رؤى: ماضٍ تكتنفه الظلال، ديناميات التذكر والنسيان في العالم العربي

حمل هذا المقال كبي دي إف

الإشارة المرجعية: شامة، نايل. 2026. «رؤى: ماضٍ تكتنفه الظلال، ديناميات التذكر والنسيان في العالم العربي،» رواق عربي 31 (1): 26-33. https://doi.org/10.53833/VUTN2476.

في أكتوبر عام 2025، أثار الصحفي المصري البارز إبراهيم عيسى جدلًا واسعًا حينما تساءل عن جدوى استحضار حادثة بحر البقر في عصر يُؤمل أن يسوده السلام، حين حصد قصف الطائرات الإسرائيلية لمدرسة ابتدائية في القرية عام 1970 أرواح عشرات التلاميذ، وهو الحدث الذي ترسخ في عمق الوعي الجمعي للمصريين. وحسب عيسى، فإن إحلال السلام يقتضي إدارة المشاعر الوطنية بأسلوب مغاير؛ وتحديدًا عبر نبذ الكراهية وإسدال الستار على الجراح التاريخية، موضحًا: «لا تقولوا: «لا يمكننا نسيان ما اقترفه الإسرائيليون في بحر البقر». ولم لا ننسى؟ هل يعقل هذا؟ ألم ننسَ بالفعل للإنجليز مذابح الخامس والعشرين من يناير عام 1952 ودنشواي».[1]

تتطرق ملاحظات عيسى الاعتراضية، وإن كانت هامشية إلى حد ما، إلى قضايا جوهرية طالما جرى التغافل عنها في الفكر العربي المعاصر؛ ففي ظل المناخ السائد على الفضاء الإلكتروني العربي إثر أحداث الإبادة الجماعية في غزة، ما إن يطرأ ذكر إسرائيل حتى تنغلق أبواب النقاش الموضوعي، وتتلاشى مساحته تلاشيًا مؤسفًا، الأمر الذي يهدر فرصة الحوار البنّاء بشأن مفاهيم محورية كالذاكرة والنسيان والصمت. وقد ازدهر مجال دراسات الذاكرة في حقبتي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بوصفه حقلًا معرفيًا عابرًا للتخصصات، يستمد مفاهيمه ومناهجه من طائفة متنوعة من العلوم، في مقدمتها الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس. ما أفضى إلى اتساع الاهتمام الأكاديمي بطبيعة الذاكرة الجمعية (أو الاجتماعية) والنسيان الجمعي وديناميات عملهما.

وبشكل خاص، تكتسب الذاكرة الجمعية والنسيان الجمعي معًا أهميةً استثنائية، في سياق واقع حقوق الإنسان في العالم العربي، ومن ثَمَّ يستحقّان عنايةً نقدية جادّة؛ إذ إنّ طمس أو تعتيم الماضي يمهد الطريق للإفلات من العقاب، كما يشرعن تكرار الجرائم مستقبلًا. ومن هذا المنطلق، فإن استيعاب ديناميات عمل الذاكرة استيعابًا أعمق من شأنه أن يمنح مجتمع حقوق الإنسان القدرة على صياغة استراتيجيات مناصرة أكثر فاعلية، وتطوير ديناميات المساءلة، وتقليص فرص تكرار انتهاكات الماضي.

الذاكرة الجمعية: حاسمة ولكنها انتقائية

الذاكرة الجمعية هي الذكريات والتصوّرات المشتركة عن الماضي، ونظرًا لأن الحاضر «عابر وزَائِل وعصي على الإمساك»، حسب التعبير البليغ للفيلسوف لويس بوجمان؛[2] فالذاكرة هي ما تستمدّ منه الجماعات الاجتماعية إدراكها لذاتها وللعالم المحيط بها؛ إذ تنسج المجتمعاتُ إحساسها بالاستمرارية الثقافية من خيوط السرديات الجماعية وتصورات العهود السالفة التي تربط الماضي بالحاضر والمستقبل. وحسبما استخلص كيركيغارد ببصيرة ثاقبة، فرغم أن الحياة لا بدّ أن تُعاش بالمضي قدمًا؛ إلا أنّها لا تُفهم سوى بالنظر إلى الوراء.[3] فمن خلال السرديات التاريخية تتمكن الجماعاتُ من تحقيق أمنها الوجودي؛ ذلك الإحساس الراسخ بالذات الذي يقيها وطأة قلق الوجود وغموض المستقبل. ولعلّ أحدًا لم يعبّر عن ذلك أبلغَ من الروائي الفرنسي مارسيل بروست، حين شبّه الذاكرة بخيطٍ يتدلى من السماء لينتشل الروح البشرية من هاوية العدم.[4]

على غرار كثير من مناطق العالم، يسود في العالم العربي اعتقادٌ راسخ بأنّ الذاكرة فضيلةٌ مسلَّمٌ بها، ينبغي استحضارها ورعايتها وتعهّدها والاحتفاء بها.[5] وهو ما يدفع كثيرٌ من العرب، المتشرّبين حرصَ أسلافهم على النصّ والموروث، للحرص ألا يطوي النسيانُ شيئًا من تاريخهم، بقِمَمه ووِهاده، وأمجاده ومآسيه؛ إذ حينها، وفقًا لهذا التصور، بات مصيرهم محتومًا. ولعل ذلك ما عناه جورج سانتايانا في عبارته المشهورة حين قال إنّ «الذين لا يستطيعون تذكّر الماضي محكومٌ عليهم بتكراره».[6] لذا لا يعد مصادفة أن تغدو عبارة نجيب محفوظ الموجزة: «آفة حارتنا النسيان»[7] من أعمقَ التعبيرات استقرارًا في وجدان الأدب العربي الحديث، بل الأحرى بالقول أن الأمة باتت تُحمِّل النسيان وِزرَ تعثّرها الذي لا تكفّ عن رثائه.

بيد أنّ الذاكرة لا تمتثل لضوابط المنطق أو معايير الحقيقة، وما يظنّه الناس علمًا بالماضي لا يُعدّ انعكاسًا دقيقًا له بحال من الأحوال؛ فثمّة ما يُرسخ في الذاكرة الوطنية وهو محض اختلاق أو خيال، وفي المقابل ثمّة ما يستحقّ الذكر فيُنكَر أو يُقزَّم أو يُعبَث بمعناه أو يُطمس طمسًا، حتى يواريه الصمت فلا يُسمع له همس. والأدهى من ذلك أنّ الذاكرة الوطنية قد تُسقط من حسابها مجازرَ برمتها، وكأنّها لم تحدث؛ وليس أدلّ على ذلك مما كشفه استطلاع حديث بأنّ شريحة واسعة من شباب دول غربية عدّة، من بينها ألمانيا، لا تكاد تعرف من الهولوكوست سوى اسمه.[8] ويُشير باحثو الإبادة الجماعية إلى أنّ ذاكرة العالم احتفظت بـ«الإبادات الخمس الكبرى» في القرن العشرين، الأرمنية والهولوكوست وكمبوديا ورواندا والبوسنة، لكنّها في المقابل أسقطت من حسابها إباداتٍ أخرى لا تقلّ بشاعة، فغدا مرتكبوها أشباحًا بلا أثر، أو مثلما صاغها ميلان كونديرا في تعبير بليغ: «مُحيت سجلاتهم من أرشيف التاريخ».[9] بل أن أحد الباحثين، رينيه لومارشان، كرّس كتابًا بأكمله لما سمّاه «إبادات جماعية منسيّة»،[10] وكأنّ مقولة ديغول : «لا شيء يجفّ أسرع من الدماء» تأبى إلّا أن تتحقق عيانًا.

بشكل عام، ثمّة مساران يُفضيان إلى ضياع الذاكرة أو تحريفها: مسارٌ فطري مغروس في طبيعة البشر، وآخر مصنوع تحرّكه المصلحة. ومن المسلم به أنّ الذاكرة تبلى وتتبدّد بطبعها، لدى الفرد والجماعة على حد سواء، وكلّما تقادم العهد خفتت ذكريات الماضي، ومن بينها المؤلم منها، في الوعي الجمعي؛ إذ تُزيحها ذكرياتٌ أقرب عهدًا. وتعكس عبارة «لئلّا ننسى» التي صاغها الشاعر الإنجليزي روديارد كيبلنغ عام 1897، وباتت اليوم مبتذلة من كثرة التكرار، إدراكًا بأنّ تلاشي الذاكرة قدَرٌ لا يُردّ إلّا بمقاومةٍ عنيدة؛ إذ أن الذاكرة، ببساطة، لديها أجَل بيولوجي، وليس هذا بخافٍ على الموروث الإسلامي، الذي أرجع لفظة «الإنسان» إلى أصلَها: النسيان. معتبرًا في هذا التأويل، أن النسيان ليس عارضًا يطرأ على الإنسان، وإنما هو الجذر الذي اشتق منه اسمُه.

في العصر الحديث ذو الوتيرة المتسارعة تشتدّ وطأة هذا الأمر؛ إذ تتقلص فترات الانتباه، وتتبنّى الأجيال الشابّة رؤًى وأولويّات مغايرة حيال أهمية أحداث الماضي، فكل شيء أضحى «جديدًا» في عصر التبدّل المتسارع، بمعنًى لم يُعهد من قبل: كلّ لحظة فريدة، كلّ حدث بلا سابقة، كلّ يوم مقطوع الصلة بأمسه.[11] لذا يسود اعتقادٌ عامّ بأنّ المجتمعات الراكدة تميل إلى التذكّر، بل إنها قد تبلغ حدّ الهوَس بما يسُمّي «تقديس الذاكرة»،[12] فيما تنسى المجتمعاتُ التي تشهد تحولات.

علاوة على ذلك، يبرز الدور المحوري لديناميات السلطة في تشكيل ما يتذكره الناس وما يغفلونه، وما يحبونه وما يمقتونه، ما يبجلونه وما يحتقرونه من أحداث الماضي. وفي هذا السياق، أشار جاك دريدا إلى عدم وجود إمكانية لممارسة السلطة دون الهيمنة على الأرشيف والمدوَّنات، بل والهيمنة على الذاكرة ذاتها.[13] كما تدرك الدول والأنظمة والنخب الحاكمة جيدًا أن الهيمنة، حسبما بيّنها أنطونيو غرامشي، لا ترتكز على الإكراه فحسب؛ بل على القبول أيضًا.[14] وضمن إطار أشمل من القيم والمعاني والمعتقدات والانحيازات والأحكام المسبقة التي تُصاغ لترسيخ هياكل السلطة المهيمنة؛ تُبذل جهود حثيثة لتشكيل الذاكرة المشتركة للشعوب، وغالبًا ما يتسنى ذلك عبر تفكيكها وإعادة بنائها. وبينما يمكن فرض النسيان الجمعي عبر الإنكار والإهمال والعقاب؛ فإنه يمكن فرض التذكر الجمعي باستخدام أسلحة الإقناع الجماهيري، والتي تتضمن عادةً الخطاب التعبوي، وأشكال الإنتاج الثقافي كالشعر والأغاني والأفلام، فضلًا عن المشهديات العامة الاستعراضية، بما في ذلك المتاحف، والنصب التذكارية، واللوحات التذكارية، والمقابر، والاحتفاليات التذكارية. ورغم أن جانبًا كبيرًا من هذه المظاهر يغلب عليه طابع الابتذال، ويغرق في عاطفية مشوهة للواقع؛[15] إلا أنها قد تكون بالغة التأثير، فمن خلال توظيف عناصر المبالغة والتهوين –بل والتمجيد والتعتيم– يمكن لهندسة الذاكرة أن تبلغ حد إضفاء الشرعية على الأساطير ونزعها عن الحقائق؛ في تجلٍ واضح لما أسماه بيير بورديو بالعنف الرمزي.[16] ويوضح جورج أورويل ذروة المدى الذي قد يبلغه هذا الأمر في الأنظمة السلطوية؛ إذ يُمارس قلبٌ شامل للغة يُستبدل فيه بكل حقيقة نقيضها، وفي الوقت نفسه، يتسبب هذا النهج في إحداث حالة من صمت الذاكرة، حتى حيال القضايا الكبرى الشاخصة للعيان التي يستحيل تجاهلها.[17]

وفي العالم العربي، حيثما تستشري السلطوية وتُقيد الحريات، فإن مساعي صناعة النسيان تتفشى، ويمتد ذلك ليشمل فظائع الدولة وتجاوزاتها كافة، بما في ذلك أعمال الإبادة الجماعية. وتُعد عمليات القتل الجماعي للمدنيين في مدينة حماة السورية (عام 1982) وفي الريف الكردي بشمالي العراق (عامي 1987-1988)، والمعروفة باسم «حملة الأنفال»، مثالين ساطعين على ذلك. ولسنوات طوال، أُحيطت كلتا المذبحتين بتعتيم شديد، وقوبلت محاولات كسر حاجز الصمت بعقاب صارم من جانب نظامي دمشق وبغداد على التوالي.[18] علاوة على ذلك، تتعرض الذاكرة الوطنية في الدول العربية لمزيد من التشويه بفعل الدعاية، إن أردنا التلطف في التعبير، أو بفعل الخداع المحض، إن أردنا توخي الدقة. ومن خلال ليّ عنق الحقائق على الطريقة الأورويلية، تُصوَّر انقلابات القصور على أنها ثورات مجيدة، ويتحول المجرمون إلى أنصاف آلهة، ويُوصم المعارضون بالإرهاب، وتُصوَّر الانتفاضات الشعبية على أنها مؤامرات خارجية. كما تتفشى صناعة الأساطير، لتمتد من الأصول السحيقة المُتخيلة للأمة وصولًا إلى العبقرية المصطنعة لقائدها.

بين التذكُّر والنسيان

بغض النظر عن أوجه قصورها، لا مناص من الإقرار بوجود مسوغات قوية تبرر الانحياز للتذكر، فالذاكرة هي حجر الزاوية الذي ترتكز عليه الهوية والقومية. وكما كتب أنطوني سميث، الباحث الرائد في دراسات القومية: «لا هوية بلا ذاكرة، ولا أمة بلا هوية»،[19] إذ يكاد يكون من المستحيل على أي مجتمع المُضي قدمًا نحو مستقبل واعد إذا كان يعاني من فقدان الذاكرة حيال ماضيه. ومن منظور حقوق الإنسان، تُستحضر جرائم الماضي للحيلولة دون تكرارها في المستقبل، والقاعدة التي لا تحتمل التأويل: «عدم التكرار»، فأيّ ضمير يقبل أن يتّخذ طاغيةٌ من نسيان الجرائم رخصةً لارتكاب غيرها، كما فعل هتلر حين تساءل عام 1939 فيما بات أشهر أسئلة القرن وأبشعها: «مَن يتحدّث اليوم عن إبادة الأرمن؟».[20]

علاوة على ذلك، فإنّ الذاكرة مرتبطةٌ في صميمها بمسألة المسئولية الأخلاقية؛ فالأحياء يتكلّمون باسم الضحايا الذين رحلوا، ويُوصلون أصواتهم، ويلاحقون مرتكبي الجرائم سعيًا إلى العدالة، وهو حسب فالتر بنيامين، ما يكفل «إيقاظ الموتى وجبر ما تحطّم».[21] أي إنّ مواراةَ الضحايا الثرى لا تعني مواراةَ قضيّتهم معهم. فليس التذكُّر سوى سبيلًا لإلقاء تَبِعة الدم على أصحابها، سياسيًّا وقانونيًّا، حتى تتحقق العدالةُ. ومتى أُحسِنَ توظيفُ الذاكرة على هذا المنوال، غدت سلاحًا بيد المظلومين، وانقلب الماضي من مَلاذٍ يُحتمى به إلى بوصلةٍ يُهتدى بها. في المقابل، فإنّ النسيان، حينما يجري توظيفه لإدامة إخضاع المقهورين، يصير نقيضًا للعدالة. وتلخيصًا لموقف دعاة التذكُّر، اعتبر المؤرّخ يوسف حاييم يروشالمي أن «رُعبَ النسيان» يفوق بكثيرٍ خطرَ امتلاك فائضٍ ممّا يُتذكَّر.[22]

قبل التسليم المطلق بهذا الرأي حري بنا التريث قليلًا؛ إذ يمكن الدفع بحجة وجيهة وموازية تناصر النسيان. ففي سياق الصراعات التاريخية الممتدة، يتمخض النسيان عن التعافي، وهي سيرورة بالغة الأهمية للحيلولة دون انزلاق الأعمال الانتقامية إلى دوامات لا فكاك منها من سفك الدماء المروع، فمن المؤكد أن حبل الذاكرة الخلاصي الذي عناه مارسيل بروست قد يكون نجاةً للمرء أو وَثاقًا يجذبه إلى ماضيه.[23] لهذا السبب تحديدًا، حظيت فكرة النسيان بتقديرٍ بالغٍ لدى كثيرٍ من الثقافات القديمة. ففي الأساطير الإغريقية، مثلًا، جسّد نهر ليثي النسيانَ، إذ كان يُنظر إلى مياهه المتدفقة باعتبارها تطهر الروح وتجدد الحياة؛[24]  وبلغة العصر: تمضي الحياة قُدُمًا. وقد حظر «مرسوم نانت» الذي أصدره الملك هنري الرابع ملك فرنسا عام 1598، صراحةً، استحضار أي مآسٍ أو انتهاكات ارتُكبت إبان حروب الدين الفرنسية. وعلى المنوال ذاته، تضمنت معاهدة وستفاليا لعام 1648، التي وضعت أوزار حرب الثلاثين عامًا، بندًا يقر بـ«النسيان الأبدي» لكافة الأفعال التي اقترفتها الأطراف المتحاربة. وفي حقبة أحدث، كرس انتقال إسبانيا إلى الديمقراطية في مرحلة ما بعد فرانسيسكو فرانكو ما عُرف بـ«ميثاق النسيان» ضمن قانون للعفو الشامل. وفي سياق مقارب، دعت الناقدة الأدبية الأيرلندية إدنا لونغلي بني وطنها إلى تشييد «نصب تذكاري للنسيان»، ثم نسيان المكان الذي نُصب فيه. ومن رحم هذه الروح، تبلور المفهوم القانوني للعفو العام، والذي يهدف بالأساس لإرساء دعائم المصالحة المجتمعية وترميم أواصر السِّلم.

خلاصة القول، بينما يخدم التذكر غاية العدالة؛ فإن النسيان يخدم مسعى السلام. وقد يضعنا هذا، في ظل ظروف بعينها، أمام مفاضلة عسيرة، لا سيما أن إحلال السلام يمثل في حد ذاته غاية عادلة. ومتى ساد الاعتقاد بأن طي الماضي في النسيان من شأنه تيسير الانتقال نحو نظام سياسي جديد أخلاقي ومستدام، فقد يكون من الحكمة تغليب النسيان على الذاكرة؛ فالمستقبل، في نهاية المطاف، يفوق الماضي أهمية. وعلى أي حال، ينبغي أن يقتصر إعمال العدالة المستمدة من الذاكرة على الأفراد الضالعين بصورة مباشرة في ارتكاب الجرائم، وألا يتسع نطاقها ليتضمن جماعات بأسرها بعد انقضاء ردح من الزمن واستحالة الجناة إلى رفات.

وما من موضعٍ تتجلّى فيه الجدليةُ بين الذاكرة والنسيان أشدَّ تجلّيًا منها في المجتمعات العربية المنقسمة على أسس طائفية أو عرقية، على غرار لبنان وسوريا والعراق. ففي ظل ما تكابده هذه المجتمعات من إرث مثقل بالعنف العرقي الفج والضغائن العميقة، لا يزال العبء الساحق للذاكرة، في نظر الكثيرين، يمثل وقودًا يؤجج أتون الكراهية، بل ويصل إلى حد تبجيلها؛ وهو ما جسدته أبلغ تجسيد، في الحالة السورية، الرواية الآسرة لخالد خليفة بعنوان «مديح الكراهية».[25] وفي غمرة هذه البيئات المسمومة، حيثما يسهل لضحايا الأمس أن يستحيلوا سريعًا إلى جلادي الغد؛ تغدو الذكرياتُ التي تأبى الذبول وبالًا يفوق نفعَها. بينما في المقابل، يفضي النسيان والتجاوز إلى طي صفحة الماضي وتدشين بدايات جديدة. وبهذا المعنى، يقدم النسيان حلًا تطهيريًا من شأنه إخماد جذوة الصراعات العرقية والطائفية المشحونة باستحضار الأحقاد التاريخية، وينطبق هذا الأمر بشكل مباشر على العلاقات بين الجماعات في المجتمعات العربية الخارجة من النزاع، بما في ذلك العلاقة بين السُّنّة والشيعة في العراق، والسُّنّة والعلويين في سوريا، وبين الطوائف المختلفة في لبنان.

علاوة على ذلك، وكما أكد الفلاسفة العرب الإصلاحيون، يمكن القول إن العقلية العربية تميل إلى الارتهان للماضي بدلًا من استشراف المستقبل.[26] وتكمن المعضلة في أن الإفراط في التذكر له ضريبته؛ ألا وهي الوقوع في أسر الماضي، والارتهان لوطأة ذكرياته الجريحة. ومما لا ريب فيه أن الإفراط في التذكر قد يكون شديد الضرر، اجتماعيًا ونفسيًا، شأنه في ذلك شأن الإفراط في النسيان.[27] ومن ثم، فإن معضلة التذكر أو النسيان لا تمثل خيارًا ثنائيًا قطعيًا؛ وإنما هي بالأحرى مسألة بالغة التعقيد تتمحور حول ماهية ومقدار ما ينبغي الاحتفاظ به وما يتعين التخلي عنه.

ماضٍ يُساء تذكره، وحاضرٌ يطويه النسيان

إذا كانت الذاكرة الجمعية تتسم بالانتقائية بفعل ثنائية النسيان التلقائي والقسري، فما هي تضاريس الذاكرة التي تشكلت نتيجة لذلك في العالم العربي؟ يمكن القول إن الذاكرة الجمعية لقطاعات عريضة من الجماهير العربية قد طوت في النسيان أحداثًا كان جديرًا بها أن تُخلد، فيما تشبثت بذكريات عبثية وهدامة. ولعلّ التوظيف السياسي للذكريات الغابرة من لدن الدول، والجهات الفاعلة من غير الدول، والمرجعيات الدينية، بغية إذكاء جذوة الشقاق السُّنّي-الشيعي الضارب في أعماق التاريخ، لا سيّما فيما بعد عام 2011؛ يمثّل تجسيدًا صارخًا لتَبِعات هذه الذاكرة المؤذية. ومن آخر فصول هذه السردية المشحونة بالذاكرة، عرضُ مسلسلٍ تلفزيوني يتناول سيرةَ شخصيةٍ إسلامية خلافية، هي الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، ممّا استجلب موجةً من الاستنكار من جانب المسلمين الشيعة. وبالمثل، فإن الاستحضار المعتاد لغزوة خيبر، التي انتصر فيها المسلمون الأوائل على يهود خيبر، بوصفها أداة للتعبئة ضد إسرائيل، يُعد توجهًا مضللًا ومجافيًا للعدالة. فقد بات التمييز بين إسرائيل من جهة، واليهود أو الديانة اليهودية من جهة أخرى، أمرًا بديهيًا منذ زمن بعيد. وفي هذا الصدد، كشف استطلاع للرأي أجرته جامعتا كاليفورنيا وروتشستر عام 2025 أن واحدًا وثلاثين بالمائة فقط من اليهود الأمريكيين أيدوا الحملة العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة.[28] فيما ندد العديد من المثقفين اليهود حول العالم، ومن ضمنهم قامات بارزة على غرار جوديث باتلر وجوناثان غليزر، بما وصفوه باختطاف إسرائيل للهوية اليهودية.

تتفاقم حدة العلاقات المتوترة مع الغرب تعقيدًا، ولو جزئيًا، جراء استحضار ذكريات الصدامات التاريخية المريرة. ويبرز من بينها استحضار ذكرى سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس (شبه الجزيرة الأيبيرية) إبان العصور الوسطى، وهو حدث تاريخي لا يزال ينبض بالألم في الوجدان العربي. وعلى المنوال ذاته، تشيع اليوم إحالات النخب الدينية والعلمانية، على حد سواء، إلى الحملات الصليبية والصليبيين،[29] رغم غياب هذه المصطلحات عن كتابات المؤرخين المسلمين في العصور الوسطى، الذين آثروا استخدام تسميات أخرى من قبيل «الفرنجة».[30] ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتدّ إلى صلاح الدين، القائد العسكري في القرن الثاني عشر، الذي استعاد القدس من أيدي الصليبيين عام 1187. ولا ريب في أن صدمات الاستعمار وتأسيس دولة إسرائيل قد أذكت جذوة انبعاث هذه الذكريات من جديد، وتتجلى المقاربة بين الماضي والحاضر بوضوح: فضياع فلسطين، شأنه في ذلك شأن سقوط الأندلس، هو صنيعة صليبيين (معاصرين)؛ ولا سبيل لتدارك هذا الخطب إلا بظهور صلاح الدين جديد، وإذ تتشبع هذه الذاكرة بالجراح والآمال، فإنها تغدو بمثابة عزاء، أو رافعة للروح المعنوية، أو درع واقية في مواجهة الحقائق القاسية، فضلًا عن كونها وعدًا بانبعاث انتصارات الماضي، بيد أنها لا تمثل بالضرورة حقيقة تاريخية.

وحتى فيما يخصّ الأحداث القريبة عهدًا، فقد شاب الذاكرةَ الجمعية العربية تناقضاتٌ واسعة النطاق، تعود جزئيًا إلى اختلال التغطية الإعلامية والتوظيف السياسي. فبينما انصبّ الوعي العربي بصورة غير متناسبة على غزة، مستغرقًا في مأساتها؛ كادت كوارث إقليمية أخرى أن تنزوي في مجاهل النسيان، وتُعدّ الحرب الأهلية الوحشية في السودان، التي تمخضت عن أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، إحدى تلك الكوارث.[31] وفي منطقة يصدق عليها وصف «فردوس علماء الأنثروبولوجيا»، تُقصى مظالم الأقليات العرقية والدينية لتُودَعَ غياهبَ النسيانِ في هوامش الذاكرة. فلم يكن لدى الكثيرين في العالم العربي، بما في ذلك العراق، سوى إلمام مبهم بالطائفة اليزيدية، حتى تصدرت الجرائم الوحشية التي اقترفها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بحقهم عناوين الأخبار بين عامي 2014 و2017.[32] كما فاجأت الأغلبية الساحقة في استفتاء 2011، الذي أفضى إلى انفصال جنوب السودان، كثيرًا من العرب؛ نتيجة تغافلهم عن حالة السخط في الجنوب التي غذّت عقودًا من الحرب الأهلية. أمّا مسألة الصحراء الغربية، التي يُحرم شعبها من حقّ تقرير المصير، فيلفّها صمتٌ مُطبق.

في السياق نفسه، ثمة حالات مماثلة من النسيان فيما يتصل بالشئون الداخلية؛ فالاستبداد والانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان في العديد من البلدان العربية إما أن يُغض الطرف عنها، أو يعاد تطبيعها والانحياز للدفاع عنها من لدن بعض الشرائح الاجتماعية. ويُعزى ذلك إلى أن ديمومة الحكم السلطوي، مقترنةً بهيمنته الصارمة على السردية، قد أفضت ببعض المحكومين إلى استبطان منطق حكامهم.[33] تَبَعًا لذلك، وإذعانًا للسلطة وخدمةً لغاياتها، والتي يتصدرها الهاجس الأمني؛ تُهدر حقوق الشعوب بكل يسر باعتبار ذلك جزءً من مجريات الأمور المعتادة. ولا غرو، والحال هذه، أن تُقصى الانتفاضات العربية التي اندلعت عامي 2010 و2011، والتي تمثل أضخم حالة من التعبئة الجماهيرية في التاريخ العربي الحديث، أو تُستلب، أو تُطوى في غياهب النسيان في أغلب الأحيان.

الخلاصة

يمكن استخلاص عددًا من النقاط الجوهرية ممّا سبق. أولًا، بالنظر إلى أنّ الذاكرة الجمعية انتقائية لا شاملة، فإنّها تنطوي على التذكُّر والنسيان معًا. بتعبيرٍ آخر، ثمّة قدرٌ من النسيان ملازمٌ للتذكُّر، والعكس صحيح. فالذاكرة، باختصار، سيرورةُ حفظٍ وإسقاطٍ في آنٍ واحد. ثانيًا، ليست الذاكرة الجمعية ثابتة ولا موحّدة كما يُتصوَّر عادةً، كما أنّها ليست استرجاعًا مباشرًا لأحداث الماضي. بل إنّ الماضي يخضع لسيرورات متواصلة من التفكيك وإعادة البناء والتحوير والاستبدال، تخدم في معظمها حاجات الحاضر ومصالحه. وعلى هذا، يغدو الماضي، إن جاز التعبير، غيرَ قابلٍ للتنبّؤ. ثالثًا، إنّ قابلية الذاكرة الجمعية للتلاعب وإضفاء طابع أسطوري عليها، وما تتّسم به من انتقائية وتنميق متأصّلَين، توفّر أرضية كافية للتشكيك والتمحيص. وإنّ استشعار زيف الذاكرة الرسمية ينبغي أن يكون حافزًا لانبثاق «الذكريات المضادّة»[34] للشعوب، أو «ذاكراتها الدفينة».[35] صحيحٌ أنّ الذاكرة بناءٌ اجتماعي يتشكّل عبر وسائط من البُنى الجمعية الأخرى، كاللغة والقيم الاجتماعية؛ غير أنّه متى ما خلت مضامينها من المصداقية، لزم العقولَ الحرّة أن تتصدّى لها وتجابهها. وفي هذا السياق، فإنّ قدرة شبكة الإنترنت على إماطة اللثام عن ذكريات ظلّت محجوبة حتى وقتنا هذا، من شأنها أن تسدّ بعضًا ممّا وصفته هانا آرندت بـ«ثقوب النسيان».[36]

يترتّب على ذلك أنّ الذاكرة، إذ تنتقل من جيلٍ إلى آخر وتخضع طوال هذا المسار لهندسةٍ رسمية، ليست «ذاكرة» بالمعنى الدقيق للمصطلح؛ بل إنّ إعادة كتابة الذاكرة هي في جوهرها إعادة هيكلة للمستقبل. وللأسباب ذاتها، فإنّ الذاكرة، وإن تزيّنت في كثيرٍ من الأحيان بوصفها حقيقة تاريخية، ليست مرادفة للتاريخ، ولا ينبغي لها أن تحلّ محلّه. فبينما يسعى التاريخ إلى أن يكون حقلًا معرفيًّا موضوعيًّا قائمًا على الأدلّة؛ تظلّ الذاكرة ذاتية وعابرة، وغالبًا ما تكون ملفّقة وقابلة للتلاعب، وبشكل موجز: لا–تاريخية. وعليه، فإنّ الذكريات الأسطورية قد تتبدّد في ضوء التحقيق التاريخي. ومما لا شك فيه أنه في خضم مصفوفة الحقيقة والتاريخ والذاكرة، تتبوأ الحقيقة مكان الصدارة؛ فما أشرقت شمس قط على قضية أعظم شأنًا من الجهر بالحقيقة، على حد التعبير البليغ لتوماس بين. وسعيًا وراء هذه الحقيقة، يُبيّن لنا التاريخ أنّ الذكريات الوطنية لا ينبغي أن تُقدَّس، ولا أن يُعتقد أنّها لا تتضمّن سوى الأمجاد والمآثر؛ فالنظر في مرآة أيّ أمّة من منظور التاريخ العلمي الرصين يكشف عن مآثرها ومخازيها على حد سواء.

وأخيرًا، ومن المنظور الخاص للشعوب العربية، إذا ما سلمنا بفرضية «لا هوية بلا ذاكرة، ولا أمة بلا هوية»، فإننا سنقف إزاء تساؤل حتمي: أي نوع من الأمم نطمح، نحن العرب، إلى تشييده؟ أهي أنظمة ديمقراطية قوامها الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية، أم أنظمة سلطوية ترزح تحت وطأة واقع بائس وذكريات مشوهة؟ وإذا ما أردنا درء العمى الأخلاقي، فحري بنا الانحياز للخيار الأول. وعلى أي حال، يتحتم علينا دومًا تذكر ما من شأنه تحرير الشعوب، ونسيان ما يكرس استعبادها. سيُشرق مستقبلٌ أفضل حين يُدرك الناس أنّ الذكريات الرسمية ليست حقائق تاريخية؛ وأنّ حقوق الإنسان لا يُستغنى عنها ولا تقبل المساومة؛ وأنّ ملاحقة الجرائم لا تسقط بالتقادم؛ وَقَدْ تَقْتَضِي الحِكْمَة حينًا أَنْ تَتَذَكَّرَ كَيْفَ تَنْسَى.

إقرار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي

لم تُستخدم أي من أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد النصوص في أية مرحلة من مراحل كتابة هذا المقال. وقد اقتصر استخدام نموذج «تشات جي بي تي» على تدقيق المعلومات، واقتراح المصادر، والبحث عن معرّف الأغراض الرقمي.

هذا المقال كتب في الأصل باللغة الانجليزية لرواق عربي.

[1] ابراهيم عيسى، «خطة ترامب وحماس،» يوتيوب، أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع 3 فبراير 2026، الدقيقة 10:40-12:12، https://youtu.be/NAm0T7Rongc?si=gXD-0PpWiDbdY8iA.
[2] لويس بوجمان، ماذا يمكننا أن نعرف؟ مدخل إلى نظرية المعرفةWhat Can We Know? An Introduction to the Theory of) Knowledge)، (وادزورث سنغاج ليرنينغ، 2001)، 231.
[3] سورين كيركيغارد، يوميات سورين كيركيغارد وأوراقه (Søren Kierkegaard’s Journals and Papers)، المجلد الأول، تحرير وترجمة هاوارد هونغ وإدنا هونغ (مطبعة جامعة إنديانا، 1967)، المدخل 1030.
[4] مارسيل بروست، طريق سوان(Swann’s Way) ، ترجمة سي. كيه. سكوت مونكريف وتيرنس كيلمارتن، مراجعة دي. جيه. إنرايت (مودرن لايبراري، 1992)، 6.
[5] انظر مثلًا: إدوارد سعيد، «الاختراع والذاكرة والمكان،» (Invention, Memory, and Place) كريتيكال إنكوايري 26، العدد 2 (2000): 175-192، تاريخ الاطلاع 31 يناير 2026، https://doi.org/10.1086/448963.
[6] جورج سانتايانا، حياة العقل (The Life of Reason)، (1905؛ أُعيدت طباعته: بلاكماسك أونلاين، 2004)، 92.
[7] نجيب محفوظ، أولاد حارتنا، (مؤسسة هنداوي، 2017)، تاريخ الاطلاع 30 يناير 2026، https://www.hindawi.org/books/94868139/.
[8] مؤتمر المطالبات المادية اليهودية ضدّ ألمانيا، «مسح الهولوكوست عبر الدول: أبرز نتائج البحث،» (Cross-Country Holocaust Survey: Research Key Findings)، مؤتمر المطالبات، يناير 2025، تاريخ الاطلاع 1 فبراير 2026، https://www.claimscon.org/wp-content/uploads/2025/01/Claims-Conference-Research-Insights-01.09.25.pdf.
[9] رينيه لومارشان، «المقدّمة،» في إبادات جماعية منسيّة: النسيان والإنكار والذاكرة (Forgotten Genocides: Oblivion, Denial, and Memory)، تحرير رينيه لومارشان (مطبعة جامعة بنسلفانيا، 2011)، 2، https://doi.org/10.9783/9780812204384؛ وميلان كونديرا، كتاب الضحك والنسيان (The Book of Laughter and Forgetting)، ترجمة مايكل هنري هايم (ألفرد إيه. كنوبف، 1980)، 4.
[10] رينيه لومارشان (المحرر)، إبادات جماعية منسيّة: النسيان والإنكار والذاكرة. انظر أيضًا في السياق ذاته: إيريس تشانغ، اغتصاب نانكينغ: هولوكوست الحرب العالمية الثانية المنسيّ (The Rape of Nanking: The Forgotten Holocaust of World War II)، (بيسك بوكس، 1997).
[11] راينهارت كوزيلك، الماضي المستقبلي: في دلالات الزمن التاريخي (Futures Past: On the Semantics of Historical Time)، ترجمة كيث ترايب (مطبعة معهد إم آي تي، 1985).
[12] استُخدم هذا التعبير للمرة الأولى من جانب المؤرّخ البلغاري-الفرنسي تزفيتان تودوروف في كتابه الصادر عام 1995 بعنوان إساءات استخدام الذاكرة  .(Les abus de la mémoire)
[13] جاك دريدا، حمى الأرشيف: انطباع فرويدي (Archive Fever: A Freudian Impression)، ترجمة إريك برينوفيتز (مطبعة جامعة شيكاغو، 1996)، 4.
[14] أنطونيو غرامشي، مختارات من دفاتر السجن (Selections from the Prison Notebooks)، تحرير وترجمة كوينتين هور وجيفري نويل سميث (إنترناشونال بابلشرز، 1971).
[15] أفيشاي مارغاليت، أخلاقيات الذاكرة (The Ethics of Memory)، (مطبعة جامعة هارفارد، 2002)، 62.
[16] بيير بورديو، مخطط لنظرية الممارسة (Outline of a Theory of Practice)، ترجمة ريتشارد نايس (مطبعة جامعة كامبريدج، 1977).
[17] لا يقتصر تسييس الذاكرة على الأنظمة السلطوية فحسب، بل يمتد ليتضمن الديمقراطيات الراسخة أيضًا، وعلى سبيل المثال لا الحصر، احتفت الذاكرة الوطنية الفرنسية للحرب العالمية الثانية لسنوات طوال بالمقاومة الباسلة للاحتلال الألماني، بيد أنها غضت الطرف عن روايات التواطؤ المحلي مع النازيين في ظل حكومة فيشي، ولم يبدأ هذا الموقف في التبدل إلا مع صدور النسخة الفرنسية من الكتاب الرائد لروبرت باكستون، فرنسا فيشي: الحرس القديم والنظام الجديد، 1940-1944 (Vichy France: Old Guard and New Order, 1940–1944).
[18] للتفاصيل، انظر: سلوى إسماعيل، «ذكريات العنف: حماة 1982،» (Memories of Violence: Hama 1982) في حكم العنف: سطوة العنف: تشكُّل الذات والذاكرة والحُكم في سوريا (The Rule of Violence: Subjectivity, Memory and Government in Syria) (مطبعة جامعة كامبريدج، 2018)، 131-158، https://doi.org/10.1017/9781139424721.005؛ آنا كريستينا شايتر، «الكتابة من أجل العدالة؟ الأدب كوسيلة للتصالح مع الماضي: حالة مجزرة حماة 1982،»(Writing for Justice? Literature as a Means of Reconciling with      the Past: The Case of the 1982 Hama Massacre)   رواق عربي 30، العدد 3 (2025): 22-37، https://doi.org/10.53833/MELQ4105؛ تشومان هاردي، «حملة الأنفال ضد الأكراد: الأسلحة الكيميائية في خدمة القتل الجماعي،» (The Anfal Campaign against the Kurds: Chemical Weapons in the Service of Mass Murder) في الإبادات الجماعية المنسية: النسيان والإنكار والذاكرة، تحرير رينيه ليمارشان (مطبعة جامعة بنسلفانيا، 2011)، 106-122.
[19] أنطوني دي. سميث، «الأصول العرقية للأمم،»  (The Ethnic Origins of Nations) (دار بلاكويل للنشر، 1986)، 383.
[20] نقلًا عن نورمان نايمارك، «الإبادة الجماعية: تاريخ عالمي،» (Genocide: A World History) (مطبعة جامعة أكسفورد، 2017)، 76.
[21] فالتر بنيامين، «أطروحات في فلسفة التاريخ،» (Theses on the Philosophy of History)  في إشراقات: مقالات وتأملات (Illuminations: Essays and Reflections)، تحرير هانا آرندت (دار شوكن، 2007)، 257.
[22] يوسف حاييم يروشالمي، «زاخور: التاريخ اليهودي والذاكرة اليهودية،» (Zakhor: Jewish History and Jewish Memory)  (مطبعة جامعة واشنطن، 1996)، 116-117.
[23] برادفورد فيفيان، «هانا آرندت وتوماس بين: رفيقان في التذكر والنسيان والبدء من جديد،»  (Hannah Arendt and Thomas Paine: Companions in Remembering, Forgetting and Beginning Again)في دليل آشجيت البحثي لدراسات الذاكرة (The Ashgate Research Companion to Memory Studies)، تحرير سيوبهان كاتاغو (آشجيت، 2015)، 235، https://doi.org/10.4324/9781315613208-20.
[24] سيندي ميناروفا-بانجاك، «الذاكرة الجمعية والنسيان: مناقشة نظرية،» (Collective Memory and Forgetting: A Theoretical Discussion)مركز الدراسات الثقافية والاقتصادية للشرق والغرب (جامعة بوند) 2، العدد 16 (2018): 22-23، تاريخ الاطلاع 3 نوفمبر 2025، https://pure.bond.edu.au/ws/portalfiles/portal/28738360/Collective_Memory_and_Forgetting.pdf.
[25] خالد خليفة، «مديح الكراهية»، ترجمة ليري برايس (دار دابلداي، 2012).
[26] لتناول موسع، انظر: هشام جعيط، أوروبا والإسلام  (Europe and Islam)، ترجمة بيتر هاينيغ (مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1985)، 143-167؛ ومحمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي: النص والتراث وبناء الحداثة في العالم العربي، The Formation of Arab Reason: Text )  Tradition and the Construction of Modernity in the Arab World)  ترجمة مركز دراسات الوحدة العربية (آي. بي. توريس، 2011)، 30-38.
[27] يمكن أن يؤدي كل من فقدان الذاكرة وفرط الاستذكار، وهي حالة تتمثل في امتلاك ذاكرة حية ومفصلة على نحو استثنائي، إلى أعباء نفسية كالإرهاق الذهني والضيق. انظر: أندرو بابانيكولاو، حالات فقدان الذاكرة: كتاب منهجي سريري لاضطرابات الذاكرة (The Amnesias: A Clinical Textbook of Memory Disorders)، (مطبعة جامعة أكسفورد، 2005)؛ وإليزابيث باركر ولاري كاهيل وجيمس ماكجاو، «حالة من التذكر غير المعتاد للسيرة الذاتية،» (A Case of Unusual Autobiographical Remembering)، نيوروكيس 12، العدد 1 (2006): 35-49، https://doi.org/10.1080/13554790500473680.
[28] دانيال إديلسون، «استطلاع: ثلث اليهود الأمريكيين فقط يدعمون حرب إسرائيل في غزة،» (Only a Third of US Jews Support Israel’s War in Gaza, Survey Shows) واي نت نيوز، 18 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع 19 نوفمبر 2025، https://www.ynetnews.com/article/bk9azbyoxe.
[29] لم تقتصر الإحالات إلى الصليبيين على أمثال أسامة بن لادن فحسب، بل امتدت لتشمل شعراء علمانيين. انظر على سبيل المثال: أسامة بن لادن، «إعلان الجهاد على اليهود والصليبيين،» (Declaration of Jihad against Jews and Crusaders) في نظرية وممارسة الإرهاب الإسلامي: مقتطفات (The Theory and Practice of Islamic Terrorism: An Anthology)، تحرير مارفين بيري وهوارد نيغرين (بالغريف ماكميلان، 2008)، 41-47؛ وتميم البرغوثي، «تميم البرغوثي: الحروب الصليبية،» يوتيوب، يوليو 2019، تاريخ الاطلاع 1 فبراير 2026، https://youtu.be/Yu69BAqDwVE?si=Saiayov0KMpB_0.
[30] لاحظ أحد أبرز رواد دراسات الذاكرة أنه، اعتبارًا من القرن التاسع عشر فقط، «اتخذت مجموعة متنامية من الكتابات التاريخية العربية من الحروب الصليبية موضوعًا لها»، بول كونيرتون، «كيف تتذكر المجتمعات،» (How Societies Remember)  (مطبعة جامعة كامبريدج، 1989)، 15.
[31] مركز رصد النزوح الداخلي، السودان: تفاقم أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم (Sudan – The World’s Largest Internal Displacement Deepens (جنيف: مركز رصد النزوح الداخلي، 2025)، تاريخ الاطلاع 2 ديسمبر 2025، https://www.internal-displacement.org/spotlights/sudan-the-world-s-largest-internal-displacement-crisis-deepens/.
[32] ويليام جورلاي، «الصور المنسية ليزيدي العراق،» (The Forgotten Photographs of Iraq’s Yazidis)  مجلة نيو لاينز، 7 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع 29 يناير 2026، https://newlinesmag.com/essays/the-forgotten-photographs-of-iraqs-yazidis/.
[33] لمزيد من التفصيل حول هذه الديناميات، انظر: ستيفن لوكس، القوة: رؤية راديكالية (Power: A Radical View) (ماكميلان، 1974).
[34] ميشيل فوكو، اللغة، الذاكرة المضادة، الممارسة: مقالات ومقابلات مختارة (Language, Counter-Memory, Practice: Selected Essays and Interviews)، ترجمة دونالد بوشار وشيري سيمون (مطبعة جامعة كورنيل، 1977).
[35] مايكل بولاك، «الذاكرة، النسيان، الصمت،» (Mémoire, oubli, silence) في هوية جريحة: دراسات في علم الاجتماع والتاريخ (Une identité blessée: études de sociologie et d’historie)  (دار ميتايلي، 1993)، 15-39.
[36] هانا آرندت، أصول الشمولية (The Origins of Totalitarianism) (ميريديان بوكس، 1962)، 434.

Read this post in: English

Exit mobile version