تجاوز الثنائية السائدة للتيار الجوهراني والأداتي عبر تقديم طريق ثالث لتفسير ولاءات ما قبل الدولة الوطنية؛ إذ تقوم فرضية الدراسة على أن ظاهرة الطائفية السياسية تضمر وتنبعث بدفع من تحولات بنية الاقتصاد السياسي وتفاعلها مع البنى الاجتماعية والسياسية، وهو ما يمثل الإسهام العلمي لهذه الدراسة.
تجدر الإشارة إلى أن تقسيم الدراسة للأدبيات السابقة إلى تيارين رئيسيين لا يُفهم على أنه افتراض بتماثل النتاج العلمي داخل كل تيار، ولا ينطوي على أي حكم تقويمي لقيمتها العلمية؛ إذ إن هذه الدراسات تتضمن تباينات داخلية مهمة وإسهامات نوعية لا يمكن اختزالها ضمن تصنيف واحد. وإنما يأتي هذا التقسيم بوصفه إجراءً تحليليًا يهدف لإبراز الخطوط المنهجية العامة الناظمة لهذه الأدبيات وتسهيل مناقشتها ضمن إطار مقارن، بدلًا من تناول كل دراسة على حدة. كما لا تدّعي هذه الدراسة الإحاطة الشاملة بجميع الأدبيات ذات الصلة، بقدر ما تسعى إلى تمثيل أبرز اتجاهاتها النظرية المرتبطة مباشرة بسؤال البحث.
وفيما تؤكد الدراسة على استفادتها من الأدبيات المذكورة آنفًا، والأدبيات الأخرى المستخدمة في بناء هذه الدراسة، سواء على المستوى المعلوماتي أو التحليلي الجزئي؛ إلا أنها لا تتعامل معها بوصفها أساسًا تراكميًا مباشرًا لبناء الإطار النظري المقترح. فالعلاقة معها ليست علاقة امتداد خطّي، بل علاقة تفكيك وإعادة تركيب تتخذ من بعض أدواتها التحليلية مدخلًا لتأسيس مسار تفسيري مستقل. انطلاقًا من ذلك، لا تُقدم الدراسة نفسها على أنها ثمرة توافق تراكمي داخل الحقل، بل محاولة لوضع إطار نظري مستقل لفهم الظاهرة موضوع الدراسة.
أسئلة البحث
تستهدف الدراسة الإجابة عن سؤال رئيسي: إلى أي مدى يمكن اعتبار الطائفية في سوريا متغير تابع للتحولات في نمط الإنتاج وتوزيع الثروة وتفاعلاتها مع البنى الاجتماعية والسياسية بوصفها متغيرات وسيطة؟ وينبثق عن هذا السؤال أسئلة فرعية حول صعود البرجوازية الوطنية وعلاقات الإنتاج الرأسمالية في ضمور ولاءات ما قبل الدولة الوطنية، والدور المعاكس لصعود رأسمالية المحاسيب وتخلف البنية الاقتصادية السورية في «تذرير» المجتمع وانبعاث علاقات ما قبل الدولة الوطنية.
الإطار النظري والمنهجية
تطرح هذه الدراسة نموذجًا تفسيريًا ينمذج العلاقة بين تحولات البنية الاقتصادية باعتبارها المحرك الرئيسي المؤثر في ظهور وضمور ولاءات ما قبل الدولة الوطنية كظاهرة اجتماعية-سياسية تنتج عن تفاعلات بنى اقتصادية وسياسية والاجتماعية، وعليه اعتمد الباحث على منهج الاقتصاد السياسي التاريخي لرصد العلاقة الجدلية بين تحولات البنية الاقتصادية وتشكلات الوعي الاجتماعي والسياسي. يضع هذا النموذج نمط وبنية الإنتاج الاقتصادي كمتغير مستقل، وبنية الولاء الاجتماعي–السياسي (ضمور أو انبعاث ولاءات ما قبل الدولة الوطنية) بوصفها متغيرًا تابعًا، إذ يفترض النموذج أن ولاءات ما قبل الدولة الوطنية تضمر حينما ينجح نمط الإنتاج في خلق حوامل مادية (برجوازية وطنية، طبقة عاملة منظمة، منظمات سياسية تمثيلية) عابرة لهويات ما قبل الدولة الوطنية، وتجد مصلحتها في المواطنة كإطار قانوني وضرورة اقتصادية. وعلى النقيض من ذلك، فإن انبعاث هذه الولاءات يرتبط طرديًا بتآكل الحوامل المادية الوطنية؛ فمع غياب أو تراجع علاقات الإنتاج الرأسمالية المؤسسية التعاقدية، أو نضوب موارد رأسمالية الدولة (بصرف النظر عن طبيعتها الريعية أم الإنتاجية) القابلة لإعادة التوزيع، لصالح رأسمالية المحاسيب، يتحول انتماء ما قبل الدولة الوطنية إلى قناة لتوزيع الموارد، وتاليًا يتحول هذا الانتماء إلى ولاء سياسي ينتج ولاءات ما قبل الدولة الوطنية باعتبارها ظاهرة اجتماعية–سياسية.
في هذا الصدد، لابد من الإشارة إلى أن موقع المستقل والتابع لهذين المتغيرين ليسا موقعين ثابتين، كما هو الحال أيضًا مع البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ إذ إن النموذج لا يفترض وجود علاقة سبب ونتيجة ثابتةً، بل يفترض وجود حالة تفاعل مستمر، كما يفترض امتلاك هذه المتغيرات لدينامياتها الخاصة مع الوقت، بمعنى أنها تكتسب وجودًا مستقلًا نسبيًا عن المتغيرات الأخرى. بناءً عليه، ترى الدراسة أن البنى الاجتماعية والسياسية والتاريخية (المتغيرات الوسيطة) رغم أنها تمارس دورًا هامًا في تحديد شكل ونوعية وشدة وسرعة هذه الصيرورة؛ إلا أن المحرك الرئيسي يظل كامنًا في تحولات بنى الاقتصاد السياسي.
التعريفات الإجرائية والمفهومية
ولاءات ما قبل الدولة الوطنية: على الصعيد المفهومي، تشير الدراسة إلى أنماط الولاءات السياسية التي تخرج عن إطار الدولة الوطنية، ولا تقتصر على الانتماء الديني أو المذهبي كما في مفهوم الطائفية، بل تتضمن أيضًا الولاء للعشيرة والعائلة الموسعة وسائر ولاءات ما دون الدولة، بوصفها صيغًا بديلة عن الانتماء الوطني. ويُنتقد في هذا السياق حصر الظاهرة في أطر دينية أو إثنية تستدعي مقاربات ثقافية أو عقائدية لا تتسق مع منظور هذه الدراسة. أما على الصعيد الإجرائي، فتُرصد هذه الولاءات من خلال أنماط توزيع الموارد والحماية وفرص العمل عبر الشبكات العائلية والعشائرية والطائفية والمناطقية، سواء داخل مؤسسات الدولة أو خارجها.
رأسمالية المحاسيب: تعتمد الدراسة في تعريفها الإجرائي لرأسمالية المحاسيب على الإطار التحليلي الذي يقدمه نورث ووالِس وينغاست في كتابهما «العنف والأنظمة الاجتماعية»، بتحليل ما يسميانه «أنظمة الوصول المحدود»، التي تُفهم كنمط اقتصادي–سياسي تلجأ فيه السلطة إلى التلاعب السياسي بالاقتصاد لإنشاء مصالح متميزة، إذ توزع الموارد والفرص عبر شبكات الامتياز والولاء الشخصي بدلًا من آليات المنافسة المفتوحة، بما يعكس منطق تقييد الوصول إلى «المنظمات والوسائل الاقتصادية».[12] كما يُستدل بالتحليل الذي قدّمه «ستيجليتز» في كتابه «ثمن التفاوت» لتعزيز هذا التوجه؛ إذ يربط بين ارتفاع انعدام المساواة والتفاوت الطبقي في الولايات المتحدة و«السعي وراء الريع» من خلال عدة ممارسات، من بينها التلاعب بالقوانين للحصول على عقود احتكار أو موارد الدولة بأسعار منخفضة، بوصفها آليات لإعادة توزيع الثروة عبر النفوذ السياسي بدلًا من السوق التنافسية.[13]
ورغم اتفاق معظم الأدبيات السابقة على هذه السمات العامة، فإن الدراسة تتبنى أيضًا مفهوم «رأسمالية المحاسيب المعكوسة»، مستلهمةً في ذلك الطرح الذي قدمه أليمايهو جيدا في دراسته لرأسمالية المحاسيب في أثيوبيا خلال الفترة المعروفة بنموذج الدولة التنموية بين عامي 2000 و2018. بأن ظاهرة رأسمالية المحاسيب لا تقتصر على تحالف السلطة مع رجال أعمال قائمين مسبقًا؛ بل تمتد إلى خلق السلطة ذاتها فاعلين اقتصاديين جدد عبر واجهات مالية وشركات مصطنعة «مثل الشركات المملوكة للحزب أو الأجهزة الأمنية».[14] وفي الحالة السورية، يمكن ملاحظة النموذجان معًا؛ إذ يتجسد النمط التقليدي في علاقات قائمة بين السلطة ورجال أعمال مستقلين نسبيًا، بينما يتمثل النمط المعكوس في صناعة رجال أعمال من داخل بنية السلطة نفسها كواجهة مالية، وهو ما يعكس إعادة تشكيل مباشرة لبنية الاقتصاد عبر النفوذ السياسي.
الحوامل المادية: هي التشكيل التاريخي المستقر لعلاقات الإنتاج وتوزيع الموارد وآليات التوظيف والحماية المجتمعية؛ بما يعزز استدامة أنماط معينة من الولاء الاجتماعي والسياسي، ويحدّ فرص ظهور أنماط أخرى. وهي تُفهم بوصفها شروط الإمكان التي لا تحدد وجود أو غياب أنماط الولاء، بل وتحدد موقعها داخل الحقل الاجتماعي من حيث المركزية أو الهامشية وإمكانية تحولها إلى أنماط منظمة للعلاقات. إجرائيًا، يمكن رصد الحوامل المادية من خلال مجموعة من المؤشرات، أبرزها: مستوى حضور واستقلال المنظمات الممثلة للمصالح الاقتصادية (غرف التجارة والصناعة، النقابات)، وأنماط التمثيل السياسي، ومستوى النشاط المدني (الأحزاب، جمعيات المجتمع المدني)، بوصفها تعبيرات مؤسسية عن بنية علاقات الإنتاج وتوزيع الموارد.
مصادر الدراسة ومؤشرات اختبار فرضيات الدراسة
اعتمدت الدراسة في تحليل تحولات بنية الاقتصاد السوري على مؤشرات التشريعات الاقتصادية، وتحولات أنماط الملكية، والمؤشرات المرتبطة بسوق العمل والتمثيل المؤسسي. ونظرًا لغياب سلاسل زمنية مكتملة قابلة للاختبار الكمي، اعتمد الباحث على تحليل نوعي لبيانات متفرقة تشكل محطات فاصلة في مسار التحول الاقتصادي. وعليه استندت الدراسة إلى مصادر أولية وثانوية، شملت بيانات المكتب المركزي السوري للإحصاء، والتشريعات الرسمية، والتقارير الدولية الصادرة عن جهات رسمية وبحثية، إضافة إلى الأدبيات المتخصصة في تاريخ الاقتصاد السوري، بما في ذلك أعمال منير الحمش وحنا بطاطو، والدراسات الحديثة حول التحولات الاقتصادية المعاصرة في سوريا.
حدود الدراسة
إن النموذج المقترح، ورغم انطلاقه من السياق السوري، إلا أنه يتيح أدوات منهجية قد تجعله قابلًا للتطبيق في دول أخرى مثل لبنان والعراق، مع بقاء إمكانية اختباره موضوعًا للأبحاث المستقبلية. في الوقت نفسه، فإن الدراسة تقف عند حدود الدول النامية، ولا تدّعي صلاحية النموذج خارجها، وعليه فإنها لا تهدف إلى تفسير الحركات العنصرية الحديثة في الغرب بمختلف أشكالها العرقية والدينية والثقافية على سبيل المثال.
تنقسم الدراسة إلى محورين: يتناول الأول صعود العلاقات الرأسمالية في سوريا منتصف القرن التاسع عشر وأثرها في البنى الاجتماعية والسياسية السورية، فيما يركز الثاني على انقطاع مسار تطور العلاقات الرأسمالية في سوريا وصعود رأسمالية المحاسيب ودورها في إعادة انبعاث علاقات ما قبل الدولة الوطنية.
صعود الرأسمالية المدينية وصيرورة ضمور ولاءات ما قبل الدولة الوطنية
شهدت البنى الاقتصادية–الاجتماعية السورية تحولًا كبيرًا في نمط العلاقات المهنية والحرفية في التجارة والصناعة والزراعة؛ إذ تحولت هذه العلاقات من أنماطها التقليدية إلى علاقات رأسمالية، ما ساهم بشكل مباشر في تشكل مجتمع الدولة الوطنية وبنيته السياسية.
تكيف قوى الإنتاج المحلية وصعود العلاقات الرأسمالية
في الربع الثاني من القرن التاسع عشر تعرض الاقتصاد السوري إلى ضغوطات بنيوية كبيرة جراء الانفتاح القسري المتزايد للإمبراطورية العثمانية على الاقتصاد الرأسمالي الأوروبي، والذي شكلت فيه معاهدة بلطة ليمان 1838 محطة تحول أساسية؛ إذ مكّنت البضائع الأوروبية من الدخول إلى السوق السورية بشروط جمركية ميسرة.[15]
حفّز هذا الانفتاح الصناعة الحرفية في سوريا على التكيف. فرغم أن المنتجات السورية كانت تواجه صعوبات كبيرة في منافسة نظيرتها الأوروبية من الناحية السعرية بفضل تفوق قوى الإنتاج الأوروبية على نظيرتها السورية التي كانت ما تزال تعمل وفقًا لأدوات وعلاقات الإنتاج ما قبل الرأسمالية؛ إلا أن الموقع الجغرافي لمدينتي حلب ودمشق على خطوط التجارة الدولية، بالإضافة إلى توفر المواد الأولية وأسواق محلية ومجاورة واسعة، مكنها من التكيف.[16]
وفي مطلع القرن العشرين، تبلورت مؤشرات ولادة صناعة حديثة في سوريا؛ إذ انتقلت الكثير من المنشآت من الطابع الحرفي العائلي الضيق إلى «مينيفكتورا»، وتجمعات صناعية تعمل باستخدام الآلات الميكانيكية، مثل المكابس الهيدروليكية التي أدخلتها البرجوازية السورية لتوطين صناعات إنشائية حديثة منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر.[17] كما شهدت الصناعة السورية تطورًا في صناعة الزيوت باستخدام المكابس الآلية، واستيراد آلات الجاكار ومصانع حديثة مع آلات عاملة على البخار، ومئات الآلات التي تدار بالقوة الكهربائية لإنتاج أقمشة حريرية طبيعية واصطناعية تحاكي الأنسجة الأوروبية.[18] وقد أدى تطور ونمو الصناعة السورية إلى ارتفاع أعداد العاملين في هذا القطاع لقرابة 300 ألف عامل وعاملة في عام 1913.[19]
رغم العوائق التي واجهت البرجوازية السورية الصاعدة إبان حقبة الانتداب الفرنسي، إلا أن ذلك لم يحل دون نموها وتطورها نظرًا لتباين المصالح الاقتصادية بين الطرفين؛ إذ تركزت المصالح الفرنسية على التصدير واحتكار القطاع المالي والبنية التحتية، فيما ركزت البرجوازية السورية نشاطها على السوق المحلية والأسواق المجاورة. إلى جانب إحجام السلطات الفرنسية عن الاصطدام مع البرجوازية السورية؛ بسبب دورها ومكانتها في الحركة الوطنية السورية وقدرتها على التأثير في المجتمع السوري.
خلال العقد الأول من الاستقلال، شهد القطاع الصناعي تحولًا كميًا ونوعيًا، يصفه ف. ب. فيكتوروف بـ«الثورة الصناعية السورية». فبفضل سياسات الحكومات البرجوازية المتعاقبة خلال العقد الأول من الاستقلال، تمكنت الصناعة السورية من إدخال فروع إنتاجية جديدة وتطوير أخرى، مثل صناعة الإسمنت ومواد البناء والزجاج.[20] كما شهدت الصناعة السورية تحولًا جوهريًا في أسلوب نشاطها؛ إذ بدأت الصناعة السورية الحديثة، التي انبثقت قبل قرن من الورش الحرفية المُدارة عائليًا، بالتحول نحو نظام الشركات المساهمة، والتي استقطب بعضها مئات المساهمين وآلاف العاملين والعاملات.[21]
إن تحليل التحول البنيوي للاقتصاد السوري يفيد بأن بنية علاقات الإنتاج في سوريا لم تعد تتماشى مع بنية مجتمع زراعي تقليدي، وهو ما اتضح تدريجيًا في التغييرات المجتمعية والسياسية في سوريا تزامنًا مع تحول البنية الاقتصادية.
التحولات البنيوية في علاقات العمل وتآكل سلطة «شيوخ الكار»
أسفر التطور في بنية وعلاقات الإنتاج في الاقتصاد السوري عن تحول عميق في نمط علاقات العمل؛ إذ أضعف أنماط توارث المهن داخل العائلة واحتكار تعلمها لدى ما عُرف بـ«شيوخ الكار».[22] فقد ساهم التعقيد التقني، الناتج عن انتقال الورش المهنية إلى استخدام الآلات العاملة بالبخار ثم بالطاقة الكهربائية، في جعل المهارة التقنية معيارًا للكفاءة، بدلًا من الصلات العائلية والأهلية والطوائف المهنية. في السياق نفسه، وتزامنًا مع التطور التقني في الصناعة السورية، حدث تطور من نوع آخر لا يقل أهمية، يتمثل في حجم ومساحة العمل الصناعي؛ إذ تحول النشاط الإنتاجي تدريجيًا من ورش حرفية صغيرة إلى نمط المصانع التي استوعبت آلاف العمال القادمين من أحياء وخلفيات اجتماعية مختلفة، حيث انخرط عشرات الآلاف من الوافدين من الأرياف ضمن علاقات الإنتاج الرأسمالية بصورتها البروليتارية.[23]
أسهم التحول في علاقات الإنتاج، من نمط الإنتاج الحرفي الأبوي إلى نمط العلاقات الرأسمالية، في تراجع ارتباط مصالح الفرد بالعائلة الموسعة والعشيرة والارتباطات الطائفية والمناطقية. وتاليًا، ساهم هذا التحول في خلخلة البنى العقلية التقليدية بكل ما تحمله من عادات وتقاليد وعقائد موروثة، وأتاح المجال أمام أشكال جديدة من الانتماء ترتكز على وحدة المصالح الاقتصادية والفكرية، في سياق فرضه العيش المشترك في فضاء المدينة والتصنيع.
أعاد نمط علاقات الإنتاج الناشئ تقسيم العمل، وأوجد فئتين اجتماعيتين جديدتين: البرجوازية الوطنية والطبقة العاملة، اللتان أظهرتا وعيًا طبقيًا متقدمًا، تجلى لدى الأخيرة في تأسيس لعشرات النقابات، وصولًا لتأسيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال عام 1938. نفذت تلك النقابات عددًا من الاحتجاجات والإضرابات للدفاع عن مصالحها وحقوقها.[24] وفي الجانب المقابل، أسست الطبقة البرجوازية الصاعدة الغرف التجارية في دمشق عام 1840، كما أسست غرفًا مماثلة في كل من حلب وحمص وحماة بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين؛ وأصبحت هذه الغرف مسئولة عن حماية المصالح الاقتصادية للطبقة البرجوازية الصاعدة.[25]
أظهرت الطبقة البرجوازية الصاعدة تمايزها عن النخبة الاقطاعية التقليدية، التي كانت مهيمنة سياسيًا واجتماعيًا، من خلال قدرتها على ممارسة الضغط على سلطات الانتداب الفرنسية في العديد من المناسبات، من خلال وجودها في المجلس النيابي والسلطة التنفيذية؛ إذ استطاعت على سبيل المثال الحصول على إعفاءات جمركية لاستيراد المعدات الصناعية عام 1928، وعلى زيادة التعريفة الجمركية على المستوردات النسيجية اليابانية عام 1932.[26]
واصلت البرجوازية السورية النمو على الصعيد السياسي والاجتماعي؛ إذ أضحت القوة الرئيسية المحركة للبرلمان والحكومة بين عامي 1936 و1939.[27] وفي هذا السياق يؤكد جيفري شاد أن البرجوازية الصناعية الناشئة والطبقة العاملة الحضرية أظهرت جميع سمات تطور الطبقة، وأنه لا يمكن اعتبار التصنيع في سوريا ظاهرة ما بعد الاستقلال أو أن «الصناعيين مجرد جزء غير متمايز من طبقة النخبة الأكبر».[28]
يمكن اعتبار النقابات والغرف التجارية والصناعية مؤشرات مبكرة على تمظهر الحوامل المادية لمجتمع الدولة الوطنية؛ لما مثلته من وحدات اقتصادية اجتماعية عابرة لانتماءات ما قبل الدولة الوطنية. ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين توسعت جمعيات المجتمع المدني في سوريا؛ إذ لم تعد تقتصر على المنظمات الاقتصادية، بل نمت داخل المجتمع السوري جمعيات علمية وثقافية وفكرية حتى وصل عددها عام 1947 إلى أكثر من ثلاث وسبعين جمعية إلى جانب عشرات الصحف والمجلات التي تأسست خلال الفترة نفسها.[29] ولقد مارست البرجوازية السورية دور الحاضنة والمؤسسة لهذه التجمعات؛ إذ كان العديد من شخصياتها جزءً من حركة التنوير التي تبنت قيم «المحبة الوطنية» العابرة للانتماءات الدينية والمذهبية.[30]
صعود الفكر الوطني السوري
مع تطور الاقتصادي والمجتمعي في المدن السورية الكبرى، بدأت تتشكل تدريجيًا إرهاصات الفكر السياسي الوطني، متأثرة بالمبادرات الثقافية والتنويرية للرعيل الأول من المفكرين في بلاد الشام.
أفرزت الحركة الاجتماعية الجديدة نتاجها السياسي مع تأسيس جمعية بيروت السرية عام 1875، التي ضمت أعضاءً من مختلف الخلفيات الدينية والطائفية، ودعت صراحة إلى إنهاء الحكم التركي.[31] استمر الفكر السياسي الوطني بالتطور وصولًا إلى تمرده على الإمبراطورية العثمانية، بكل ما تحمله من سردية امتدادها للحكم الإسلامي الذي يقع على رأسه «خليفة المسلمين»، واستبدالها بنظام يحكم باسم الوطنية السورية والقومية العربية، كما تجلت في الحكومة العربية الأولى 1918 والمؤتمر السوري العام 1919، الذي جمع شخصيات سورية ذات خلفيات متنوعة اتفقت على وحدة سوريا واستقلالها ورفض نظام الانتداب.[32]
لم يكن التمرد، الذي قاده بالدرجة الأولى المسلمون السنة ضد الحكم العثماني، المؤشر الوحيد على التحول في القيم الاجتماعية لدى مختلف المكونات الاجتماعية في سوريا؛ فقد أظهرت البرجوازية المسيحية السورية دورًا قياديًا داخل مجتمعها وعلى المستوى الوطني، ومن ذلك قدرتها على الضغط في الانتخابات الكنسية لوصول المرشحين الذين ترغب بهم لكرسي البطريركية.[33]
وفي السويداء التي تعد التجمع الأكبر للطائفة الدرزية في سوريا، ظهر سلطان باشا الأطرش الذي قاد الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي، ونجح في تجاوز السلطات الدينية التقليدية، بمن فيهم مشايخ العقل الأربعة الذين عارضوا ثورته.[34] أما في المجتمع العلوي فقد ظهرت مؤشرات التحول الاجتماعي نحو الوطنية السورية في الثورة التي قادها الشيخ صالح العلي ضد القوات الفرنسية عام 1918، بعد التواصل والتنسيق مع الشخصيات الوطنية في الشمال ودمشق، والتي واجه خلالها عددًا من الزعامات التقليدية العلوية التي كانت تميل لفكرة الانفصال عن سوريا.[35] وهنا يظهر امتداد قوة المدن وأثرها حتى في المناطق الأقل تصنيعًا؛ إذ منحت القوى الوطنية في دمشق وباقي الحواضر السورية سلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي الشرعية السياسية والدعم العسكري، اللذان مكناهما من استقاء شرعية مقاومتهما للانتداب الفرنسي والزعامات التقليدية. ورغم أن التطور الأكثر شمولًا وعمقًا في بنية الاقتصاد السوري تركّز في المدن، وبالأخص حاضرتي سوريا الكبرى: دمشق، وحلب؛ إلا أن علاقات الإنتاج، وتاليًا تأثيرها في العلاقات الاجتماعية قد أثر أيضًا في المناطق الأقل تصنيعًا. يظهر هذا التأثير في بُعدين، أولًا أثر البنية الثقافية في البلاد والتي تشمل جميع مناطقه، وثانيًا تطويع علاقات الإنتاج الريفية ذاتها، أي العلاقة بين الأرياف والحواضر الكبرى، أذ أصبحت الأخيرة نموذجًا للتقدم لأبناء الريف، وهي نقطة جذب لهم للعمل والترقي الاجتماعي والاقتصادي. وهو ما يمكن ملاحظته حتى في الدول الرأسمالية المتقدمة في ذلك الحين، والتي كانت تضم أيضًا مناطق ريفية واسعة، مع ذلك كانت الثقافة المهيمنة هي ثقافة نمط الإنتاج الرأسمالي المسيطر على السلطة والثقافة العامة، وبالتالي يبقى تأثير المناطق الريفية ثقافيًا أقل. وعليه فإن ضمور علاقات ما قبل الدولة الوطنية قد ظهر في عموم مناطق سوريا، وهو ما أظهرته الحركة الوطنية في الساحل والسويداء، وغيرها من المناطق السورية ذات الطابع الريفي.
الانتماء السياسي على أسس اقتصادية
تزامنًا مع الخطوات الحثيثة نحو الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، بدأت الاصطفافات السياسية تتشكل على أسس طبقية وأيديولوجية ومصلحية؛ إذ أدى تراجع الحضور الفرنسي، وصولًا لجلائه عن سوريا عام 1946، إلى تراجع المسألة الوطنية لصالح الصراع على أسس اقتصادية. وكانت البداية المبكرة للصدام حينما خرج قرابة خمسين ألف عامل وعاملة بقيادة الاتحاد الوطني لنقابات العمال في دمشق في أكبر مظاهرة عمالية في تاريخ سوريا وذلك في عام 1945، طالب خلالها المتظاهرون بإصدار قانون للعمل.[36] كما تجلى هذا الصراع في الأحزاب التي تأسست خلال تلك الحقبة؛ إذ انبثق عن الكتلة الوطنية حزب الشعب، والحزب الوطني. فيما أفرزت الطبقة العمالية والفلاحية عدد من الأحزاب، أهمها: الحزب العربي الاشتراكي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الشيوعي.
رغم الأجندات الاقتصادية الطبقية التي مثلتها تلك الأحزاب، وانعكاسها في الانتماء الطبقي لجمهورها وأعضائها؛ إلا أن التيار الجوهراني رأى فيها مجرد أغلفة أيديولوجية لانقسامات ما دون الدولة الوطنية. ويرى نيكولاس فان دام أن الأقليات الدينية في سوريا قد وجدت في حزب البعث، بوصفه حزبًا علمانيًا، فرصة لحمايتهم من توغل السُّنَّة وتخلصهم من هيمنتهم على الحياة السياسية، من خلال نظام سياسي اشتراكي علماني خالٍ من التعصب. ويربط فان دام بين الانتماء الديموغرافي للأقليات للريف السوري وبين انتسابهم لحزب البعث.[37] إن ربط فان دام بين الانتماء الديني والسياسي، في إشارة لوجود علاقة صدامية مستمرة بين المكونات السورية وتحديدًا بين الأقليات المسلمة والأكثرية المسلمة السنية، يخالف حقائق عدة؛ أهمها أن حزب البعث المؤسس عام 1947 كان حزبًا قوميًا عروبيًا يضع في مقدمة مهامه نبذ ولاءات ما قبل الدولة، كما أن أدبياته لم تكن مناهضة للدين، وإنما وضعت الإسلام في مكانة خاصة لارتباطه بالعرب.[38] أي لم يتبن الحزب علمانية صدامية مع الدين، كما لم تكن المسألة الفلاحية في صلب أولوياته المبكرة؛ إذ انحدر معظم قياداته ومنتسبيه من سلك الأساتذة والطلاب، ولم يتجاوز عددهم، حتى عام 1952، أكثر من 4500 عضو.
وقد اكتسب حزب البعث زخمه الجماهيري الواسع بين الفلاحين إثر اندماجه مع الحزب العربي الاشتراكي عام 1952، والذي أسسه أكرم حوراني بطابع فلاحي صرف. وقد تشكلت قيادته منذ نواته الأولى من خلفية سنية إلى جانب عدد أقل من المسيحيين الأرثوذكس، كما انتشر أنصاره بكثافة في أرياف حماة وحلب وإدلب واللاذقية والسويداء؛ مما نفى عنه الصبغة الطائفية. وباختصار كان حزبًا جامعًا بين الفلاحيين السوريين من مختلف الخلفيات الدينية والطائفية، فضلًا عن أن مؤسسه وقائده أكرم الحوراني –الذي كان يحظى بشعبية واسعة– ينتمي للأكثرية السنية، وبالتالي لا يمكن رصد مؤشرات تربط بين أنصار الحزب وقيادته ومبادئه، وبين افتراض توجه الأقليات الدينية لحزب البعث لمخاوفهم من الأكثرية السنية. في المقابل يعزو حنا بطاطو انجذاب الفلاحين للحزب العربي الاشتراكي إلى عدائهم لكبار الملاك ورغبتهم في تملك الأراضي، والذي جعل للحزب جماهيريةً كبيرةً؛ إذ قُدر عدد أنصاره بأكثر من أربعين ألفًا عام 1950.[39]
ومن المؤشرات الجوهرية على هامشية التوجهات العلمانية لحزب البعث، تركيز نشاطه في البرلمان السوري على التشريعات المناصرة لقضايا الفلاحين، كما تجلى في نقاشات الجمعية التأسيسية لدستور 1950؛ إذ لم يتخذ الحزب موقفًا صداميًا حيال التيار المحافظ الذي كان يرغب في وضع مادة في الدستور تنص على أن دين الدولة هو الإسلام، وإنما ركز على المسائل المتعلقة بالإصلاح الزراعي والقومية العربية.[40]
أما الحزب الذي جاهر بمناهضة التيار الإسلامي المحافظ فكان الحزب الوطني، بينما اتخذ حزب الشعب –الذي كان يشكل الأغلبية في البرلمان السوري–موقفًا وسطيًا حيال علاقة الدين بالدولة في الدستور. وفيما يمكن تبرير عدم انجذاب الأقليات للحزبين الوطني والشعب بسبب انتمائهما البرجوازي المديني؛ فإنه من الصعب بمكان تفسير عزوفهم عن الحزب الشيوعي والحزب القومي السوري، رغم صرامتهما العلمانية.[41]
إن إشكالية طرح فان دام، والتيار الجوهراني بشكل عام، تنبع من افتراضهم المسبق بأن الصراع والتنافس السياسي بين الأحزاب والجماعات في سوريا صراع عقائدي في جوهره، وأن تمثيلاته السياسية ليست سوى واجهة لخلافات عقائدية واجتماعية، هي بدورها امتدادًا لصراعات تاريخية بين المكونات السورية. في المقابل، يتيح تحليل الحوامل المادية والبنية الاقتصادية تفسير توجهات وسلوك الأحزاب بشكل أكثر منطقية وواقعية؛ إذ تتوافق مبادئ الأحزاب وخطابها المعلن مع الموقع الاقتصادي لقياداتها وأعضائها ومناصريها، ويبدو أن التوجه الحزبي للفرد في تلك الحقبة كان مرتبطًا أكثر بموقعه الطبقي والاقتصادي وتوجهاته الفكرية، وليس بخلفيته الدينية أو المذهبية.
صعود رأسمالية المحاسيب وإعادة انبعاث ولاءات ما قبل الدولة الوطنية
شهدت البُنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في سوريا تحولات جذرية قوضت أسس العلاقات الرأسمالية والبرجوازية المدنية التي سادت قبل عام 1958، لتحل محلها رأسمالية المحاسيب ونظام حكم استبدادي، مما أفضى إلى تصاعد تدريجي لانتماءات ما قبل الدولة الوطنية على حساب الانتماء الوطني.
انقطاع مسار الحكم البرجوازي المديني
تعرضت البرجوازية الوطنية الحاكمة في سوريا ضغطين مزدوجين؛ تمثل الأول في مساعي الولايات المتحدة وحلفائها لضم سوريا إلى معسكرهم، وهو ما رفضته سلطة دمشق وعرّضها لمحاولة انقلاب خططت لها واشنطن عام 1957. فيما تمثل الضغط الثاني في الخشية من وصول الاشتراكيين إلى الحكم، وما يشكله ذلك من تهديد لمصالح الطبقية البرجوازية السورية، خاصة مع تزايد نفوذهم داخل المؤسسة العسكرية، الأمر الذي كان بمثابة تمهيد لحدوث انقلاب عسكري يطيح بحكمها.[42] كما تصاعدت احتمالات وصول القوى الاشتراكية إلى الحكم عبر الانتخابات البرلمانية، وهو ما تحول إلى تهديد جدي بعد انتخابات عام 1954، والتي نجح فيها البعثيون بزيادة تمثيلهم من مقعد واحد عام 1949 إلى اثنين وعشرين مقعدًا عام 1954، ليصبحوا ثاني أكبر حزب خلف حزب الشعب الذي خسر قرابة خمسة عشر بالمئة من تمثيله في الفترة ذاتها.[43]
هربًا من تلك الاحتمالات، لجأت البرجوازية السورية لمصر طلبًا للوحدة عام 1958، راضية بالشروط المصرية التي جعلت من الوحدة وحدة اندماجية، ألغت البرجوازية السورية بموجبها نفسها وخصومها الطبقيين (الحزب الشيوعي، وحزب البعث) ومعهما الحياة السياسية، في مقابل ضمان موقعها الطبقي في الاقتصاد، الذي سيؤمنه الاستقرار السياسي.[44] في أول سنتين من الاندماج حدث ما تأملته البرجوازية السورية؛ إذ دخلت رؤوس أموال عربية، واستمرت السياسات الحمائية، وتأسس مصرف صناعي عام 1958.[45] ووصلت ذروة مكاسبها عام 1959 بصدور قانون العمل رقم واحد وتسعين، والذي تضمن منع نقابات العمال من ممارسة أي نشاط سياسي أو الإضراب، وهو ما لم تُقدم عليه البرجوازية السورية أيام حكمها لما كان يحمله من مخاطر على شعبيتها واستقرارها السياسي.[46]
نتيجة السياسات المحابية للبرجوازية في بداية الوحدة، دفع الضغط الشعبي المتزايد، ومخاوف سلطة عبد الناصر من تعاظم نفوذ الطبقة الرأسمالية السورية، إلى اتخاذ قرارات التأميم عام 1961 (قوانين تموز الاشتراكية)، التي انتزعت بموجبها ملكية كبرى الشركات والمصارف.[47] ورغم أن حكومة الانفصال (1961-1963) سارعت إلى تعديل هذه القرارات وإعادة الممتلكات، إلا أن انقلاب الثامن من آذار عام 1963 أعاد الصراع إلى واجهة المشهد؛ إذ تبنى حزب البعث في مؤتمره القومي السادس موقفًا جذريًا اعتبر فيه أن «الطبقة البرجوازية عاجزة عن القيام بأي دور إيجابي، وأن انتهازيتها تجعلها مؤهلة لتكون حليفًا للاستعمار الجديد».[48] تبع ذلك سلسلة من القرارات التأميمية بلغت ذروتها عام 1965، والتي أنهت بدورها ملكية القطاع الخاص لكافة المنشآت الاقتصادية الكبيرة، ومنعه من ممارسة العشرات من الأنشطة الصناعية، إلى جانب احتكار القطاع العام للجزء الأكبر من التجارة الداخلية والخارجية.[49]
لم يكن انقلاب البعث مجرد تبديل في شخوص السلطة؛ بل شكّل انقلابًا على النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فسياسيًا ألغى البعث التعددية الحزبية وقوض النظام البرلماني الذي كان سائدًا، أما اقتصاديًا فقد انتقل الثقل الاقتصادي من القطاع الخاص إلى قطاع الدولة التي أصبحت المشغل الأكبر للعمالة، مما أضعف علاقات الإنتاج المستقلة عن الانتماء السياسي، وأضحى النشاط الاقتصادي الرئيسي، بحكم الأمر الواقع، بيد البعثيين، كما اكتسب بعدًا يرتبط بالانتماء السياسي بدلًا من الكفاءة.[50] وعلى الصعيد الاجتماعي أفرزت سيطرة البعث تحولًا في البنية الاجتماعية تتماهى مع التحول الاقتصادي، إذ انتقلت البُنى الاجتماعية والثقافية من بُنى متعددة التوجهات والمشارب، إلى بنى مؤدلجة تقودها سياسات البعث المركزية، التي ذهبت باتجاه الإغلاق والتضييق على مؤسسات المجتمع المدني ونشاطاتها واستبدالها بـ«المنظمات الشعبية»؛ وهي منظومة شمولية مهمتها التعبئة الأيديولوجية لصالح السلطة تمتد من الطفولة وحتى نهاية المرحلة الجامعية، وتطال النقابات المهنية والعمالية.[51]
أقام البعث مشروعية حكمه على عقد اجتماعي استبدادي،[52] قائم على تقديم مكاسب اقتصادية كالتوظيف الحكومي ودعم المواد التموينية والتعليم والصحة، مقابل الإحجام عن المشاركة السياسية. نجحت تلك المعادلة في كسب صغار الفلاحين الذين مثلوا حينها نسبة مرتفعة من السكان،[53] وشكلوا خزانًا للكوادر البشرية للسلطة التي استوعبت طموحاتهم واستغلت شعورهم بالإقصاء في ظل حكم البرجوازية المدينية.
نجح البعث بدايةً في ضبط معادلة العقد الاجتماعي الاستبدادي بفضل عوائد الريع النفطي الذي ازداد بفعل الاكتشافات النفطية وارتفاع أسعاره عقب حرب تشرين 1973، والريع السياسي المتمثل في الدعم المالي الخارجي، بالإضافة للتحويلات المالية للسوريين في الخارج.[54] واستثمارًا لتلك الموارد، عمل البعث على توسيع القطاع العام بشقيه الخدمي والإنتاجي، والذي أمده بشرعية اقتصادية–اجتماعية في الأوساط الفلاحية والفئات الشعبية المهمشة.
في ثمانينات القرن العشرين، تعرضت معادلة العقد الاجتماعي الاستبدادي إلى اختلال كبير؛ فمن جهة تراجعت مصادر الريع بفعل انخفاض أسعار النفط والدعم الخارجي، ومن جهة أخرى أدى الاستبداد وغياب القانون وانعدام المحاسبة إلى تفشي الفساد والسياسات الخاطئة في إدارة القطاع العام الذي تولى إدارته البعثيون على أساس الولاء بدلًا من الكفاءة والجدارة. ومقابل تراجع الموارد، قفزت أعداد السكان من نحو 6.3 مليون نسمة عام 1970 إلى 8.9 مليون نسمة في عام 1980.[55]
أضافت هذه الزيادة السكانية ارتفاعًا في تكاليف الصحة والتعليم والبنى التحتية، ودعم السلع الأساسية، كما تطلبت ضرورة التوسع والنمو في المنشآت الصناعية والخدمية لتغطية الطلب المتزايد على العمل. عند هذه المرحلة، وفي ظل اختلال طرفي المعادلة؛ وصل العقد الاجتماعي الاستبدادي في سوريا إلى حدوده التاريخية، متجسدًا في ركود اقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والفقر وسوء الخدمات الاجتماعية.[56]
أسفر هذا الاختلال عن تحوليين اقتصاديين–اجتماعيين؛ تمثل الأول في بنية الاقتصاد السوري الذي اتخذ فيه نظام الأسد إجراءات انفتاحية على القطاع الخاص محكومة بنمط رأسمالية المحاسيب، والتي ضمنت لحافظ الأسد الولاء السياسي لطبقة رجال الأعمال الصاعدة من الموالين له، أو ممن يعملون واجهة لأعمال عائلة الأسد والمقربين منها.[57] أما التحول الثاني فكان بانكماش الموارد القابلة لإعادة التوزيع، فبعد سنوات من توغل البعث في بنية المجتمع والدولة، تحول قطاع واسع من السوريين إلى بعثيين اسميًا بحكم الضرورة لا الإيمان بالأيديولوجية، إذ تضاعف أعضاء الحزب ثلاث مرات بين عامي 1971 و1974، وثلاث مرات أخرى بين عامي 1981 و1992.[58] وقد نتج عن ذلك تجاوز قدرة البنية الاقتصادية على توزيع المنافع على أساس الولاء السياسي، ناهيك عن توزيعها الاجتماعي العام، أي أن البنية الاجتماعية–السياسية للبعث لم تعد تتماهى مع البنية الاقتصادية؛ إذ تجاوز توسع الحزب إمكانية البنية الاقتصادية على تغذية قنوات توزيع الموارد.
خلق هذا التطور ديناميات جديدة للحصول على المنافع؛ فلم تعد ترتكز على المواطنة أو الانتماء السياسي، بل على انتماءات ما قبل الدولة الوطنية، التي ارتكزت على شبكات العلاقات الطائفية والعشائرية والعائلية المبنية خلال العقدين السابقين. وقد حازت الطائفة العلوية على الحصة الأكبر من تلك الشبكة بسبب انتماء حافظ الأسد وقيادات الصف الأول إليها، وإلى جانبها برز عدد من العائلات والعشائر المقربة من النظام، لتشكل هذه الانتماءات حاجزًا أمنيًا واجتماعيًا للنظام. وبفعل هذه التحولات ارتفعت أعداد العاملين من الطائفة العلوية في الوظائف الحكومية حتى تجاوزت نسبتهم من إجمالي القوى العاملة داخل الطائفة أكثر من 80%، وفقًا لتقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء.[59] كما أن الخلفية الريفية المهمَّشة تاريخيًا لقطاعات واسعة منهم، مقرونةً بضيق فرص الاندماج الاقتصادي خارج مؤسسات الدولة، جعلت ارتباطهم بمنظومة السلطة أحد أهم مسارات الصعود الاجتماعي وتأمين الاستقرار الاقتصادي. وبهذا انزاحت الامتيازات من الانتماء السياسي إلى ولاءات ما قبل الدولة الوطنية التي تحولت إلى رأس مال وظيفي.
وفي هذا الصدد، لابد من التوقف عند أطروحة التيار الأداتي (الأداتية السياسية) التي يمثلها كل من عزمي بشارة وبرهان غليون؛ إذ يرى بشارة أن السلطات تستدعي الطائفية لتحولها إلى ولاء سياسي عبر انتماءات ما قبل الدولة الوطنية بهدف تثبيت نفسها في الحكم، وتظل هذه الطائفية مستترة ولا تظهر صراحةً إلا عند الأزمات، وهو ما حدث مع ثورات الربيع العربي عام 2011.[60] وهو ما يتفق معه غليون، الذي يذهب إلى أبعد من ذلك بوصفه الطائفية «توظيفًا لعلاقات التضامن الطبيعي» في الصراع على السلطة.[61] واعتباره أن حافظ الأسد قد استغل الطائفية، بل وصنع لها هوية خاصة لتكون ركيزة لآلته القمعية.[62]
يتناقض هذا الطرح مع القول بأن الطائفية ظاهرة اجتماعية؛ فالظاهرة الاجتماعية تحتاج إلى شروط لإمكان وجودها، أي البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تسمح بظهورها بوصفها سلوكًا وأفكارًا وقِيمًا تظهر داخل مجتمع ما. فبدون تحقق شروط إمكان وجودها لا يمكن لسلطة ما أن تفرضها من الأعلى، لا سيما وأنه لا يمكن الدفع بخطاب طائفي في الدولة الحديثة، خاصة في الحالة السورية. وبكلمات أخرى، لا يمكن للطائفية أن تظهر بقرار من الأعلى، بل يمكن القول بأن الطائفية توجد بالأعلى أيضًا عندما تتحقق شروط إمكانها؛ فحافظ الأسد وصل إلى السلطة في سوريا بفعل ضمور الطائفية بالذات، وهو ما يشير إليه عزمي بشارة، إذن لماذا كان عليه اللجوء إلى الطائفية ليستمر بالحكم في الوقت الذي من أوصله للسلطة هم رفاقه البعثيين وليس الطائفة التي ينتمي إليها؟ كما أن القول بأن الطائفية «تُستخدم»، يفترض بأنها كظاهرة موجودة مسبقًا ويمكن للسلطة استدعائها في أي وقت تشعر فيه بأزمة تهدد وجودها؛ وتاليًا يصبح التيار الأداتي، في هذه النقطة بالتحديد، أقرب في طرحه إلى التيار الجوهراني، ويصبح الخلاف الرئيسي بينهما فيما إذا كانت الطائفية تُستخدم كأداة سياسية كما يقول التيار الأداتي، أم أن الطائفية تستخدم التنظيمات السياسية في صراعها العقائدي، فيما تبقى شروط الإمكان للظاهرة نفسها مهمشة عند كلا التيارين. ومما يضعف التفسير الأداتي هو استمرار مظاهر الاستقطاب الطائفي في سوريا بعد سقوط النظام، وبين مكونات لم تكن جزءً من حالة الاستقطاب خلال الثورة السورية. فالدروز في محافظة السويداء شاركوا في الاحتجاجات المناهضة لنظام الأسد في السنوات الأخيرة التي سبقت سقوطه، كما مارست المجموعات المحلية المسلحة دورًا في إسقاط النظام خلال معركة ردع العدوان، ومع ذلك لم يمنع هذا من حدوث مجازر واقتتال بين مقاتلين دروز، وعشائر ومقاتلين من الأمن والجيش السوري المنتمين إلى العرب السنة، راح ضحيتها المئات من المدنيين الدروز وأبناء العشائر.[63]
وفي سياق الأداتية–الطبقية؛ يُعرف جوزيف الضاهر الطائفية بأنها «تعبير حداثي، يستمدّ القوة من التناقضات الطبقية والسياسية والاجتماعية، التي نشأت مع دخول مجتمعاتنا في كنف النظام الرأسمالي، تحت إدارة الدول الكولونيالية في أواخر القرن التاسع عشر».[64] إلا أن هذا التعريف يتجاهل أن تشكّل الحالة الوطنية في سوريا قد تزامن تاريخيًا مع الحقبة نفسها، وتواصل خلال فترة الانتداب الفرنسي، رغم سياسات التفكيك التي انتهجتها السلطات الاستعمارية، ومن أبرزها محاولة إنشاء كيانات تتمتع باستقلالية إدارية على أسس طائفية، وهي «دولة الدروز» و«دولة العلويين». رغم ذلك، رفضت قوى وطنية سورية الانخراط في هذه البُنى، وتمسكت بوحدة البلاد، وهو ما يشير إلى أن ولاءات ما قبل الدولة الوطنية لا تُشتق آليًا من لحظة الإدماج في النظام الرأسمالي، بل من كيفية تشكّل البنية الاقتصادية–الاجتماعية داخله، أي من نمط الإنتاج وتوزيع الموارد. وكما في المقاربات الأداتية الأخرى، ينظر الضاهر إلى الطائفية كأداة للهيمنة والسيطرة في سوريا، وأنها من «صُنع» نظام حافظ الأسد، الذي شكلها عبر سياساته وممارساته الطائفية منذ وصوله إلى السلطة على حد وصف الضاهر. وهنا يغيب بُعد أساسي تشير إليه بعض الأدبيات التي حاولت فهم هذه الظاهرة، ومنها تحليل مازور، الذي يشير إلى أن الأنظمة الاستبدادية لا تعمل فقط على تأجيج الطائفية، بل تقمع أيضًا تعبيراتها العلنية، وتسعى في الوقت نفسه إلى التودد لمختلف المكونات الطائفية والمذهبية لضمان الاستقرار. يصعب تفسير هذا التناقض بين القمع والاستيعاب عند حصر الطائفية كأداة بيد السلطة؛ إذ لا ينبغي فهم الطائفية كنتاج سياسات صادرة من سلطة ما، أو معطى مسبق يجري استخدامه، وإنما كجزء من بنية اجتماعية أعاد نمط الإنتاج والاقتصاد السياسي تشكيلها، وتتحرك السلطة وأفراد المجتمع ضمن فلكها. ومن هذا المنظور، لا يمكن افتراض أن حزب البعث قد تشكل على أساس طائفي، أو أنه هنالك لحظة تحول جاءت من سلطته العليا، بل إن الأخيرة ذاتها قد انخرطت في أنماط ولاء ما قبل الدولة الوطنية في سياق صيرورة مرتبطة بتحولات البنية المادية، وأثرها في تمثيلات المعرفة، التي تتفاعل بدورها بمتغيرات وسيطة مرتبطة بالبنية الاجتماعية–الاقتصادية من بين محددات أخرى، تحدد شكلها وشدتها في كل مجال، حسبما يشير تحليل مازور المناطقي؛ فشدة العنف ذي الصبغة الطائفية قد اختلف من منطقة لأخرى إبان سنوات الثورة السورية.[65]
ومن أوجه القصور في المقاربة الأداتية الطبقية التي يقدمها الضاهر، إعادة تفسيره لاستمرار التوترات الطائفية في سوريا بعد سقوط النظام؛ بالقول بأن السلطات الجديدة، المتمثلة في الحكومة الانتقالية الحالية (التي شكلتها قيادات هيئة تحرير الشام)، تستخدم الطائفية »كأداة هيمنة وسيطرة على السكان.. وتقسيم المجتمع»،[66] لكن كيف تستمر هذه الـ«أداة» خارج لحظة التحكم السلطوي؟ هذا الاستمرار يبرهن على تجذر الظاهرة ضمن بنية المجتمع، ويؤكد أن السلطة لا يمكنها إعادة إنتاجها بقدر ما أنها تتشكل ضمنها. وتاليًا، فإن توصيف الطائفية كـ«أداة للهيمنة»، يحجب الشروط التي تجعلها ممكنة ومتغيرة في آن معًا.
تخلف البنية الاقتصادية والفوات التاريخي للاقتصاد السوري
لم يشهد مسار الاقتصاد السوري تحولات جوهرية منذ منتصف الثمانينات، بل إن السياسات التي قادها الأسد الابن عمّقت تخلف البنية الاقتصادية؛ إذ سرّع من السياسات الانفتاحية بإقرار عدد كبير من المراسيم التي دفعت بهذا الاتجاه فيما عُرف بـ «ثورة المراسيم»،[67] والتي ترافقت مع توسع الاحتكار للفروع الإنتاجية والخدمية الرئيسية.
ويمكن تجسيد تعمق تخلف البنية الاقتصادية في عهد الأسد الابن في استمرار حالة الفوات التاريخي للاقتصاد السوري. فرغم ريادة سوريا في الصناعات النسيجية بالنصف الأول من القرن العشرين، واتجاه البنى الصناعية نحو الإنتاج الكبير والشركات المساهمة وتنافس المنتجات البريطانية واليابانية في الجودة؛ فإن الاقتصاد السوري في القرن الواحد والعشرين ظل عالقًا في القطاع النسيجي نفسه، ويعاني من مشكلات بنيوية حادة.[68] فيما انتقل الاقتصاد العالمي من الثورة الصناعية الثانية التي انقطع عنها الاقتصاد السوري بعد انقلاب البعث، إلى الثورة الثالثة (الاتصالات والمعلومات)، وصولًا إلى الثورة الرابعة واقتصاد المعرفة.
هذا الفوات التاريخي لا يقتصر على البنية التقنية فحسب، بل يشمل تخلفًا أعمق في البنى الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالإنتاج والمعرفة؛ فبدلًا من الانتقال التدريجي لأنماط صناعية متقدمة، ظل الاقتصاد السوري أسير بُنى محدودة القيمة المضافة، عاجزة عن توليد ديناميات تراكم رأسمالي حديث، أو إدماج القوى العاملة في مسارات تطوير تكنولوجي يستوعب الارتفاع في أعداد الخريجين، وهو ما جعل التخلف الاقتصادي السوري تخلفًا مركبًا، وتاريخيًا، وبنيويًا.
تجلى تخلف البنية الاقتصادية في طبيعة النشاط السائد؛ إذ شهدت العقود الأخيرة نموًا للأنشطة غير المنتجة، مثل السمسرة والوساطة والبيع الجوال ومعاهد التدريس الخاصة، ويُقدر حجم اقتصاد الظل في سوريا قياسًا بحجم العمالة ودخل الأسرة بين عامي 2006 و2012 بنحو الثلث،[69] وهي أنشطة تعتمد في معظمها على إعادة توزيع الدخل وليس خلقه، وقد ترافق ذلك مع تمركز الجزء الأكبر من النشاط في منشآت صغيرة ومتوسطة، تعمل وفق نمط الملكية الفردية أو العائلية، وتفتقر لمستويات مرتفعة من التنظيم والتكنولوجيا والتراكم.
وعوضًا عن تشكّل قطاع صناعي حديث يستوعب فائض القوة العاملة؛ أعاد الاقتصاد السوري إنتاج بنى تقليدية ترتكز على الورش والمحال العائلية، وهو ما كرّس نمطًا محدود القيمة المضافة، عاجزًا عن إنتاج ديناميات تنموية مستقرة. وبذلك لم يكن تشوّه نمط الإنتاج مجرد نتيجة ظرفية لسياسات خاطئة؛ بل أصبح سمة بنيوية ارتبطت برأسمالية المحاسيب القائمة على الريوع الطبيعية والسياسية، بدلاً من الانتقال إلى اقتصاد متنوع ومواكب للتطور التكنولوجي وأساليب الإنتاج الحديثة.
أسفر تخلف البنية الاقتصادية وتشوه نمط النشاط الإنتاجي عن تراجع حاد في الطلب على الوظائف التي تتطلب خبرات وكفاءات علمية، لا سيما في ظل الطبيعة الاحتكارية لعدد من الفروع الرئيسية في الاقتصاد السوري، كما في قطاع الاتصالات على سبيل المثال. فقد أفضى تحديد الحصص السوقية مسبقًا وغياب المنافسة الجدية، والاعتماد على شبكات المحاسيب، إلى تفريغ الوظائف الإدارية والتشغيلية من مضمونها المهني، مثل المحاسبة والتسويق والإدارة، التي لم تعد تشترط وجود محترفين ذوي خبرة وكفاءة، بقدر ما باتت تخضع لمعايير الولاء والثقة والعلاقات الشخصية.
في هذا السياق، لم تكن شركات مثل سيرياتيل بحاجة فعلية إلى خبرات رفيعة المستوى في الإدارة أو التسويق أو تطوير الخدمات؛ إذ أن غياب المنافسة الحقيقية جعل الابتكار وتحسين الأداء شروطًا غير ضرورية للاستمرار في السوق. وينسحب هذا المنطق على معظم الشركات الكبرى المرتبطة بدائرة السلطة؛ إذ تحولت السوق إلى فضاء مغلق تتحكم فيه علاقات النفوذ بدلًا من قواعد الكفاءة والإنتاجية.[70]
وتؤكد بيانات المكتب المركزي للإحصاء لعام 2010 هذا الواقع؛ إذ تشير إلى أن سبعة بالمئة فقط من العاملين في القطاع الخاص يحملون مؤهلات علمية متوسطة أو جامعية أو عليا، فيما تبلغ نسبتهم في القطاع العام قرابة أربعة وستين بالمئة، يعمل أكثر من سبعين بالمئة منهم في قطاعي الصحة والتعليم،[71] أي في قطاعين تشكل فيهما الشهادة العلمية شرطًا إلزاميًا للتوظيف وممارسة المهنة. وبذلك يتضح أن الاقتصاد السوري، خارج هذين القطاعين، لا ينتج طلبًا حقيقيًا على المعرفة والكفاءة، بل يعيد إنتاج سوق عمل منخفضة المهارة، تدفع غالبية الخريجين إما إلى البطالة، أو العمل في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم وبأجور متدنية.
انتقال معايير التوظيف إلى ولاءات ما قبل الدولة الوطنية
في ظل انسداد المسار المهني للخريجين وضعف الطلب البنيوي على الكفاءات العلمية، فرضت السوق السورية آليات بديلة للتوظيف، تمثلت في تفضيل أصحاب المنشآت والشركات تعيين أشخاص مقربين منهم أو ممن يثقون بهم ضمن شبكة علاقاتهم الاجتماعية، الممتدة من العائلة النووية إلى العشيرة والطائفة والمنطقة، والعلاقات ذات المنفعة المتبادلة. وفي ظل غياب دولة القانون وضعف آليات الرقابة والمحاسبة، أضحت الثقة الشخصية وتقديم المنافع لذوي القربى عاملًا حاسمًا في الحصول على العمل والترقي فيه، على حساب معايير الكفاءة والخبرة والمعرفة.
وبذلك حل منطق ولاءات ما قبل الدولة الوطنية محل منطق السوق القائم على الجدارة والمنافسة والتعاقدية، وانتقلت معايير الحصول على المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي سادت في القطاع العام خلال عهد الأسد الأب إلى مجمل الاقتصاد السوري. فبعدما كانت هذه المعايير منحصرة إلى حد كبير في أجهزة الدولة؛ أصبحت متغلغلة في القطاع الخاص نفسه، بفعل البنية الاقتصادية المشوهة التي أعاد النظام إنتاجها. وفي المحصلة، أضحت ولاءات ما قبل الدولة الوطنية مبدأً ناظمًا للعلاقات الاقتصادية وسوق العمل في سوريا.[72]
نكوص العلاقات الاجتماعية نحو انتماءات ما قبل الدولة الوطنية
انعكست تحولات البنية الاقتصادية على البنية الاجتماعية السورية، إذ غدت انتماءات ما قبل الدولة الوطنية ظاهرة اجتماعية لا يمكن إغفالها. ويمكن ملاحظة أثرها على الصعيد السياسي–الاجتماعي من خلال تراجع دور حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، ومجمل ما كان يُعرف بالمنظمات الشعبية والنقابات وغيرها من المنظمات التي كانت تجمع السوريين على أساس الانتماء الحزبي والمصلحي. فالتراجع الكبير لدور حزب البعث، كمصدر للسلطة والمنافع الاجتماعية–الاقتصادية، أضعف من أهمية حضوره اجتماعيًا، بل إن أمينه العام –حافظ الأسد– نفسه لم يعد يولي الحزب أهمية كبيرة؛ إذ توقف عن حضور اجتماعاته منذ عام 1985 وحتى وفاته عام 2000. ولم يسع الأسد الابن لاستعادة دور الحزب، فتحول إلى هيكل إداري ينظم أدوار المقربين من السلطة في جهاز الدولة.[73]
وعلى صعيد حواضر سوريا الكبرى، فقد تسببت موجات الهجرة الكبيرة من الريف إلى المدن في تشويه الطابع المديني لها؛ إذ أسفرت تلك الموجات، بسبب بنية الاقتصاد السوري، عن ترييف المدن السورية. فالمهاجرون من الأرياف إلى المدن جلبوا علاقاتهم الاجتماعية معهم، حيث اختاروا التوطن على أساس تلك العلاقات؛ إذ تجمع العلويون والدروز بل وحتى العرب السنة القادمون من الأرياف في مناطق محددة داخل المدن مثل المزة 86 وعش الورور(علويون)، وجرمانا (دروز) في دمشق وريفها، والشيخ مقصود والأشرفية (أكراد)، والسيد علي (ماردل) في حلب، وغيرها من المناطق في المدن السورية التي يمكن فيها رصد تركزات جلية للوافدين من الأرياف القريبة والبعيدة، ومن مختلف الطوائف والقوميات، ضمن أحياء محددة.[74]
كما يُلاحظ تصاعد قوة تمثيل زعماء العائلات الكبيرة والعشائر في الأوساط الاجتماعية وفي علاقتهم مع السلطات المحلية، ما يمثل إعادة لإنتاج تمثيل المجتمع من خلال الزعماء والوسطاء المحليين. فبينما شهد منتصف القرن العشرين انحسارًا للتمثيل العشائري نتيجة الانتماء الحزبي للأفراد وتراجع انتماءات ما قبل الدولة الوطنية، والذي اتضح حينها في انخفاض مستوى التمثيل النيابي للعشائر في مجلس الشعب والذي لم يكن يتجاوز سبعة بالمئة في عام 1943؛ فإن هذه النسبة وصلت إلى نحو اثني عشرة بالمئة في عام 2008،[75] أي قرابة الضعف. ورغم أن انتخابات مجلس الشعب في سوريا لا يمكن الاستدلال بها كتعبير عن اختيار شعبي؛ إلا أنها تعكس نكوصًا واضحًا في البنية الاجتماعية السورية من بنية مدنية إلى عودة علاقات ما قبل الدولة الوطنية، لا سيما وأن التمثيل العشائري والعائلي قد وصل حتى إلى مدينة حلب، وهو ما يؤكد امتداد الترييف وانتقال العلاقات العشائرية إلى داخل المدن الكبرى.
إذن فإن تحول البنية الاقتصادية والسياسية في سوريا دفع لإعادة انبعاث ولاءات ما قبل الدولة الوطنية، وتحولها من ممارسات ضيقة أخذة في التراجع، لاسيما في المدن، إلى ظاهرة اجتماعية لا يمكن تجاهل وجودها. فرغم حقيقة أن الخطاب الطائفي، أو مجرد الإشارة إلى وجود خلل ما في هذا الجانب، كان محظورًا في سوريا نتيجة القيود الشديدة التي كان يفرضها نظام الأسد في مجال البحث في القضايا الإشكالية؛ إلا أن هذه المسألة كانت ضمن المسكوت عنه في المجال العام، بينما كانت حاضرةً في نقاشات السوريين في مجالسهم الخاصة، وكانت تعبر عن نفسها حيثما وجدت مجالًا لها. ومن المؤشرات على ذلك ما نقله تحقيق صحفي أجرته صحيفة لوفيغارو عام 2006 عبر فيه علويون عن مخاوفهم من تعرّضهم لعمليات انتقامية من جانب السنة حال سقوط نظام الأسد.[76]
يمكن الاستدلال على وجود أرضية مهيأة لتحول الطائفية من ظاهرة اجتماعية–اقتصادية كامنة إلى فعل سياسي–عسكري، من خلال تتبع عدد من الحوادث التي جرت بين عامي 2000 و2011، إذ تحولت خلافات موضعية أو فردية إلى موجات عنف اتخذت طابعًا طائفيًا أو إثنيًا أو عشائريًا. ففي عام 2000 شهدت محافظة السويداء صدامات بين مجموعات من البدو والدروز أسفرت عن قتلى وجرحى واعتقال عشرات الأشخاص من الطرفين.[77] وفي عام 2004 اندلعت أحداث القامشلي التي بدأت بهتافات متبادلة بين جماهير كردية وعربية خلال مباراة لكرة القدم، قبلما تتطور إلى مواجهات واسعة بين عشائر عربية ومجموعات كردية، وانتهت بسقوط عشرات القتلى والجرحى والمعتقلين، كان معظمهم من الأكراد.[78] كما شهدت مدينة القدموس عام 2005 توترًا وأعمال عنف بين مجموعات علوية وأخرى إسماعيلية، إلى جانب نزاعات عشائرية وعائلية تكررت في الفترة ذاتها.[79]
خاتمة
خلصت هذه الدراسة إلى أن الطائفية في سوريا ليست بقايا تاريخية كامنة، أو مجرد أداة توظيف سلطوي عابر؛ بل ظاهرة اجتماعية–سياسية ترتبط بشروط إمكانها المادية. فقد أظهر التحليل أن صعود الرأسمالية المدينية والبرجوازية الوطنية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين أوجد حوامل مادية عابرة لانتماءات ما قبل الدولة الوطنية ضمن إطار دولة برلمانية تعددية. في المقابل، أدى انقطاع هذا المسار مع الوحدة الاندماجية المصرية–السورية ثم سياسات التأميم والانغلاق البعثية، ولاحقًا تشكل رأسمالية المحاسيب والدولة الريعية الاستبدادية، إلى تآكل تلك الحوامل المادية، وتحول انتماءات ما قبل الدولة الوطنية إلى شبكات توزيع موارد وحماية اجتماعية، بما أعاد إنتاج الطائفية كبنية ناظمة للعلاقات الاقتصادية والسياسية.
وبذلك تقترح الدراسة نموذجًا تفسيريًا يرى أن نمط الإنتاج وتوزيع الثروة يشكلان المحرك البنيوي لتحولات الولاء، فيما تتدخل البُنى السياسية والاجتماعية كمتغيرات وسيطة تحدد شكل هذه التحولات وسرعتها وحدّتها. فالاستقطاب الطائفي، الذي بلغ ذروته منذ عام 2011 وصولًا إلى ما بعد سقوط نظام الأسد، يجب ألا يُفهم بوصفه انقطاعًا مفاجئًا؛ بل تعبيرًا مكثفًا عن مسار طويل من التحول البنيوي وتراجع القيمة الاقتصادية للمواطنة.
تأسيسًا على ذلك، فإن تجاوز الطائفية في سوريا لا يمكن أن يتحقق عبر مقاربات خطابية أو ترتيبات مؤسسية معزولة عن بنيتها المادية، بل يظل مشروطًا بإعادة بناء اقتصاد منتج يولد حوامل اجتماعية عابرة لانتماءات ما قبل الدولة الوطنية، ويعيد الاعتبار للمواطنة بوصفها ضرورة اقتصادية قبل أن تكون قيمة معيارية. وتبقى قابلية هذا النموذج للاختبار المقارن في سياقات عربية أخرى مجالًا مفتوحًا للأبحاث المستقبلية.
إقرار استخدام الذكاء الاصطناعي
لم يستخدم الباحث أيًا من أدوات الذكاء الاصطناعي في كتابة هذه الدراسة أو صياغتها.
[2] أنتونيا روبسون، «تعبئة الهويات الطائفية في الحرب الأهلية السورية» (The Mobilization of Sectarian Identities in the Syrian Civil War)، ترجمة أحمد عيشة (مركز حرمون)، مجلة العلاقات الدولية (2021)، 12-22. تاريخ الاطلاع 10 ديسمبر 2025، https://bit.ly/4trDcuG.
[3] ميشيل سورا، سورية: الدولة المتوحشة (Syrie: l’État de barbarie)، ترجمة أمل سارة ومارك بيالو) الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017).
[4] ليون ت. غولدسميث، دائرة الخوف: العلويون السوريون في الحرب والسلم (Cycle of Fear: Syria’s Alawites in War and Peace)، ترجمة عامر شيخوني، الطبعة الأولى (الدار العربية للعلوم ناشرون، 2016).
[5] نيقولاوس فان دام، الصراع على السلطة في سوريا: الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة 1961–1995 (The Struggle for Power in Syria: Sectarianism, Regionalism and Tribalism in Politics, 1961-1995)، (مكتبة مدبولي، 1995).
[6] عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018).
[7] برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، (دار الطليعة للطباعة والنشر، 1979).
[8] مهدي عامل، في الدولة الطائفية، 1986)؛ دار الفارابي، 2003).
[9] جوزيف ضاهر، «الاقتصاد السياسي في سورية: الديناميكيات النيوليبرالية والاستبدادية،» قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية، العدد 31 (2025)، تاريخ الاطلاع 28 يوليو 2025، https://bit.ly/4czUwX1.
[10] أسماء البنا، «تأسيس المواطنة التعددية في سوريا بعد الأسد: نحو تجاوز الانقسامات الطائفية والهوياتية»، رواق عربي 30، العدد 3 (2025): 33-47، https://doi.org/10.53833/RKVM1102.
[11] كيفين مازور، الثورة في سورية: الهوية، الشبكات، والقمع (Revolution in Syria: Identity, Networks, and Repression) (مطبعة جامعة كامبريدج، 2021)، https://doi.org/10.1017/9781108915274.
[12] دوجلاس نورث، وجون جوزيف واليس، وباري وينغاست، العنف والأنظمة الاجتماعية: إطار مفاهيمي لتفسير التاريخ البشري المسجل (Violence and Social Orders: A Conceptual Framework for Interpreting Recorded Human History)، (مطبعة جامعة كامبريدج، 2009).
[13] جوزيف ستيجلتز، ثمن عدم المساواة: كيف يهدد مجتمعنا المنقسم اليوم مستقبلنا (The Price of Inequality: How Today’s Divided Society Endangers Our Future)، (دبليو. دبليو. نورتون وشركاه، 2012).
[14] أليمايهو جيدا، «رأسمالية المحاسيب من خلال نموذج الدولة التنموية في إثيوبيا: تحديد مظاهرها الرئيسية» (Crony Capitalism Through the “Developmental State” Model of Ethiopia: An Identification of its Main Manifestations)، منتدى البحوث الاقتصادية، ورقة عمل رقم 1634، 2023، تاريخ الاطلاع 5 فبراير 2025، https://bit.ly/3QoKwZg.
[15] ياد ناظم جاسم، «أسس العلاقات التجارية العثمانية–الأوربية 1838–1914»، مجلة روت للعلوم التربوية والاجتماعية 5، العدد 8 (2018): 136، https://doi.org/10.17121/ressjournal.1309.
[16] محمد علي الصالح، إدارة الاقتصاد السوري زمن الانتداب الفرنسي (1918–1946): تأثيراتها فيما بعد الاستقلال (Gestion de l’économie syrienne à l’époque du Mandat français (1918-1946))، (المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، 2020)، 13-40، https://doi.org/10.1163/9789047402695_024.
[17]. أنس صوفان، «نظرة عامة على تصنيع واستيراد بلاط الإسمنت في سوريا ولبنان: دمشق-بيروت، ثمانينيات القرن التاسع عشر–أربعينيات القرن العشرين» (An overview of cement tile manufacturing and importation in Syria and Lebanon: Damascus-Beirut, 1880s-1940s)، العمارة خارج أوروبا (ABE) العدد 8 (2015)، https://doi.org/10.4000/abe.10849.
[18]. جيفري شاد، «المستعمرون، والصناعيون، والسياسيون: الاقتصاد السياسي للتصنيع في سوريا، 1920–1954» (Colonialists, Industrialists, and Politicians: The Political Economy of Industrialization in Syria, 1920–1954)، (أطروحة دكتوراه، جامعة بنسلفانيا، 2001)، 44.
[19] منير الحمش، الاقتصاد السوري في أربعين عامًا: دراسة تحليلية للتطورات الاقتصادية والاجتماعية في سورية (1971–2010)، (منتدى المعارف، 2011)، 284.
[20] ف. ب. فيكتوروف، اقتصاد سورية الحديثة (The Modern Syrian Economy)، ترجمة هشام الدجاني (دار البعث، 1970)، 24-29.
[21] غرفة تجارة حلب، المجموعة الاقتصادية السنوية لغرفة تجارة حلب (المطبعة المارونية، 1947)، 20.
[22] شيخ الكار هو أحد الحرفيين المهرة المشهود لهم بالخبرة والوجاهة الاجتماعية والرسمية، ويُنتخب من قبل كبار الحرفيين وفقًا لتلك المعايير. ويعد شيخ الكار الممثل الأعلى للحرف، إذ تتمثل صلاحياته في إدارة شئون الكار وحماية مصالح الممارسين للحرفة التي يمثلها، ومعاقبة المخالفين لآدابها، وهو المرجع الوحيد لترقية المبتدئ إلى درجة الصناع، والصناع إلى مرتبة المعلم، كما يشرف على ما كان يعرف بطقوس الشد أو تمليح التي تمنح الشرعية لممارسة الحرفة وفتح محال جديدة لها، ويتولى مهمة التواصل مع السلطة الرسمية فيما يختص بشئون الحرفة. انظر: إلياس عبده قدسي، نبذة تاريخية في الحِرَف الدمشقية (1883؛ طبعة مؤسسة هنداوي، 2019)، https://www.hindawi.org/books/97029505/. وللمزيد عن تاريخ شيوخ الكار أنظر إلى عروة خليفة، «شدّ الصانع إلى الحرفة،» الجمهورية.نت، 8 أغسطس 2019، تاريخ الاطلاع 10 أبريل، 2026، https://bit.ly/4mH81J1.
[23] منير الحمش، تطور الاقتصاد السوري الحديث، الطبعة الأولى (دار البعث، 1983)، 268.
[24] جيفري شاد، «نحو تحليل لتشكّل الطبقات في سوريا: الصناعيون والعمال في قطاع النسيج بحلب خلال فترة الانتداب»، في: فرنسا وسوريا ولبنان: غموض وديناميات العلاقة الانتدابية، تحرير نادين ميوشي (مطبوعات المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، 2002)، 300–310.
[25] الإسكوا، «غرفة تجارة دمشق،» (Damascus Chamber of Commerce) تاريخ الاطلاع 6 أبريل 2026، https://archive.unescwa.org/damascus-chamber-commerce؛ التاريخ السوري المعاصر، «غرفة التجارة في حلب،» (Aleppo Chamber of Commerce)، 25 أكتوبر 2018، تاريخ الاطلاع 6 أبريل 2026، https://bit.ly/4c2V5K0؛ التاريخ السوري المعاصر، «غرفة تجارة حمص، (Homs Chamber of Commerce) 24 أكتوبر 2020، تاريخ الاطلاع 6 أبريل 2026، https://bit.ly/4dJ0DdQ؛ التاريخ السوري المعاصر، «غرفة تجارة حماة،» (Hama Chamber of Commerce) 23 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع 6 أبريل 2026، https://bit.ly/3OmGHTH.
[26] الصالح، إدارة الاقتصاد السوري زمن الانتداب الفرنسي، 84-88.
[27] ناهد عبد الكريم، «المجالس النيابية في سورية ودورها في السياسة الداخلية والخارجية (1920- 1943)» (أطروحة ماجستير، جامعة دمشق، 1983)، 247- 249.
[28] شاد، «نحو تحليل لتشكل الطبقات في سوريا»، 312.
[29] لورا رويز دي إلفيرا وتينا زينتل، «نهاية العقد الاجتماعي البعثي في سوريا بشار الأسد،» (The End of the Baʿthist Social Contract in Bashar al-Asad’s Syria) المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط 46، العدد 2 (2014): 333، https://doi.org/10.1017/S0020743814000130.
[30] محمد جمال باروت، حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر (منشورات وزارة الثقافة السورية، 1994)، 31.
[31] جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية(The Arab Awakening)، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، الطبعة الثامنة (دار العلم للملايين، 1987)، 109- 122.
[32] عبد الله حنا، صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعية، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، 69-72.
[33] باروت، حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر، 17-20.
[34] حسن أمين البعيني، دروز سورية ولبنان في عهد الانتداب الفرنسي 1920–1943: دراسة في تاريخهم السياسي، (المركز العربي للأبحاث والتوثيق، 1993)، 161.
[35] عبد اللطيف يونس، تاريخ الثورة العلوية وقائدها الشيخ صالح العلي (مطابع أبي الفداء، 1947)، 8، 60-64.
[36] علي الصالح، إدارة الاقتصاد السوري زمن الانتداب الفرنسي، 166- 167.
[37] فان دام، الصراع على السلطة في سوريا، 47.
[38] محمد حرب فرزات، الحياة الحزبية في سورية: دراسة تاريخية لبعض الأحزاب السياسية في سورية بين عامي 1908–1955، (دار الرواد، 1955)، 235-239.
[39] حنا بطاطو، فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم، ترجمة عبد الله فاضل ورائد النقشبندي، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، 253- 268.
[40] زيدون الزعبي، «الدين والدولة بين التيارات الليبرالية والمحافظة السورية،» مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 2020، 20-26، تاريخ الاطلاع 10 مارس 2025، https://bit.ly/4cnsgIj.
[41] المرجع السابق.
[42] بشير زين العابدين، الجيش والسياسة في سورية 1918–2000، (دار الجابية، 2008)، 255- 288.
[43] علي صالح حمدان حامد، «عودة الحياة البرلمانية في سوريا عام 1954 (دراسة تاريخية)»، مجلة الأدب-جامعة بغداد العدد 142 (2022): 111، https://doi.org/10.31973/aj.v2i142.3805.
[44] فان دام، الصراع على السلطة في سوريا، 55.
[45] الحمش، تطور الاقتصاد السوري الحديث، 282.
[46]. بدر الدين السباعي، المرحلة الانتقالية في سورية في عهد الوحدة 1958–1961، (بيروت: دار ابن خلدون، 1975)، 303.
[47] كارول سوربي، «فترة الانفصال في سوريا 1961 – 1963» (The Separatist Period in Syria, 1961 – 1963)، دراسات آسيوية وأفريقية 18، العدد 2 (2009): 146-147، https://tinyurl.com/yn5pt9k4.
[48]. الحمش، تطور الاقتصاد السوري الحديث، 315- 320.
[49]. المرجع السابق.
[50].بشار نرش، «التشغيل الاجتماعي وثنائية الفساد والإفساد في دولة البعث»، مجلة قلمون 8، العدد 31 (أبريل 2025): 91-94، تاريخ الاطلاع 11 أغسطس 2025، https://bit.ly/41KBgkI.
[51] إلفيرا وزينتل، «نهاية العقد الاجتماعي البعثي»، 333.
[52] يُشار في بعض الأدبيات السياسية إلى هذا النمط من العلاقة بين الدولة والمجتمع بمفهوم «الصفقة السلطوية»، وهو مفهوم مقارب لمفهوم العقد الاجتماعي الاستبدادي.
[53] الحمش، تطور الاقتصاد السوري الحديث، 313.
[54] منير الحمش، الاقتصاد السوري في أربعين عامًا (1971–2010)، الطبعة الأولى (منتدى المعارف، 2011)، 63.
[55] البنك الدولي، «إجمالي السكان – سوريا» (Population, total – Syrian Arab Republic)، تاريخ الاطلاع 15 مايو 2024، https://data.worldbank.org/indicator/SP.POP.TOTL?locations=SY.
[56] ليندا مطر، «تاريخ سوريا الاقتصادي: الطريق الوعر من القومية الاقتصادية إلى النيوليبرالية» (Syria’s Economic History: Bumpy Road from Economic Nationalism to Neoliberalism)، في كتيب أكسفورد لتاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المعاصر، تحرير أمل غزال وجينس هانسن (مطبعة جامعة أكسفورد، 2017)، 4-7، https://doi.org/10.1093/oxfordhb/9780199672530.013.6.
[57] روان خربوطلي، «رأسمالية المحسوبية في سورية: تطور الشبكات الاقتصادية والنخب 1970-2024»، مجلة قلمون 8، العدد 31 (أبريل 2025): 77-80، تاريخ الاطلاع 26 ديسمبر 2025، https://bit.ly/4eySbhy.
[58] بطاطو، فلاحو سورية، 340.
[59] وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، «سورية: تركيز على البلاد،» (Syria: Country Focus) (مكتب منشورات الاتحاد الأوروبي، مارس 2025)، 46، تاريخ الاطلاع 6 أكتوبر 2025، https://www.euaa.europa.eu/coi/syria/2025/country-focus/coi-report-syria-country-focus.
[60] بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، 38.
[61] غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، 28.
[62] موقع صفحات سورية، «كيف بدأت الطائفية في سوريا مع د. برهان غليون»، 17 مارس 2025، تاريخ الاطلاع 20 يوليو 2025، https://bit.ly/4cgQZyo.
[63] مجموعة الأزمات الدولية، استعادة الأمن في سوريا ما بعد الأسد، 18–28.
[64] جوزيف ضاهر، «الطائفية ونظام الأسد في سورية،» مجلة الثورة الدائمة، 29 مارس 2013، تاريخ الاطلاع 10 أبريل 2026، https://revsoc.me/arab-and-international/ltyfy-wnzm-lsd-fy-swry/.
[65] مازور، الثورة في سوريا، 17-30. يوضح مازور في الفصل السادس كيف أن سياسة النظام السوري لم تعتمد فقط على تأجيج «الأثننة» (عبر تصوير الاحتجاجات كتهديد وجودي للأقليات)، بل عمل أيضًا على توظيف شبكات الوساطة المحلية التابعة له في تهدئة المدن والبلدات الثائرة ضمن سياسة «الاستيعاب»، كما يوضح في الفصل السابع كيف أن النظام قمع التعبيرات الهوياتية، لكنه سعى في الوقت نفسه لاستيعاب الرموز الطائفية والوجهاء المحليين ضمن بنيته لضمان الاستقرار.
[66] جوزيف ضاهر، «ما هي استراتيجية هيئة تحرير الشام لتعزيز نفوذها في سورية؟» ترجمة سري أبو المنى، الصفر، 10 شباط 2026، تاريخ الاطلاع 10 أبريل 2026، https://alsifr.org/hts-sstrategy-consolidate-power-over-syria.
[67] محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2011)، 56
[68] فؤاد اللحام، «الصناعات النسيجية السورية.. الواقع والمستقبل»، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، (يوليو 2025)، تاريخ الاطلاع 4 أبريل 2026، https://bit.ly/4vGsfqp.
[69] أسامة نجوم، «اقتصاد الظل في سورية: حجمه، أسبابه، وآثاره»، عمران 1، العدد 3 (2013): 218-225، https://doi.org/10.12816/0000286.
[70] خربوطلي، «رأسمالية المحسوبية في سورية،» 81-84.
[71] المكتب المركزي للإحصاء، «الموقع الرسمي للمكتب المركزي للإحصاء – سوريا»، تاريخ الاطلاع: 18 يوليو 2025، http://cbssyr.sy.
[72] المركز السوري لبحوث السياسات، الأزمة السورية: الجذور والآثار الاقتصادية والاجتماعية (2013)، 8-11، 57-59، تاريخ الاطلاع 17 يونيو 2025، https://bit.ly/4eyAGxY.
[73] بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، 591.
[74] فابريس بالانش، «الطائفية في الحرب الأهلية السورية: دراسة جيوسياسية» (Sectarianism in Syria’s Civil War)، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 5 فبراير 2028)، 32-55، تاريخ الاطلاع 5 يوليو 2025، https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/sectarianism-syrias-civil-war-geopolitical-study.
[75] دوان تشاتي، «البدو في سوريا المعاصرة: استمرار السلطة والسيطرة القبلية» (The Bedouin in Contemporary Syria)، مجلة الشرق الأوسط 64، العدد 1 (2010): 49،https://doi.org/10.3751/64.1.12 .
[76] دار القبس، «استطلاع فرنسي من دمشق العلويون يخافون فقدان السلطة: بشار سيكون عاجزا عن حمايتنا،» 26 يناير 2006، تاريخ الاطلاع 18 مارس 2024، https://shorturl.at/DXHEu.
[77] الجزيرة نت، «تجدد الصدامات بين البدو والدروز في السويداء،» 28 نوفمبر 2000، تاريخ الاطلاع 3 سبتمبر 2025، https://bit.ly/4r2dmLN.
[78] الجزيرة نت، «مقتل 17 كرديًا والمواجهات تزيد الضغوط على دمشق،» 17 مارس 2004، تاريخ الاطلاع 11 نوفمبر 2025، https://bit.ly/46ql8Yk.
[79] بهية مارديني، «استياء من أحداث القدموس السورية،» إيلاف، 15 يوليو 2005، تاريخ الاطلاع 22 نوفمبر 2025، https://elaph.com/Web/Politics/2005/7/76285.htm.
Read this post in:
