الإشارة المرجعية: عمر، نور. 2026. «رؤى: دور التصوير الفوتوغرافي في إلهام الحراك الحقوقي أو كبحه في المشرق،» رواق عربي 31 (3): 5-17. https://doi.org/10.53833/BCBM9363.
جسّدت المنحوتات الحجرية الآشورية البارزة في قصور نينوى، تلك المدينة الأثرية في العراق المعاصر، الفتوحات العسكرية في مشهد استعراضي؛ إذ صوّرت وقائع الحصار، والتهجير القسري، وما كابدته الشعوب المهزومة من مآسٍ. ومن ثم، عُدّت تلك المشاهد، التي تعود إلى ما يربو على ألفين وسبعمائة عام، بمثابة سجل عام خالد.[1] وبوصفها أداة دعائية، لم تكتف الصور المنقوشة استعراض العنف فحسب؛ بل سعت كذلك لجعله مفهومًا. وقد ظل دور الفنون في سياق العنف راسخًا؛ إذ تقتنص منه اللحظات التاريخية ذات الدلالة لتصوغ منها ذاكرة بصرية مشتركة. وفي المشرق المعاصر، يُوظف المنطق ذاته؛ إذ حلّت عدسات الكاميرات محل الأزاميل، وحلّت البصمات الرقمية محل جدران القصور. بيد أن التقاط العنف وانتهاكاته السافرة لحقوق الإنسان يترك المشاهد أمام أسئلة عالقة: ماذا تعني رؤية العنف؟ ومن الذي يُعترف به كضحية، أو من ذا الذي يُعد جديرًا بالرثاء؟ وما الالتزامات التي تنشأ، أو التي يتم التملص منها، من خلال فعل المشاهدة؟
في العصر الحديث، تُغرق صور العنف منصات التواصل الاجتماعي والصفحات الرئيسية لغرف الأخبار، الأمر الذي يحمل المشاهدين على تقبلها والاعتياد عليها. وقد أفرز هذا الحضور الطاغي مفارقة: ففيما تخترق بعض الصور الوعي الجمعي وتؤسس مرجعيات أخلاقية؛ تتحول صور أخرى –في أفضل الأحوال– إلى أمر مألوف للوجدان البشري. ويُعد تشكيل السردية، أو غيابه، عبر منصات التواصل الاجتماعي أمرًا أساسيًا لفهم العنف من خلال الصور. وفي المشرق، نظرًا لتاريخه المثقل بالعنف، نطالع صورًا تكثف العنف غير الضروري والظلم البنيوي في وجه إنساني واحد، أو حتى في لحظة عصية على الاختزال، فيما تُهوّن صور أخرى من وطأة الفظائع من خلال المحتوى المتكرر؛ الأمر الذي يُحيل الألم بصورة فعلية إلى مشهد استهلاكي مجرد من المشاعر.
ومن هذا المنطلق، يضطلع التصوير الفوتوغرافي بدور بالغ الأهمية، ليس فقط لقدرته على تجسيد العنف، بل أيضًا لكونه يوفر مساحة فاصلة بين التعبئة والاستنزاف المجتمعي، والتعاطف والتبلّد، والبرهنة والتلصص. تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في النزاعات المستمرة في غزة ولبنان وسوريا ما بعد الأسد؛ إذ يتجاوز التصوير الفوتوغرافي النزعة العاطفية، ويصوغ أحيانًا معايير ما يعد رثاءً مشروعًا. فقد غدا المشرق – بنزاعاته غير المتكافئة وطويلة الأمد، المقترنة بالعلاقات العدائية بين الدول والفاعلين غير الحكوميين والسيادة المتنازع عليها – من أكثر مناطق العالم المُصوَّرة فيما يتعلق بتجسيد المعاناة. كما تعتبر المنطقة من أكثر الساحات إثارةً للجدل السياسي على صعيد التأويل. ومن خلال تسليط عدسة الكاميرا على الأماكن المنكوبة بالنزاعات والتي مزقتها الحروب في المنطقة، يمكن استيعاب وظيفة التصوير الفوتوغرافي، بوصفه فنًّا، في علاقته بالعنف.
علاوةً على ذلك، يجادل هذا المقال بأن الصور الفوتوغرافية الحائزة على جوائز والمُعتَرف بها على نطاق واسع، والتي التُقطت في غزة ولبنان وسوريا ما بعد الأسد، تُظهر كيف يمكن للشهادة البصرية أن تعمل بوصفها تدخلًا مدنيًا في السياقات التي تغيب عنها أو تتعطل فيها المحاسبة المؤسسية. فالتصوير الفوتوغرافي، من هذا المنظور، ليس مجرد فعل تمثيلي، بل هو فعل ذو طبيعة علائقية وسياسية أيضًا؛ إذ بإمكانه إعادة توزيع المرئية، وإثبات جدارة الحيوات المُهمَّشة بالرثاء، وإنتاج مطالبات بالحماية والمحاسبة عابرة للحدود.[2] إلا أن هذه الإمكانية المدنية ليست مضمونة، لا سيما وأن الصور غالبًا ما تتداول داخل أطر تحدد من يُعترف بإنسانيته الكاملة، ومن تُعامل معاناته كضوضاء في الخلفية، ومن ثم يسهل تجاهلها.[3] ففي اقتصاد الانتباه، كما هو الحال في المشرق وغيره، فإن الصور التي قد تؤدي إلى لاحتشاد، قد تتسبب في تخديرهم أيضًا.[4] والملاحظة الجوهرية هنا لا تكمن في الإشادة بفن التصوير الفوتوغرافي بوصفه أداة تحررية بطبيعتها في خدمة حقوق الإنسان، بل في الاشتباك النقدي معه وتحليل الظروف التي يمكنه في ظلها العمل بوصفه أداة لحقوق الإنسان، واستكشاف الحدود الأخلاقية لتلك الوظيفة.
يركز المقال تحليليًا على خمس صور فوتوغرافية، لم يخترن فقط لمجرد الانتشار السريع الكاسح فحسب؛ بل لما حظيت به من اعتراف مهني، وتداول مستدام، وحضور جماهيري موثق: صورتان فائزتان بجائزة «الصورة الصحفية العالمية للعام» تجسدان العنف والمعاناة في غزة، وصورة فائزة في مسابقة الصورة الصحفية العالمية تجسد المخاوف القادمة من السماء في العاصمة اللبنانية بيروت، وصورتان من سوريا ما بعد الأسد مُضمنتان في التقارير الاستقصائية وحراك حقوق الأقليات. وقد تمت معالجة هذه الصور بوصفها دراسات حالة في المرئية السياسية من حيث طريقة تأطيرها لمعاناة المدنيين والعنف، وربطها للأجساد الفردية بالانتهاكات البنيوية، وكيف تشرع الأبواب أمام أشكال المسئولية العامة أو توصدها.
رؤية العنف ودور المشاهدة
في النزاعات والحروب، يتجلّى أحد أعمق تأثيرات التصوير الفوتوغرافي استدامةً في تجسيده لمعاناة الآخرين، عبر عدسة منزوعة الحِس الأخلاقي، على النحو الذي أوضحته سوزان سونتاج في مؤلفها «الالتفات إلى ألم الآخرين». إلا أن سونتاج حذرت من أن التصوير الفوتوغرافي للنزاعات والحروب قادر على استثارة المشاعر دون توليد الفهم، ما قد يفضي إلى صدمة لا تلبث أن تتآكل وتستحيل إلى إنهاك.[5] وتجادل بأن الصورة الفوتوغرافية تعد سجلًا وشظية في آن واحد؛ إذ تتسم بالقوة غير أنها تظل منقطعة عن البنية الأوسع للعنف. وفي بيئة إعلامية ترتكز على المحتوى المتكرر وثقافة حصد «الإعجاب»، فإن أشد الصور ترويعًا تغدو عُرضة للانخراط في تيار من الفظائع القابلة للاستبدال. وما تحلله سونتاج بشأن قوة الصور لا ينفي بالضرورة الأثر الأخلاقي للتصوير الفوتوغرافي، بل إنها تتساءل عن إمكانية التعويل على هذا الأثر بوصفه مسارًا نحو فعل مستدام في مقابل رد الفعل المؤقت.
ورغم مشروعية الحجة الأخلاقية لسونتاج حول أثر التصوير الفوتوغرافي؛ إلا أن أرييلا أزولاي ترى الأمر من زاوية مغايرة. ويكمن التباين الجوهري بينهما في أن سونتاج تؤكد على الحدود، فيما تشدد أزولاي على العلاقات السياسية. فبالنسبة إلى أزولاي، يُشكّل التصوير الفوتوغرافي «عقدًا مدنيًا» بين المصور، وموضوع الصورة، والمشاهد؛ إذ لا يعد الأخير مجرد مستهلك للصور، بل مشاركًا في علاقة مدنية، الأمر الذي من شأنه توليد التزامات تجاه من يُنظر إليهم بوصفهم مستضعفين.[6] وفي هذا الصدد، يكتسي التأطير أهمية بالغة في المنطقة العربية؛ إذ تتسم سلطة الدولة عادة بالعنف تجاه المدنيين، وهو عنف غير مرئي في بعض الحالات، فيما يبدو مجزأً في حالات أخرى. ومن ثم، فإن الاعتراف بالضحية يظل على الدوام موضع تنازع بين السرديات المتنافسة على الشرعية.
وتمضي جوديث باتلر أبعد من ذلك بتحليل عواقب العنف، متسائلة عن أولئك الذين تبدو حيواتهم «جديرة بالرثاء»، ويحظى موتهم باعتراف علني بوصفه فقدانًا ذا شأن.[7] فالحرب، وفقًا لمقاربة باتلر، لا تسفر عن القتل فحسب، بل تُنظّم أيضًا الإدراك العام، وهكذا يتم تأبين بعض الأجساد فيما لا يُعتد بأجساد أخرى. وبناء على ذلك، تصنف حجة باتلر حراك حقوق الإنسان بوصفه لا يعتمد على الحقائق فحسب، بل على قابلية الاعتراف، وعلى ما إذا كانت المعاناة تؤطر باعتبارها إجحافًا وليس بوصفها قدرًا محتومًا.
إن مقاربة العنف من خلال هذه الأطر النظرية تعيننا على بلورته عبر رؤية واحدة مفادها أن الصور لا تنطق في فراغ. بل تعمل ضمن ما يُطلق عليه جاك رانسيير «توزيع المحسوس»، وهو ترتيب سياسي لما يمكن رؤيته وقوله والشعور به بوصفه واقعًا مشتركًا.[8] ومن خلال هذه العدسات النظرية، يمكن القول أن فن التصوير الفوتوغرافي يمثل ممارسة مزدوجة الوظائف؛ فبمقدور التصوير الفوتوغرافي إرباك الترتيب السياسي الذي يشير إليه رانسيير؛ عبر الدفع بالمعاناة المهمشة إلى حيز الرؤية. غير أنه قادر في الوقت عينه على ترسيخ الوضع العنيف القائم حينما تُستهلك الصور بوصفها مشهدًا استعراضيًا لا يترتب عليه أية تبعات.
وتشكل إدارة ردود الفعل العاطفية عبر التواصل في المجال الإنساني طبقة تحليلية أخرى بالغة الأهمية فيما يخص فن التصوير الفوتوغرافي وموضوعات العنف. وبالرجوع إلى مؤلف ليلي شولياراكي حول «مشاهدة المعاناة»، يتبين كيف يدير التواصل الإنساني العاطفة في كثير من الأحيان من خلال سيناريوهات من قبيل الشفقة، أو التضامن، أو الفتور، أو السخرية، أو الاستسلام.[9] وفي الفضاء الرقمي المعاصر، غالبًا ما تُختزل المشاهدة في إيماءات زهيدة التكلفة، تتضمن المشاركة، والإعجاب، والنشر، وغيرها من أشكال المشاركة الرمزية التي قد تُترجم، أو لا تُترجم، إلى فعل مستدام. تطرح هذه الثقافة المتطورة، في منصات التواصل الاجتماعي وغرف الأخبار، أسئلة أخلاقية جادة إزاء العنف المُصوَّر. وهنا، لا يقتصر السؤال الأخلاقي على مدى شعورنا بمعاناة الآخرين فحسب، بل يتجاوزه إلى ما نفعله حيال هذا الشعور. فهل تعيد أنماط مشاهدتنا إنتاج التسلسلات الهرمية ذاتها التي تجعل المعاناة مقبولة سياسيًا، تحت مسوغ الشرور الضرورية؟
لماذا هذه الصور؟
بالنظر إلى نطاق هذا المقال، جرى انتقاء الصور الخاضعة للتحليل هنا وفقًا لمنطق متعدد المستويات. أولًا، يشير التقدير المهني، من قبيل «جوائز مسابقة الصورة الصحفية العالمية»، إلى أن الصور قد خضعت للتقييم وفقًا لمعايير صحفية وأخلاقية راسخة تضع في الحسبان التكوين، والسياق، والنزاهة التوثيقية. ثانيًا، يدل التداول المستدام في المنابر والمؤسسات الإقليمية والدولية الكبرى على أن هذه الصور قد باتت جزءً من الخطاب العام، متجاوزة القيود الجغرافية أو طفرات الانتشار العابرة على منصات التواصل الاجتماعي. ثالثًا، ترتبط كل صورة ببعد ملموس من أبعاد حقوق الإنسان، بما في ذلك الجوع والحرمان، والتهجير وذعر المدنيين تحت وطأة التهديد الجوي، والعنف الطائفي واضطهاد الأقليات، والعنف القائم على النوع الاجتماعي والإذلال بوصفهما سلاحًا في الحروب والنزاعات.
تكفل هذه المقاربة متعددة الطبقات الامتثال لمعايير التصوير الصحفي، وتتجنب اعتبار «الانتشار الكاسح» دليلًا على الأهمية الأخلاقية. وبينما يُولي المقال الأولوية للتقدير المهني، والتداول المستدام، والصلة بحقوق الإنسان كمرتكزات لاختيار هذه الصور؛ فإنه يُقرّ في الوقت ذاته بأن المقاييس الرقمية قابلة للتلاعب، ولا تعكس بالضرورة تفاعلًا واعيًا. غير أن هدف المقال ليس إثبات ما شعر به «العالم»، بل تتبّع الكيفية التي دخلت بها صور بعينها إلى الفضاء المدني بوصفها مطالبات معترفًا بها تتعلق بهشاشة الإنسان والمسئولية السياسية، وما إذا كانت هذه المطالبات قد أفضت إلى فعل ملموس.
من الناحية الأخلاقية، يرفض المقال إغراءين يرى المؤلف أنهما باتا يمثلان توجهًا سائدًا عبر منصات التواصل الاجتماعي والقنوات الإعلامية الإقليمية في المشرق. الإغراء الأول يتمثل في التلصص عبر وصف الأجساد بطرق تستبيح الكرامة الإنسانية كإحدى تبعات الحروب والنزاعات. أما الإغراء الثاني فهو إضفاء الطابع الرومانسي، إذ تُعامل الصور كمُحفزَّات سحرية للعدالة، حتى في غياب أي حراك يستهدف تحقيق العدالة البنيوية. ما يجب تسليط الضوء عليه هو أنه لا يمكن للتصوير الفوتوغرافي، تحت أي ظرف، أن يحل محل القانون، أو الإغاثة الإنسانية، أو التسوية السياسية. إلا أنه قادر على إثارة تساؤلات وقضايا تُفضِّل السلطة إبقاءها متوارية عن الأنظار أو مشوهة.
معنى الجدارة بالرثاء في غزة
لعل الأزمة الإنسانية في غزة تمر اليوم بأشد أوضاعها وطأة منذ عقود، وفق ما أكده مارتن غريفيثس وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشئون الإنسانية سابقًا، في تصريح حصري لشبكة سكاي نيوز الإخبارية.[10] ففي غزة، تستهدف الضربات الإسرائيلية بالغة الدقة المدنيين والمقاتلين على حد سواء. وغالبًا ما تسرد القنوات الإعلامية الإقليمية ومنصات التواصل الاجتماعي فصول المعاناة الجماعية في غزة بلغة الأرقام لتصوير أعداد الضحايا، والتهجير، والمباني المدمرة، على نحو ينزع إلى تطبيع العنف. وتتخذ ممارسة إسرائيل لحرمان الفلسطينيين من الغذاء، وعرقلتها وصول المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الرعاية الصحية، شكل عنف بطيء. ورغم كونه أقل إثارة سينمائية من القنابل والانفجارات؛ إلا أنه بات اليوم يحدد غزة بنيويًا، إذ يكابد سكانها مجاعةً وحرمانًا جماعيًا في خضم الحرب.[11] وعلى خلفية هذه الظروف العصيبة، تضطلع صورتان حائزتان على تقدير مهني بوظيفة اجتماعية وسياسية استثنائية، وذلك عبر ترجمة الأفكار المجردة عن الحرب والحرمان إلى دليل متجسد وحميم.
الصورة 1
نالت صورة الطفل الفلسطيني محمود عجور، ذو التسع سنوات، والتي التقطتها سمر أبو العوف والتي يمكن الاطلاع عليها في الصورة 1، جائزة الصورة الصحفية العالمية للعام 2025. لقد بُترت ذراعا محمود إبان هجوم إسرائيلي على غزة، قبلما يجد ملاذًا طبيًا في الدوحة.[12] وحين نمعن النظر في الصورة، نرى في إصابة محمود الجسدية الظاهرة إشارات ألم صامت يضرب في صميم جوهر الإنسانية؛ إذ لا ينحصر أثرها في إجبارنا على تخيل آلامه لحظة الإصابة، بل تستفزنا للتأمل في كيفية تبدد حلمه في أن يحيا معافى الجسد. ولعل أبرز ما يميز هذه الصورة هو رفضها للإيحاءات الدرامية التي يتسم بها التصوير الفوتوغرافي للحركة، وهي سمة متأصلة في التصوير الفوتوغرافي للحروب والنزاعات. فلا دخان ولا دماء، ولا حتى ساحة معركة؛ بل إننا إزاء تجسيد حي للمآلات المفجعة للنزاعات والحروب، بمعزل عمن يتحمل المسئولية.
إن ما تنطوي عليه الصورة من رصانة بصرية له دلالة سياسية، لا سيما عند وضع الخطاب الإنساني في الحسبان. فكثيرًا ما يُجسَّد الألم عبر الاستعراض –أجساد تتحرك وحشود في خضم فوضى– غير أن المجاعة والجرح المستدام ليسا مشهدًا استعراضيًا؛ إذ يتكشّفان عبر الاعتماد الكُلِّي والحرمان طويل الأمد، وهو ما قد يُعيد تشكيل حياة بأكملها، كما يتجلى في صورة محمود. وبوصفنا مشاهدين، نُجبَر على ابتلاع غضبنا ومواجهة الصورة باهتمام دائم يتطلب الاعتراف بالطفل –ليس بوصفه رمزًا لنزاع طويل الأمد، بل بوصفه شخصًا يعاني التداعيات المستمرة للحرب.
في صورة محمود، يمكننا تطبيق مفهوم باتلر حول الجدارة بالرثاء على إطار ملموس. فهنا، لا يقتصر دور جسد الطفل المصاب على توسُّل المشاعر فحسب، بل يطرح تساؤلًا على المشاهدين في شتى أرجاء العالم: هل حياة هذا الصبي معترف بها كحياة تستوجب الحماية؟[13] ورغم التغطية الكثيفة لما يكابده الفلسطينيون من معاناة ومذابح، ترفض هذه الصورة التعاطي مع المعاناة الفلسطينية بوصفها خلفية دائمة. بل إنها تثير شعورًا بالمسئولية إزاء مواجهة الكُلفة العميقة للقرارات السياسية التي تؤول إلى أعمال عسكرية، والتي تحيل بدورها وصول المساعدات الإنسانية إلى ورقة مساومة. وما تفعله هذه الصورة بالعين المجردة يتجاوز بكثير مجرد عرض التكلفة المادية للحرب؛ إذ تفضح الخلل الجوهري المتأصل في التقدير البشري والذي يُتيح وقوع فاجعة الحرب حين لا يكون هناك مسوّغ لها، ويسمح بسقوط ضحايا من المدنيين؛ رغم إمكانية صون أرواحهم وأجسادهم.
علاوة على ذلك، عند تطبيق مفهوم أزولاي حول العقد المدني، فإن الأطر الأخلاقية للصورة لا تبقى حبيسة حدود صورة خاصة. فبمجرد ولوجها الفضاء العام بوصفها مطالبة بالحقوق، لا يقتصر الأمر على كون الطفل مُصوَّرًا فحسب، بل إنه يتموضع بوصفه ذاتًا تملك حقوقًا، وتُحمِّل هشاشته وافتقاره للحماية مجتمعًا سياسيًا يتجاوز الحدود تبعات تقاعسه.[14] وبهذا المعنى، فإن قوة الصورة لا تقتصر على تأثيرها العاطفي في المشاهد، إذ أنها ذات تطلعات حقوقية، بالنظر إلى كونها تشير إلى التزامات من قبيل الحق في العلاج الطبي، ووصول المساعدات الإنسانية، وحصانة المدنيين، دون الادعاء بأن الصورة ذاتها قادرة على إنفاذ هذه الالتزامات.
الصورة 2
فازت صورة محمد سالم، مصور وكالة رويترز، والتي تظهر فيها إيناس أبو معمر وهي تحتضن جثمان ابنة أخيها ذات الخمس سنوات، كما نرى في الصورة 2، بجائزة الصورة الصحفية العالمية للعام 2024.[15] وعلى غرار صورة عام 2025، تتسم هذه الصورة بالحميمية وتتمحور حول الحيز المُطبق –وشبه الخانق– للوعة امرأة واحدة، بدلًا من النطاق البانورامي للدمار والقتل الجماعي. وتُصوّر اللقطة هنا فعل الاحتضان الجسدي، وكأن الترياق اللازم لشفاء إيناس من لوعتها يكمن داخل جسد الطفلة. ولا يقتصر أثر الصورة على استثارة شعور التعاطف لدى المشاهدين؛ بل تلفت الانتباه أيضا إلى حداد إيناس بوصفه حالة لا تنفصل عن حتمية الموت التي لا ريب فيها. غير أن الصورة تختلف في جانب جوهري واحد: فجسد الطفلة الصغير المسجى في كفنه –وهو رخو يفتقر للقدرة على الاستجابة– يُحيل عناق إيناس المُحكم إلى فعل يجمع بين الحماية والعبثية في آن واحد. وفي عيني المشاهد، لا تعد هذه مجرد صورة عن الفقد، بل هي مواجهة مع غياب لا رجعة فيه. وتجبر صورة هذا الحداد المشاهد على تخيل مأساة آلاف الأطفال الفلسطينيين الآخرين الذين أنهت ضربة إسرائيلية حيواتهم. ولعل قوة الصورة تتجلى بشكل كامل في تصويرها للعنف بوصفه أثرًا لا مجرد حدث، وذلك من خلال الغياب الصامت الذي لا رجعة فيه، والذي يخلفه إنهاء حياة لم تحظ حتى بفرصتها في تجربة العالم.
وتتميز الصورة بتأثيراتها البصرية الخفية والمدهشة في آن واحد. ولاستيعاب هذه التأثيرات البصرية، لا غنى عن منهج سونتاج التحليلي في الفنون البصرية. ولكن التحفّظ مطلوب في هذا الصدد؛ إذ يمكن لمثل هذه الصور أن تغدو «أيقونات» تستأثر بالاهتمام بالفعل، بيد أنها قد تُستهلك أيضًا بوصفها بديلًا مُختزَلًا عن الفهم الأعمق.[16] ولا يقل عن ذلك أهمية استيعاب تقدير الجمهور للأيقونات، فالصور الأيقونية هي الأقدر على إعادة تشكيل الرأي العام والمشاعر الجماهيرية. وهو ما يُطلق عليه رانسيير، واصفًا هذا النمط من العمل البصري: «إعادة توزيع المحسوس» –إذ تُقحم الصورة الأخبار، التي عادة ما يتم التعاطي معها باعتبارها قابلة للتجاهل أو تخص مناطق بعيدة، نحو حيز من التأثر والاعتراف المشتركين.[17] وقد دفعت قوة الصورة، في تصوير جسامة الخسائر المدنية في غزة، وكالة رويترز الإخبارية إلى إعادة تناول قصة فاجعة إيناس. وهو ما يُسلّط الضوء على كيف بإمكان صورة واحدة أن تتحول إلى ركيزة رمزية بينما يتواصل العنف الأوسع نطاقًا.[18] وفضلا عن ذلك، تكشف الصورة عن معضلة جوهرية، مفادها أن التصوير الفوتوغرافي قد يُعزّز الاعتراف ويُعجّل به، إلا أن ذلك الاعتراف لا يضمن الحماية.
قواعد بصرية جديدة للحرب في لبنان: الخوف من السماء، والتهجير على الأرض
تشكلت القصة البصرية للبنان منذ أكتوبر 2023 بفعل التصعيد العسكري على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية، نتيجة لانخراط حزب الله في الصراع الإقليمي الأوسع في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر وما تلاها من الحرب على غزة.[19] وقد أسفرت التدخلات العسكرية الإسرائيلية عمليًا عن إزاحة معظم قيادات حزب الله، فيما تحمل المدنيون تبعات ذلك، بما يتضمن التهجير، والدمار، وتقويض كل مقومات الاستقرار والأمان. كما أدى النشاط المتصاعد للصواريخ والطائرات المُسيّرة إلى بثّ الخوف والهلع في نفوس السكان في لبنان، مما أفضى إلى نزوح جماعي. ووثقت الإحاطات الأممية والتقارير الإنسانية عمليات تهجير واسعة النطاق وأضرارًا لحقت بالمدنيين مع تصاعد وتيرة الغارات الجوية تدريجيًا منذ انطلاق «عملية سهام الشمال» الإسرائيلية في لبنان.[20]
ولتوضيح المخاوف البصرية القادمة من السماء، فإن الصورة 3 التي يتمحور حولها هذا القسم، هي صورة «هجمات الطائرات المسيرة في بيروت» للمصور مراد شنجول (Murat Şengül)، والتي توجت بجائزة الفائز الإقليمي (فئة الصور الفردية) عن منطقة غرب ووسط وجنوب آسيا في مسابقة الصورة الصحفية العالمية للعام 2024. ففي تجسيدها لمدنيين في بيروت يرمقون السماء بأبصارهم إبان تصاعد التوترات ونشاط الطائرات المسيرة على الجبهة الإسرائيلية اللبنانية، تقتنص الصورة مفارقة متأصلة في النزاعات والحروب؛ إذ يواجه الباحثون عن الأمان في العراء سماوات محفوفة بالمخاطر، وهم يرمقونها كأنما السماء ذاتها قد استحالت مصدرًا للتهديد.[21]
الصورة 3
تجدر الإشارة إلى أن الصورة لا تعرض دمارًا صرفًا أو أي انتهاكات مرئية لحقوق الإنسان،[22] بل تُصوّر التهديد الجوي، لا سيما الخوف من المسيّرات، باعتباره قواعد بصرية جديدة للحرب. وقد جسدت الصورة، بمنتهى الإتقان، مستوى الترقب البادي في عيون المدنيين المهجَّرين، حتى إنه قد يُلقي بالمشاهد في حالة من الاضطراب، وكأن سيكولوجية الترقب ذاتها تنطبق عليه بشكل طبيعي. ويُبرز تعليق لجنة تحكيم جائزة «صورة الصحافة العالمية» على وجه التحديد تصوير الصورة للخوف تحت تهديد المسيرات، وأنها فضلًا عن ذلك تكشف انهيار المأوى التقليدي حين يأتي التهديد من الجو دون إمكانية التنبؤ به. وهنا، يتجلى لنا أن التدابير الدفاعية التقليدية ضد المسيّرات لا تجدي نفعًا؛ إذ لا تعبأ هذه المسيّرات بجدران منازلنا وبوابات مجمعاتنا السكنية. ويمكن للمرء أن يلحظ بجلاء كيف يغدو جسد المدني متحفزًا كجهاز استشعار وهو يتوجه بعينه صوب السماء، يحيا على حافة الخطر متخذًا وضعية متوترة، إذ تُمثّل كل ساحة بؤرة من الهشاشة. وتنقل الصورة للمشاهد شعورًا عارمًا بانعدام الأمان التام، وذلك على امتداد البصر.
هذا الموقف يمثل تطبيقًا فعليًا لمفهوم تشولياراكي حول المشاهدة؛ إذ غالبا ما يُعوّل التواصل الإنساني على الإصابات المرئية لاستدرار الشفقة في نفوس المشاهدين. إلا أن الطبيعة الخاصة لحرب الطائرات المسيرة لا يمكن تأطيرها بالكامل باعتبارها «إصابة مرئية». فهذه الطبيعة شديدة الخصوصية لحرب الطائرات المسيرة تزيح المعاناة محولة إياها إلى سجل من القلق، وتخلق مشهدًا مروعًا يظل فيه التهديد ماثلًا على الدوام دون أن يكون مرئيًا بالضرورة.[23] وفي هذا الصدد، فإن الفرضية الأساسية لما يمكن تصويره آخذة في التحول، وذلك بالنظر إلى أن الضرر الواقع على حقوق الإنسان يتخذ طابعًا جسديًا ونفسيًا في آن واحد داخل بيئة تتسم بانعدام الأمن المستمر. وتنعكس حالة انعدام الأمن هذه في أرقام النزوح في لبنان والتي بلغت مستويات صادمة، إذ تشير التقارير والتحديثات الإنسانية إلى نزوح جماعي وأوامر إخلاء إسرائيلية واسعة النطاق.[24]
بناء على ذلك، تكشف هذه الصورة عن الحقائق البنيوية التي تُعرّض المدنيين للضربات الجوية في الوقت الذي تتنصل فيه الدول أو الجهات الفاعلة غير الحكومية من المسئولية، وهو ما يفضي إلى سقوط ضحايا مدنيين ووقوع انتهاكات لحقوق الإنسان.[25] ولا يقل أهمية عن ذلك أن غاية الصورة في اقتناص لحظة الخوف ترتبط ارتباطا وثيقا بالإطار المدني لأزولاي؛ فهي تصور المشاهد بوصفه «مدعوًا للمشاركة»، ليس بالضرورة عبر التبرع أو مشاركة المحتوى، بل من خلال إدراك أن هشاشة المدنيين ليست حادثًا مؤسفًا، بل هي نتيجة للخيارات السياسية.[26] ومن ثم، يتجاوز دور الصورة حدود الإطار الواحد لتغدو إعلانًا مدنيًا يطرح السؤال: إذا ما استحالت السماء سلاحًا، فما الذي تعنيه حماية المدنيين؟ ومن ذا الذي يخضع للمحاسبة حينما ينعدم الأمان هيكليًا؟
التصوير الفوتوغرافي بوصفه شهادة بصرية على اضطهاد الأقليات في سوريا ما بعد الأسد
منذ ديسمبر 2024، أفضى سقوط النظام السوري بقيادة بشار الأسد إلى موجة من العنف الطائفي واضطهاد الأقليات في مختلف أنحاء سوريا. وقد أسفر الصراع على الشرعية في سوريا ما بعد الأسد عن مزيد من زعزعة استقرار حياة السوريين الذين يرزحون تحت تهديد مستمر من فصائل مسلحة متباينة تابعة للحكومة المؤقتة، فضلًا عن فلول عناصر تنظيم الدولة الإسلامية المارقة. ويتصدر قائمةَ المتأثرين بالعنف الطائفي واستهداف الأقليات كل من العلويين والدروز والأكراد؛ إذ تعرضوا لاستهداف ممنهج من جانب الجهات الفاعلة التابعة للدولة أو غير الحكومية في سوريا. وقد وثق تحقيق لوكالة رويترز عمليات قتل منسقة استهدفت العلويين على امتداد الساحل السوري في مارس 2025، ونفذتها وحدات أُدمجت في قوات تابعة للحكومة السورية الحالية برئاسة الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، ومرتبطة بتسلسل قيادي يمتد إلى دمشق.
ورغم أن جل الأدلة المتعلقة بالمواد البصرية والتقارير حول ممارسة العنف ضد الأقليات تتخذ شكل تسجيلات مرئية (فيديو)، فإن بعض الصور الفوتوغرافية –كتلك المُستخدمة في هذا المقال– تُمثل شهادات بصرية حقيقية على الاضطهاد والعنف الجماعيين في سوريا ما بعد الأسد. وفيما يتجاوز العنف الطائفي، تتوافر أدلة غزيرة على العنف القائم على النوع الاجتماعي والموجه ضد الأقليات، وتحديدًا المقاتلات الكرديات المنحدرات من شمال شرق سوريا. وتشير الانتهاكات الواردة في التقارير إلى أدلة تفيد بوقوع إذلال قائم على النوع الاجتماعي، إذ لا يستهدف العنف جسد الأنثى فحسب، بل يرمي إلى النيل من هوية مجتمعية بأسرها.
إن الحالة السورية، نظرًا للقوى السياسية المنخرطة في الوضع الراهن، بما في ذلك الجهات الفاعلة غير الحكومية، تنقل محور تركيز المقال من التصوير الفوتوغرافي بوصفه صدمة أخلاقية، إلى التصوير الفوتوغرافي بوصفه حُجة جنائية. فالنظر إلى فن التصوير الفوتوغرافي شيء، وتحويل ذلك إلى مجموعة أدلة تعمل بشكل أوثق باعتبارها شهادة يعد شيئًا آخر. ومن ثم، فحين تدخل هذه الصور إلى سجلات الأرشيف والتحقيقات، تتضح قيمتها الحقيقية في تعزيز التعبئة السياسية التي تجابه إنكار العنف ومحاولات طمس وجوده.
الصورة 4
يبرز تحقيق وكالة رويترز حول مذبحة العلويين جدلية المرئية في مواجهة الطمس في سياق القتل الجماعي للأقليات؛ إذ يتجاوز تقرير رويترز التصوير العاطفي المعتاد للعنف، ليغوص في بناء المعرفة العامة من خلال شهادات الناجين، والتحقق من مقاطع الفيديو، وممارسات التوثيق، ومنهجيات الإحصاء.[27] وفي السياق السوري، حيثما تمثل الحقيقة ساحة للتنازع وحيثما تم التطبيع مع العنف، يتحول التصوير الصحفي إلى شكل من أشكال العمل الحقوقي، وذلك بمجرد النهوض بمهمة حفظ وأرشفة الأدلة. وتؤدي الصور المضمنّة في تقارير رويترز، على غرار الصورة 4 التي تصور رجلًا علويًا يرثي أفراد عائلته المدفونين، وظيفة مماثلة للأدلة القانونية عبر التصدي لمحاولات طمس الهوية.[28] ويُمثّل الرجل في الصورة قصة العديد من العائلات العلوية الأخرى التي لم يصطف أفرادها في جبهات القتال، بل تعرضوا للاضطهاد بسبب معتقداتهم في سوريا الجديدة التي تعاني من العنف الطائفي في مرحلة ما بعد النزاع.
وفي سياق معاناة الأقليات، تكتسي أُطُر باتلر التحليلية أهمية بالغة لفحص الكيفية التي توظف بها الأطراف الفاعلة المختلفة اضطهاد الأقليات لتسويغ الثأر أو التنصل من المسئولية.[29] وهنا، تغدو الأدلة البصرية قابلة للاستلاب السياسي؛ إذ يمكن توظيفها كسلاح واستخدامها من جانب جهات فاعلة متعددة غير حكومية تتبنى أيديولوجية الدولة بينما تعمل في الظل تفاديًا للمسئولية. ولا يمثل التحدي في هذه الحالة إشكالية قانونية بقدر ما هو إشكالية أخلاقية. ويعزى ذلك إلى أنه حينما يتحول التصوير الفوتوغرافي إلى شهادة بصرية، فإنه ينأى عن التعامل مع الضحايا من الأقليات بوصفهم أدوات سردية، ويصورهم بدلًا من ذلك كذوات تملك حقوقًا وتعد حمايتها أمرًا غير قابل للمساومة. وهنا نستدعي تحذير سونتاج، لا سيما بالنظر إلى أن صور المذابح قادرة على إثارة الرعب، إلا أن الرعب قادر كذلك على تغذية دوائر الانتقام.[30]
لبلوغ هذه الغاية، فإن القضية الجوهرية التي يتعين على المشاهد التصدي لها لا تقتصر على إدراك ما حدث، بل تتجاوزه إلى كيفية الحشد لحماية الأقليات ومحاسبة الجناة، أو في حالات أخرى، كيفية التحلي بضبط النفس لتفادي موجة جديدة من التصعيد والعنف ضد الجناة. ونتيجة لذلك، يصبح بوسع المشاهدين التمييز بين قدرة التصوير الفوتوغرافي على فضح الفظائع، وبين كونه يشكل في الوقت ذاته وقودًا للسياسات التحريضية. وفيما يتعلق بفن التصوير الفوتوغرافي، فإن أي تحليل جاد لحقوق الإنسان لا بد وأن يستوعب هذا التوتر.
التعبير عن العنف عبر عدسة جندرية
الصورة 5
في هذه الصورة الملتقطة في يناير 2026، يتباهى أحد أفراد مجموعة مسلحة تابعة للحكومة السورية المؤقتة وهو يُمسك بضفيرة منزوعة من شعر رأس امرأة كردية فارقت الحياة وكانت منخرطة في القتال في الرقة.[31] وقد أثارت هذه الواقعة، التي وثقت بمقطع مصور وتم تداولها بكثافة عبر منصات تواصل اجتماعي متعددة، موجة عارمة من ردود الفعل. إذ نشرت نساء صورًا ومقاطع فيديو يظهر فيها شعرهن مُضفرًّا احتجاجًا على المقطع الأصلي الذي هدف إلى ممارسة إذلال رمزي يستهدف النوع الاجتماعي، والهوية، والكرامة. وتحمل ضفيرة شعر المرأة دلالة رمزية لدى الأكراد؛ إذ تمثل الشرف، والاستقلالية، والانتماء. وتبرهن ردود الفعل الإقليمية والدولية على السطوة التي تملكها صورة واحدة في تشكيل الإدراك العام وحشد الأصوات الحقوقية نتيجة لذلك.[32] إن مجرد الإقدام على أخذ الضفيرة وعرضها باستهزاء كغنيمة لا يعد مجرد إيماءة لانتصار مادي، بل يمثل كذلك فعلًا جندريًا يرمي إلى تأكيد الهيمنة. وهكذا، تتم ممارسة العنف، وإن لم يكن جليًا في الصورة، عبر عدسة الاستباحة الرمزية التي تتجاوز الحدود المادية للموت.
وما يضفي على هذه الصورة أهمية خاصة هو نقلها للعنف عبر وسائل تواصل حديثة. ويتجلى هذا بوجه خاص حين توحي إيماءة المقاتل نحو الكاميرا بوجود تعمد في إخراج المشهد. فما يطالعه المشاهد عند النظر إلى الصورة هو عنف بصري، وإعلان عن الوحشية عبر التواصل، وصورة جديدة للحرب النفسية. وتمثل الصورة شكلًا بصريًا من العنف يمكن استيعابه بوصفه إذلالًا أدائيًا؛ إذ لا تقتصر الغاية على إلحاق الهزيمة بخصم أنثوي، بل تمتد للحطّ من شأن الهوية الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع الكردي، المعروف بحمايته لحقوق المرأة وللحريات الأوسع نطاقًا في شمال شرق سوريا.
ويغدو تحليل البعد الجندري لهذه الصورة أمرًا حيويًا لاستيعاب الكيفية التي تعبر بها شخصيات ذكورية بعينها عن العنف في المنطقة العربية. فعلى سبيل المثال، يربك حضور وحدات المقاتلات في شمال شرق سوريا التوقعات التقليدية الملقاة على عاتق النساء في المجتمع، وتحديدًا في أوقات النزاع. ويُعزى ذلك بالأساس إلى كون حضورهن يحمل غالبًا دلالة سياسية ترتبط بالمقاومة، والاستقلالية، والتحول الاجتماعي الأوسع لمكانة المرأة في المجتمع. ومن ثم، فإن استهدافهن على هذا النحو الرمزي يمثل اعتداءً على حقوق المرأة، ويستحيل فعليًا محاولة لإعادة فرض النظام الأبوي عبر المعاقبة على ذلك الخروج عن التوقعات التقليدية للنساء في المجتمع.
في ضوء هذا الفهم، تمثل الضفيرة مساحة تتلاقى فيها المعاني السياسية، والثقافية، والجندرية داخل صورة واحدة. أما ردود الفعل الإقليمية والدولية اللاحقة، والتي تمثلت في تضفير النساء لشعورهن تضامنًا، بمن فيهن الأميرة كيت ميدلتون،[33] فقد تمكنّت من تحويل الرمز الأصلي الذي هدف إلى إذلال المقاتلات. ويمكن اعتبار الاحتجاج العالمي المتمثل في تضفير الشعر عقب الواقعة بمثابة صورة مضادة تغذي رفض السماح للإذلال القائم على النوع الاجتماعي بأن يستأثر بالقول الفصل.
ويُعد هذا نموذجًا كلاسيكيًا للكيفية التي تتبدل بها الرموز إبان النزاعات في عيون المشاهدين، لتغدو موضعًا للتنازع ومحاولات الاستحواذ، وذلك على النحو الذي يوضحه إطار أزولاي التحليلي. وهنا أيضًا، ترسم السياسات البصرية في السياق الجندري صورة ثنائية يفرز فيها العنف صورة، بينما تفرز المقاومة استجابة. وعلاوة على ذلك، يحدد مفهوم رانسيير حول «توزيع المحسوس» بالرهانات بشكل أعمق؛ إذ يسعى الفعل الأصلي إلى صياغة معنى الأجساد الكردية الأنثوية –وتحديدًا المقاتلات– في نظر الرأي العام، وكأنها أجساد مُستهلَكة، ومهانة، وقابلة للإخضاع. غير أن الاحتجاج يعيد تشكيل المعنى عبر تأكيد الحضور مجددًا، محولًا شعر النساء إلى رمز للتضامن بدلًا من كونه غنيمة.[34] ومن ثم، استحالت الصورة، بجانب إثارتها لجدل محتدم حول حقوق المرأة، ساحة معركة حول التأويل.
خاتمة: التوترات الأخلاقية والتصوير الفوتوغرافي
يتطلب استيعاب فن التصوير الفوتوغرافي بوصفه أداة للتعبئة الحقوقية مقاربة نقدية تتصدى للتوترات الأخلاقية الكامنة فيه، لا سيما حينما يعرض المعاناة الإنسانية. ولا يمكن إنكار أن التصوير الفوتوغرافي يُعد من أكثر الأدوات فاعلية في عصرنا الحديث في تسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان. ومع ذلك، لا يمكن لأي دفاع حقوقي عن التصوير الفوتوغرافي أن يُجابه التحديات الأخلاقية المرتبطة بعرض المعاناة، وذلك بالنظر إلى أن تداول الصور قد يصيب الناجين بالصدمة مجددًا، في حين قد يغدو المشاهدون عرضة لاستهلاك صدمات الناجين كمحتوى. ومن ثم، فإن النقد الذي تطرحه سونتاج في حجتها ينطوي هنا على وجاهة تتجاوز الإنهاك الناجم عن خوض تجربة الصدمة مجددًا. إذ يرمز إلى سلطة الفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي بوصفهما جزءً من تساؤل أخلاقي أوسع نطاقًا حول من يملك حق النظر، وفي ظل أي شروط.[35] فضلًا عن ذلك، يشير هذا التوتر الأخلاقي بالقدر ذاته إلى تأويل أزولاي الذي يرى أن مشاهدة المتفرج ليست بريئة بل مسيسة؛ فالفرد الذي تم تصويره ليس مجرد موضوع للصورة، بل هو مشارك في علاقة مدنية.[36] وهو ما يشير إلى أنه لا يمكن التعاطي مع الصور الفوتوغرافية بوصفها رصيدًا أخلاقيًا مجانيًا لخدمة الصورة الذاتية للمتفرج. فالوعي ليس فضيلة في حد ذاته؛ بل هو محض بداية للالتزام.
ومن ثم، يتعين أن يتخذ التوتر الأخلاقي منعطفًا تحذيريًا فيما يتعلق بالتصوير الفوتوغرافي والتواصل الإنساني، وذلك نظرًا لاحتمالية أن يكتسي طابعًا ما بعد إنسانوي. ويتضح هذا بشكل خاص حينما تغدو الصور المتداولة أقل ارتباطًا بالتضامن وأكثر التصاقًا بإدارة العاطفة، وحين يتمحور التفاعل حول تجربة المتفرج بدلًا من حقوق الضحية.[37] وفي عصر منصات التواصل الاجتماعي الذي نعيشه اليوم، يمكن لمشاركة الصورة أن تغدو شكلًا من أشكال التضخيم أو الحطّ من الشأن في آن واحد، لا سيما حينما يحل فعل المشاركة محل الانخراط الاجتماعي والسياسي المستدام.
لهذا السبب، تتخذ مسألة اختيار الصورة المراد عرضها أهمية بالغة. إذ تركز الصور المنتقاة هنا على الأشخاص، والمآلات، والخوف الجليّ، بدلًا من العنف الفج. ورغم ذلك، لا يعد هذا ضربًا من ضروب الرقابة، بل هو خيار أخلاقي يرمي إلى الاعتراف بالفقد والمعاناة دون استغلال للكرامة الإنسانية والأجساد، جاعلًا إياها مرئية وذات مغزى مع تجنب المزيد من الإذلال.
وفي حين لا يسع التصوير الفوتوغرافي ليكون بديلًا عن وصول المساعدات الإنسانية، أو المحاسبة القانونية، أو الوساطة السياسية؛ فإنه قادر إلى حد بعيد على الاضطلاع بوظيفة مدنية حينما تخفق المؤسسات. وكما يتبين من الصور الواردة في المقال، ينبغي لممارسة فن التصوير الفوتوغرافي أن تتبع وظيفته المدنية في مناطق النزاع بالمشرق، وذلك عبر الإصرار على أن المعاناة لا تمثل شرطًا مقبولًا يعمل كخلفية للتحولات السياسية. إذ يجب النظر إلى التصوير الفوتوغرافي بوصفه أداة فاعلة لصياغة مطالبات عابرة للحدود حتى حينما يعجز القانون عن ذلك. ومن ثم، لا يُعد التصوير الفوتوغرافي مجرد سجل يوثق العنف، بل هو صراع لتحديد من يُعتبر إنسانًا، وماهية الالتزامات التي تنبثق عن فعل المشاهدة.
إقرار الاستعانة بالذكاء الاصطناعي
استخدمت الكاتبة نموذج Claude (التابع لشركة Anthropic) لتدقيق القواعد اللغوية، وأداة (QuillBot) لتنسيق الاستشهادات المرجعية، وذلك قبل تحديث سياسة الذكاء الاصطناعي الخاصة برواق عربي، مع بقاء جميع التحليلات والحجج والكتابة من إعداد الكاتبة بالكامل.
إقرار باستخدام الصور
تم الحصول على الصور المستخدمة في هذا المقال من منصات متاحة للجمهور ومفتوحة المصدر. وحسب علم المؤلفة، فإن هذه المواد إما تندرج ضمن الملكية العامة أو تستخدم وفقًا لمبادئ الاستخدام العادل وتوجيهات المصادر المفتوحة المعمول بها. وقد تمت الإشارة للمصدر بشكل مناسب حيثما لزم الأمر. وتتحمل المؤلفة المسئولية الكاملة عن اختيار هذه الصور، واستخدامها، وإعادة نشرها داخل هذا العمل، وتؤكد أن إدراجها يتوافق مع معايير حقوق النشر والاستخدام ذات الصلة.
هذا المقال كتب في الأصل باللغة الانجليزية لرواق عربي.
[2] أرييلا أزولاي، العقد المدني للتصوير الفوتوغرافي (The Civil Contract of Photography)، )زون بوكس، 2008(، https://doi.org/10.2307/j.ctv1qgnqg7.
[3] جوديث باتلر، أطر الحرب: متى تكون الحياة جديرة بالرثاء؟ (?Frames of War: When Is Life Grievable)، (فيرسو، 2009).
[4] سوزان سونتاج، الالتفات إلى ألم الآخرين (Regarding the Pain of Others)، )فارار وستراوس وجيرو، 2003).
[5] سونتاج، الالتفات إلى ألم الآخرين، 7-12.
[6] أزولاي، العقد المدني للتصوير الفوتوغرافي، 11-25.
[7] باتلر، أطر الحرب، 1-32.
[8] جاك رانسيير، سياسات الجماليات: توزيع المحسوس (The Politics of Aesthetics: The Distribution of the Sensible)، ترجمة غابرييل روكهيل، (لكونتينيوم، 2004).
[9] ليلي شولياراكي، مشاهدة المعاناة (The Spectatorship of Suffering)، منشورات سيج، 2006، https://doi.org/10.4135/9781446220658.
[10] أدم أرنولد، «غزة هي أسوأ أزمة إنسانية رأيتها منذ 50 عامًا، بحسب مسئول رفيع في الأمم المتحدة» (Gaza is Worst Humanitarian Crisis I Have Seen in 50 Years, Top UN Official Says)، سكاي نيوز، 2024، تاريخ الاطلاع 1 مايو 2026، https://news.sky.com/story/gaza-is-worst-humanitarian-crisis-i-have-seen-in-50-years-top-un-official-tells-sky-news-13071666.
[11] التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، «قطاع غزة: تصنيف انعدام الأمن الغذائي الحاد» (Gaza Strip: Acute Food Insecurity Classification)، تاريخ الاطلاع 28 فبراير 2026، https://www.ipcinfo.org/ipc-country- analysis/en/?country=PSE.
[12] الصورة الصحفية العالمية، «محمود عجور، في التاسعة من عمره» (Mahmoud Ajjour, Aged Nine)، تاريخ الاطلاع 22 فبراير 2026، https://www.worldpressphoto.org/collection/photo-contest/2025/Samar-Abu-Elouf/1.
[13] باتلر، أطر الحرب، 1-32.
[14] أزولاي، العقد المدني للتصوير الفوتوغرافي، 79-106.
[15] الصورة الصحفية العالمية، «امرأة فلسطينية تحتضن جثمان ابنة أخيها» (A Palestinian Woman Embraces the Body of Her Niece)، تاريخ الاطلاع 22 فبراير 2026، https://www.worldpressphoto.org/collection/photo-contest/2024/Mohammed-Salem-POY/1.
[16] سونتاج، الالتفات إلى ألم الآخرين، 105-113.
[17] رانسيير، سياسات الجماليات، 12-19.
[18] وكالة رويترز، «صورة لوعتها هزت العالم. بعد مرور عام، لا تزال الذكريات تطارد امرأة من غزة» (A Picture of her Grief Gripped the World. A Year on, Gaza Woman Haunted by Memories)، 7 أكتوبر 2024، تاريخ الاطلاع 28 فبراير 2026، https://www.reuters.com/world/middle-east/picture-her-grief-gripped-world-year-gaza-woman-haunted-by-memories-2024-10-07/.
[19] منظمة آكابس، «لبنان: تصاعد الأعمال العدائية» (Lebanon: Escalating Hostilities)، 1 أكتوبر 2024، تاريخ الاطلاع 15 فبراير 2026، https://www.acaps.org/en/countries/archives/detail/lebanon-escalation-of-hostilities-key-humanitarian-developments.
[20] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية، «تحديث عاجل حول لبنان رقم 35: تصاعد الأعمال العدائية في لبنان» (Lebanon Flash Update #35: Escalation of Hostilities in Lebanon)، 16 أكتوبر 2024، تاريخ الاطلاع 21 فبراير، https://www.unocha.org/publications/report/lebanon/lebanon-flash-update-35-escalation-hostilities-lebanon-14-october-2024؛ وكالة رويترز، «مسئول أممي: المدنيون يتحملون وطأة النزاع «الكارثي» في لبنان» (Civilians Bear Brunt in ‘Catastrophic’ Lebanon Conflict, UN Official Says)، 3 أكتوبر 2024، تاريخ الاطلاع 21 فبراير 2026، https://www.reuters.com/world/middle-east/civilians-bear-brunt-catastrophic-lebanon-conflict-un-official-says-2024-10-03/.
[21] الصورة الصحفية العالمية، «هجمات الطائرات المسيرة في بيروت» (Drone Attacks in Beirut)، تاريخ الاطلاع 25 فبراير 2026، https://www.worldpressphoto.org/collection/photo-contest/2025/Murat-Sengul/1.
[22] الصورة الصحفية العالمية، «هجمات الطائرات المسيرة في بيروت».
[23] شولياراكي، مشاهدة المعاناة، 1-24.
[24] وكالة رويترز، «شوارع لبنان تمتلئ بالسكان الفارين من الضربات الإسرائيلية» (Lebanon’s Streets Fill with Residents Fleeing Israeli Strikes)، 18 أكتوبر 2024، تاريخ الاطلاع 22 فبراير 2026، https://www.reuters.com/pictures/lebanons-streets-fill-with-residents-fleeing-israeli-strikes-2024-10-16/.
[25] المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، «طوارئ مفوضية اللاجئين في لبنان – تحديث إقليمي» (UNHCR Lebanon Emergency – Regional Update)، 20 نوفمبر 2024، تاريخ الاطلاع 22 فبراير 2026، https://reliefweb.int/report/lebanon/unhcr-lebanon-emergency-regional-update-20-november-2024.
[26] أزولاي، العقد المدني للتصوير الفوتوغرافي، 183-207.
[27] ماجي ميشيل، «كيف أحصت رويترز القتلى في مذابح العلويين السوريين في مارس» (How Reuters Counted the Dead in the March Killings of Syrian Alawites)، وكالة رويترز، 30 يونيو 2025، تاريخ الاطلاع 2 مارس 2026، https://www.reuters.com/world/how-reuters-counted-dead-march-killings-syrian-alawites-2025-06-30/.
[28] ماجي ميشيل، «القوات السورية ذبحت 1500 علوي. التسلسل القيادي قاد إلى دمشق» (Syrian Forces Massacred 1,500 Alawites. The Chain of Command Led to Damascus)، وكالة رويترز، 30 يونيو 2025، تاريخ الاطلاع 26 فبراير 2026، https://www.reuters.com/investigations/syrian-forces-massacred-1500-alawites-chain-command-led-damascus-2025-06-30/.
[29] باتلر، أطر الحرب، 59-80.
[30] سونتاج، الالتفات إلى ألم الآخرين، 114-122.
[31] شبكة كردستان 24، «نساء كرديات يضفرن شعورهن في احتجاج عالمي على الإساءة لمقاتلة كردية في سوريا» (Kurdish Women Braid Hair in Global Protest Over Abuse of Female Kurdish Fighter in Syria)، 22 يناير 2026، تاريخ الاطلاع 28 فبراير 2026، https://www.kurdistan24.net/en/story/889135/kurdish-women-braid-hair-in-global-protest-over-abuse-of-female-kurdish-fighter-in-syria.
[32] بيانكا جونز، «نساء كرديات في جميع أنحاء العالم يضفرن شعورهن في رد متحد لفظاعة الإرهابي السوري» (Kurdish Women Worldwide Braid Hair in Defiant Response to Syrian Terrorist’s Atrocity)، جيه فيد، 22 يناير 2026، تاريخ الاطلاع 4 مايو 2026، https://www.jfeed.com/news-world/kurdish-women-braid-hair-solidarity.
[33] ناتاشا والتر، مقطع فيديو قصير على إنستجرام (Instagram reel)، 28 يناير 2026، تاريخ الاطلاع 4 مايو 2026، https://www.instagram.com/reel/DUDRZm2DM5e/.
[34] رانسيير، سياسات الجماليات، 20-33.
[35] سونتاج، الالتفات إلى ألم الآخرين، 98-104.
[36] أزولاي، العقد المدني للتصوير الفوتوغرافي، 286-312.
[37] شولياراكي، مشاهدة المعاناة، 229-237.
Read this post in:
