رؤى: من الملتزمون حقًا بحقوق الإنسان؟ المعوقات الأيديولوجية والسياسية في المنطقة العربية

حمل هذا المقال كبي دي إف

الإشارة المرجعية: فشير، عز الدين شكري (2023). رؤى: من الملتزمون حقًا بحقوق الإنسان؟ المعوقات الأيديولوجية والسياسية في المنطقة العربية. رواق عربي، 28 (2)، 46-54. DOI: 10.53833/HULK2604

مقدمة

أظهرت الانتفاضات العربية أن الأزمة التي تواجه المنطقة أعمق بكثير مما كنا نتوقع. اتّضح أن السلطوية تضرب بجذورها أعمق من أجهزتها القمعية، وأن المشكلة الاقتصادية أكثر تعقيدًا من الفساد واللامساواة، وان اعتلال المؤسسات أكثر استشراءً من ظاهرة المحسوبية. لكن ربما كانت الفكرة الأكثر إثارة للإحباط التي اتضحت لاحقًا –على الأقل للمدافعين عن حقوق الإنسان– هي أن الالتزام بالحرية والمساواة والحقوق الفردية والديمقراطية أضعف بكثير مما كنا نفترض عمومًا. جميع الأطراف السياسية تقريبًا –من اليمين إلى اليسار– ضحّت بحقوق الإنسان في لحظة أو أخرى. وحسبما اتضح، فإن الحقوق والحريات لا تحتل مرتبة مرتفعة في أولويات أحد، باستثناء ما يتعلق بالدفاع عن حقوقهم وحرياتهم الخاصة.

أثناء الصراع بين الإسلامويين والعلمانيين[1] ظهر استعداد الجميع لانتهاك حقوق الإنسان بأوضح الأشكال، لا سيما في مصر في مرحلة 2012-2014. وبقدر ما كانت تلك الفترة دراماتيكية وصعبة، فإنها لم تكن حالة فريدة من نوعها. القوميون واليساريون، ومعهم الليبراليون، دعموا انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان ارتكبتها نظم عربية، مثل نظام بشار الأسد في سوريا، ومحمد بن سلمان في السعودية، وعبد الفتاح السيسي في مصر، ومنظمات مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي. كما دعموا انتهاكات ارتكبتها نظم أجنبية مثل نظام الملالي في إيران، وفلاديمير بوتين في روسيا، وشي جين بينغ في الصين. كيف يمكن للمرء تفسير هذا التناقض الواضح بين الدعوة للحرية والمساواة وحقوق الإنسان من جانب، في مقابل الافتتان الواضح بالنظم السلطوية والممارسات الفاشية على الجانب الآخر؟ وما هي تداعيات ذلك التناقض على حركة حقوق الإنسان في المنطقة العربية؟ هذه هي الأسئلة التي تحاول الورقة الإجابة عليها.

كما هو الحال عادةً في مثل هذه الأسئلة الكبيرة، فإن الإجابات تتسم بدرجة كبيرة من التعميم. فهذه الورقة تتناول توجهات وصراعات مجتمعية وسرديات تمتد عبر أكثر من عشرين دولة، وتغطي ثلاثمائة مليون نسمة، وذلك على مدى قرنين من الزمن. ومن المؤكد أن هنالك تباينات مهمة داخل هذه المجتمعات وفيما بينها، وعلى امتداد مختلف الحقب أيضًا. كذا تعتمد الورقة بقوة على بيانات من التجربة المصرية، ليس فقط بسبب قرب المؤلف منها، بل أيضًا نظرًا لمركزية مصر في الصراعات محل النظر. من ثم، يُنصح بالتعامل مع الافتراضات الواردة هنا في الورقة بصفتها اقتراحات، فرضيات قابلة للاختبار، أو تفسيرات محتملة تحتاج للتدقيق والتعديل حسب الظروف المكانية والزمانية لكل حالة على حدة.

تنقسم الورقة إلى ثلاثة أقسام. الأول يُعرّف ما يُسمى الصراعات الأساسية التي تؤطر السرديات المهيمنة للفكر والثقافة السياسية العربية. فيما يحلل الثاني آثار هذه السرديات على أولويات الأطراف السياسية بالمنطقة العربية. ويتناول الثالث القيود التي تفرضها السرديات المهيمنة على المدافعين عن حقوق الإنسان والاختيارات المتاحة لهم.

الصراعات المؤسِسة والسرديات المهيمنة

تتعاطى هذه الورقة مع الثقافة –بما يشمل الفكر السياسي– بصفتها مجموعة دينامية من المعايير والقيم والأفكار التي تتشكل دائمًا تحت تأثير الصراعات المجتمعية، وليس بصفتها «سمة وطنية» ثابتة ودائمة وكامنة. بهذا المعنى، فإن فهم أولويات الأطراف السياسية العربية يتطلب تحليل الصراع –في الماضي والحاضر– حول المعايير والقيم والأفكار. هذا الصراع هو ما أسمّيه هنا «الصراعات المؤسِسة»، وهو يتجاوز –وإن كان يشمل– الصراعات القائمة على السلطة والموارد والهويات. هي أيضًا صراعات دائمة، ما يعني أن ما نسميه «الثقافة» في أي مجتمع، وفي أي وقت، هي ببساطة لقطة آنية ضمن سلسلة لا نهائية من الصور المتغيرة بحسب تغير الصراع على السلطة والموارد والمعايير والأفكار والهويات. الأفضل أن نتذكر أن الصراع الكامن –هذه الصور الثابتة الكثيرة عبر الزمن– هو صراع قائم ودائم، الأمر الذي يدعونا دوما للبحث عن مصادر التغيير، وهو ما يسمح بشنّ نضال ضد الهيمنة الثقافية، لا سيما في اللحظات التي يبدو فيها أن خسارة الصراع أضحت مؤكدة.

من بين الصراعات المؤسِسة في المنطقة العربية، أركز على صراعين: كيفية رؤية العرب للتحديث، وكيفية رؤيتهم لـ«الغرب». أحاجج بأن طريقة رؤية العرب لهذين السؤالين لها أثر حاسم على أولويات اللاعبين السياسيين، وتداعيات مباشرة على حقوق الإنسان.

مسألة  الغرب

في «الاستشراق» قال إدوارد سعيد أن «الشرق» أو تأسيس مفهوم ما يُسمى «الشرق»، كان جزءً لا يتجزأ من بناء أوروبا لصورتها الذاتية.[2] بالمثل، تقترح هذه الورقة أن «الغرب» أو بناء مفهوم ما يُسمى الغرب، كان جزءً لا يتجزأ من بناء العرب لصورتهم الذاتية. استغرقت عملية البناء وقتًا، وامتدت عبر نزاع مطول، كما خضعت لتحولات مهمة عبر أكثر من قرنين.

أثناء النصف الأول من القرن التاسع عشر، شكّل افتتان العرب بالقوى التكنولوجية والعسكرية والتنظيمية لأوروبا الغربية تعريفهم لـ«الغرب». امتد الصراع بين العرب حول ما يمكنهم فعله مع الغرب: ما يجب تقليده ومحاكاته ونقله، وما ينبغي تجنبه. خلال تلك الفترة هيمن «الليبراليون الأوائل» على السردية الخاصة بالغرب، وتبنوا تعريفًا واسعا، إلى حد ما، لما يجب تقليده، بما يتضمن جوانب من الفكر الديني.[3]

المرحلة الثانية –من منتصف القرن التاسع عشر إلى الحرب العالمية الأولى– شهدت تزايد الخوف من الأطماع الاستعمارية الغربية وامتدادها لما بعد الجزائر (المحتلة بالفعل منذ 1830). في ذلك الحين، ومع استمرار الافتنان بالغرب رغم تزايد الخوف منه؛ اعتمدت النخب في المنطقة العربية استراتيجيات للتقليد السريع للمبتكرات الغربية، بما يمكنهم من مواجهة النزعة التوسعية الأوروبية. تباينت تلك الاستراتيجيات، ففي حين ركّز عبد القادر الجزائري على التعبئة العسكرية والمواجهة المسلحة اقترانًا بالإصلاحات التنظيمية والتقنية، اعتمد خير الدين التونسي على إدخال إصلاحات سياسية وتنظيمية في تونس وفي العاصمة العثمانية نفسها لإبعاد الخطر الغربي. بينما حاول حكام المغرب ومصر وتونس بناء تحالفات مع القوى الأوروبية المتنافسة في محاولة لموازنة نفوذ الواحدة بالأخرى. كل تلك الاستراتيجيات باءت بالفشل؛ فبحلول 1918 كانت جميع الأراضي العربية قد خضعت –بشكل أو بآخر– للسيطرة الأوروبية.[4]

في الفترة اللاحقة، بين 1918 و1950، اتخذ الصراع الثقافي والفكري بشأن «المسألة الغربية» منعطفًا حادًا. شهدت تلك الفترة انتشار مفهوم «سقوط الحضارة الغربية»، المستقى من مصادر عدة؛ على جانب، تسببت مذابح الحربين العالمية الأولى والثانية، وما تسببت فيه من دمار بشري واقتصادي وعسكري واجتماعي، في زلزلة الاعتقاد بصحة المزاعم الغربية بتفوقها القيمي والمؤسسي. استمر هذا الاعتقاد في التوسع والانتشار داخل أوروبا وخارجها، بما في ذلك في مستعمراتها، وترافقت معه المراجعة النقدية للخطابات المؤسسة لمفاهيم الحداثة و”التقدم”. على الجانب الآخر، أسهم تقوض الإمبراطوريات الغربية وضعفها، وظهور جيل جديد أكثر ثقة من القوميين العرب، في انتشار مفهوم «سقوط الحضارة الغربية». كما أن اتفاق سايكس بيكو سيئ السمعة، ودور الإمبراطوريات الأوروبية في إسقاط عصبة الأمم ووعودها بنظام دولي قائم على قواعد ثابتة، ثم تمكين الحركة الصهيونية وتبني خطة التقسيم عام 1947 بالأمم المتحدة، وتأسيس دولة إسرائيل والنكبة الفلسطينية في 1948. كل ذلك أسهم في اعتماد النخب العربية تعريفًا أكثر عداوة لـ «الغرب»، يمثل رغبتهم في تحديه والنأي بأنفسهم عنه. هذه هي الفترة التي شهدت انبعاث الحركة الإسلامية والقومية ذات الطابع العرقي واكتسابهما الزخم. ومن ثم حين دعا طه حسين المصريين للتخلي عن فكرة اختلافهم الجذري عن الأوروبيين والنظر بدلا من ذلك الى الموروث الثقافي المشترك بينهم، فُهمت دعوته باعتبارها تدعو للتخلي عن الذات وتبني الثقافة الغربية، لا باعتبارها دعوة لعالمية قيم الحداثة.[5]

ومنذ الخمسينيات، دفعت السردية المهيمنة عن الغرب باتجاه دمج جميع المجتمعات الغربية في صورة كيان واحد، إمبريالي، ترغب في السيطرة على المنطقة العربية ومواردها، ومنع العرب من تطوير أنفسهم والوقوف على أقدامهم. هذا الغرب المتصور هو غرب «لاتاريخي»، فغرب العالم المعاصر هو الغرب نفسه الذي قاد الحملات الصليبية، وهو نفسه الإمبراطورية الرومانية التي احتلت مصر وفلسطين، وهلم جرا.[6] يشمل هذا التعريف أيضًا تعريفًا لـ «الثقافة الغربية» باعتبارها ثقافة مادية، تفتقر إلى الروحانية، وفي أغلب الأحيان منحلة أخلاقيًا ولا تتحلى بالشهامة أو التضامن، وتهيمن عليها الأنانية والانسياق وراء رغبات الجسد وحساب المصالح بشكل بارد؛ في مقابل الدفء الإنساني والتضامن الاجتماعي الذي تحض عليه «الثقافة العربية». يمكن تلخيص هذه السردية في مقال سيد قطب سيئ السمعة، الصادر عام 1951، «أمريكا التي رأيت».[7]

هناك عدة تغيرات أسهمت في انتشار، ومن ثم هيمنة وانتصار، هذه السردية. أولًا، صعود الطبقات الوسطى والدنيا والطبقات الريفية عبر المنطقة، برؤيتهم المحافظة للعالم التي تشكك في ثقافة الحضر وما يرتبط بها من اختلاط بالأجانب والقوى الاستعمارية المهيمنة. ثانيًا، صعود القومية العربية الراديكالية – المتسمة بنكهة عرقية غالبًا– أثناء الخمسينيات والستينيات. وثمة تغير ثالث متمثل في صعود الاتحاد السوفيتي والصين واليابان كقوى عالمية، والذي قدّم للعرب نموذجًا للتحديث مضادًا للغرب. أدى هذا على ما يبدو إلى خفض ثمن معارضة القوى الغربية؛ بما أن رفض التحديث الغربي أصبح لا يستتبعه بالضرورة نفي فرص التحديث العربي، فيما بدا وكأنه رابطة عالمية لمعارضي الغرب. وأخيرًا، منحت السياسات الإمبريالية الأمريكية في المنطقة، من قلب حكومة مصدق الشعبية في إيران، إلى احتواء ناصر في مصر، وحتى احتلال العراق في 2003، دفعة قوية لصعود هذه السردية. فتواطؤ الحكومات الغربية في هذه السياسات، وكذا إخفاق ليبراليو الغرب في التأثير على حكوماتهم، أسهم في حسم رؤية العرب لـ«المسألة الغربية» لصالح هيمنة هذه السردية العدائية اللاتاريخية.

إسهامات إدوارد سعيد وتلاميذه حول المركزية الأوروبية والإمبريالية الثقافية والأصالة الثقافية عززت من السردية المعادية للغرب. قدم سعيد إسهامه في سياق تفكيكه للسرديات الأدبية الكبرى حول «الشرق»، وكشف علاقات القوة التي يتضمنها إنتاج المعرفة عن المنطقة العربية. لكن الصراع السياسي المحيط بحججه –وهو جزءً من الصراعات الثقافية الأمريكية– لم يفسح المجال للتمييز الدقيق بين ما يطرحه سعيد من تفكيك لفكرتي الشرق والغرب وبين الأطروحات الأخرى التي تعتمد على تكريس هذين المفهومين. وفي مواجهة الهجمات الشديدة عليه، اتسمت ردود سعيد أحيانا بتكريس مفهوم الغرب اللاتاريخي – عكس فرضياته الأولى. فما بدأ كنقد لـ «نوع معين» من البحث الأكاديمي الاستشراقي؛ تحول في النهاية لقطيعة ورفض تام مع كل الميراث المعرفي للمستشرقين. وما بدأ كنقد للإمبريالية الغربية تحول في النهاية –لا سيما على أيدي تابعي سعيد من مدرسة ما بعد الكولونيالية– إلى رفض لـ«الغرب». المدهش أن «استشراق» إدوارد سعيد – الذي هو في أساسه تفكيك لسردية كبرى حول “الشرق” – تحول إلى سردية كبرى جديدة، تم توظيفها بنجاح لخلق «نظم حقيقة» جديدة تُقارن بتلك التي استهدفها سعيد بتحليله. سعيد نفسه عارض الاستخدامات القومية والإسلاموية لنظرياته، وحاول في فترة متأخرة من حياته التحذير من التوجهات الجامدة الجديدة نحو الغرب (بل وحتى نحو الإسرائيليين).[8] لكن ذلك الجزء –الأكثر مراعاة للدقة في مقاربة سعيد– اختفى بعد وفاته. في النهاية، منحت كتابات سعيد القوميين والإسلامويين ذخيرة فكرية وسياسية لدعم سردياتهم حول الغرب، وانتشرت تلك السرديات في دوائر دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية، وفي المقاربات الناقدة في الجامعات وخارجها، بما يتضمن أوساط نشطاء الحركات الاجتماعية المعنيون بالمساواة بين الجنسين ومناهضة العنصرية. في الوقت الحالي، أصبحت هذه السردية المعادية واللاتاريخية عن «الغرب» مهيمنة في المنطقة العربية، من اليسار إلى اليمين.

تعريف التحديث/النهضة

تقترح هذه الورقة فكرة مفادها أن التحديث[9] –أو «النهضة»– كان سؤالًا أساسيًا عند العرب منذ أواخر القرن الثامن عشر. ورغم وجود استثناءات قليلة في مناطق هامشية؛ سعت النخب العربية والحكام العرب بنشاط إلى التحديث/النهضة قدر الإمكان. لا يوجد اتفاق على معنى التحديث/النهضة أو محتواه أو أسسه أو نطاقه. كل ذلك كان عُرضة لصراعات شرسة ومطولة (واقترنت بالصراع على العلاقة مع الغرب). في النهاية، فإن الرغبة في التحديث/النهضة كانت قوية بلا شك، وتشاركتها مختلف الأطراف، بما يشمل النخب وفي مراحل لاحقة الإسلامويين.[10] لكن السردية حول معنى التحديث/النهضة تغيرت على مر الزمن، ومن ثم تغيرت أولويات اللاعبين السياسيين.

لأغراض التحليل، يمكن تقسيم هذا الصراع حول تعريف التحديث/النهضة إلى تصورين عامين. الأول يعتبر التحديث والنهضة بالأساس سلسلة من المبتكرات التقنية والعلمية والتنظيمية، تُمكن الدولة والمجتمع من بناء نظم عسكرية وإدارية واقتصادية وتكنولوجية قوية تلبي احتياجات الشعب، وتكتسب القدرة على النمو الذاتي والاستمرارية. هذا التصور التقني اعتنقه الحكام العرب والمسلمون منذ القرن التاسع عشر. كما اعتمده المحافظون من النخب والداعمون للإسلام السياسي بدرجات متفاوتة.[11] التصور الآخر للتحديث/النهضة يؤطر هذه المبتكرات بصفتها محمولة على أكتاف تحولات فكرية واجتماعية مثل الانعتاق الانسانيي والفردية في العلاقات الاجتماعية.

ويعني الانعتاق الانساني تحرير الفكر البشري من السلطات الخارجة عنه، مثل المؤسسات الدينية والتفسيرات المهيمنة للنصوص المقدسة والسلطات السياسية أو التقاليد الاجتماعية والطبقة؛ إذ فقدت كل هذه المؤسسات مشروعيتها في الحد من حرية الفكر –على مر الوقت، وبدرجات متفاوتة. بينما تشير الفردية إلى تحول العلاقات الاجتماعيةبحيث يصبح الفرد أساس تنظيم المجتمع –لا الأسرة أو العشيرة أو أي وحدة بشرية أخرى ينتمي إليها الفرد. أدى هذا لربط المسئولية القانونية بالفرد، لا بعائلته أو “جماعته” – ومن ثم تآكل مشروعية العقاب الجماعي. كما يؤدي هذا للإقرار بحقوق الفرد ومنحها الأولوية على حقوق الجماعة. هذه التحولات الفكرية والاجتماعية خلقت بيئة تسمح بالابتكار العلمي والتنظيمي وتُحولها لحقائق مؤسسية راسخة. هذه التحولات أيضًا منعت التحديث من التحول إلى ديستوبيا تمضي الجموع فيها عمياء تحت وطأة أصحاب النفوذ وتخدمهم.[12] هذا التصور الإنساني للحداثة اعتمده الليبراليون العرب الأوائل، الذي تمتعوا بموقع مهيمن في مجتمعاتهم حتى مرحلة ما بين الحربين العالميتين.

لم يكن انحدار الهيمنة الليبرالية أمرًا مفاجئًا، فرغم الوضع المهيمن لهذه الفئة، كان موقعها في المجتمع هشًا وعرضة للمنازعة. على جانب، كانت هذه الفئة في خلاف مع النخب المحافظة وعموم السكان، الذين اعتبروهم رجعيين وبحاجة للتكيف مع العالم الحديث. ولتجاوز معارضة المحافظين وتشكك الجماهير، اعتمد الليبراليون على السلطة القمعية للحكام العرب. وهم الحكام أنفسهم الذين عارضوهم لإحجامهم عن إدخال إصلاحات دستورية ضرورية لبناء دولة حديثة. هذه العلاقة المتناقضة مع الحكام القمعيين أضعفت مصداقية الليبراليين، وتركتهم عُرضة لتقلبات مزاج الحكام. كما عقّد التوسع الاستعماري الغربي موقفهم أكثر؛ إذ عارضوا المحتل وتحالفوا معه في آن واحد. كما أن الموقف المهيمن لليبراليين جعلهم رمزًا للنظام القائم، وإن لم يكونوا بالضرورة حائزين على القوة أو الموارد التي تُمكّنهم من قيادة الوضع القائم. ففي حين سيطر الليبراليون على الكثير من الموارد الاقتصادية والمعنوية، فإن امتيازاتهم خضعت لأهواء الحكام. فحينما انقلب عليهم الحكام وسعوا للتحالف مع المحافظين الأكثر ولاءً –وأحيانًا مع القوميين الراديكاليين الذين خدموا كقوة ضد الضغوط الغربية على الحكام– سرعان ما تعرض الليبراليين العرب للتهميش. أصبح بعضهم أكثر اعتمادًا على المحتل الأوروبي، ما أدى لترسيخ سقوطهم من مرحلة الهيمنة. في النهاية، عندما ثارت الأغلبية، نحّت تلك القوى الليبرالية جانبًا؛ إذ اعتبروها في قلب النظام الذي استغلهم وهمّشهم.

لا يعني هذا أن جميع النخب الليبرالية العربية قد اعتنقت رؤية إنسانية تمامًا للتحديث. في واقع الأمر، تشارك العديد منهم مع الحكام والمحافظين في رؤية تقنية للعالم الحديث. في عام 1938، في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر»، اشتكى طه حسين مر الشكوى من أن أغلبية النخبة الليبرالية في مصر تتقلد مظاهر وتقاليد الحداثة دون فهم أصولها الفكرية والتنظيمية. إلا أن هذه النخب كانت حاضنة لرؤية إنسانية للتحديث، وسقوطها في منتصف القرن العشرين، كان يعني هيمنة التصور التقني للحداثة حتى يومنا هذا.

إنّ هيمنة الرؤية التقنية للتحديث/النهضة وفكرة أن «الغرب» كلٌ واحد معادٍ، هما فكرتان تعزز إحداهما الأخرى. بموجب هذه الرؤية المهيمنة، أصبح الانعتاق الإنساني والفردية جزءً من الموروث الثقافي الغربي، وليس مكونًا للأسس العالمية الضرورية للحداثة. وكجزء من الموروث الثقافي لقوى إستعمارية عدائية، فإن مجرد اعتناق رؤاها أو الدفاع عنها في العادة يعتبر اغتراب عن الذات أو خيانة للأمة. وكما سبق التوضيح، فإن هذه السردية لا تقتصر على الإسلامويين، وإنما أصبحت مشتركة بين القوميين العلمانيين وأغلب قوى اليسار، والليبراليين أيضًا.[13] باختصار، فإن الرؤية التقنية عن التحديث/النهضة صارت السردية المهيمنة بشأن الحداثة في المنطقة العربية.

السرديات المهيمنة والأولويات السياسية: «لا صوت يعلو على صوت المعركة»

تُشكّل هيمنة هذه السرديات أولويات اللاعبين السياسيين العرب عبر مسارات مهمة، إذ تضع أولوية التنمية والدفاع عن الأمة قبل الحقوق والحريات.

النهضة قبل الحقوق

أي شخص شارك في الانتفاضة المصرية أو تابعها عن كثب يُرجح أن يكون قد صادفه أحد رجال السياسة ممن راحوا يشرحون «الحاجة للتضحية بجيل أو جيلين لإعادة بناء الدولة»، أو أكد أنه «ليس عندنا رفاهية الانقسامات السياسية» أو طالب بـ «اصطفاف جميع القوى الوطنية» وراء هذا أو ذاك، أو عارض مناقشة حقوق الإنسان لأنها «ليست أولوية». تكررت المقولات من هذا النوع من الإسلامويين واليساريين والليبراليين والقوميين، من نشطاء وقيادات.[14] تم استخدام هذه المقولات لتبرير قمع حرية التعبير والحريات الدينية والحق في التجمع وتكوين الجمعيات، لا سيما حينما مارست تلك الحقوق فئات لم تتمتع بالشعبية، مثل المجموعات النسائية، والعمال، ومغايري الهوية والميول الجنسية من مجتمع الميم، والأقباط والبهائيين. اعتمد الإخوان المسلمون هذه المواقف بين 2011 و2013، ثم اعتمدها القوميون والليبراليون الذين اصطفوا وراء الجيش بعد ذلك.

إن سمو النهضة على ما غيرها من القضايا مسألة أكبر من مواجهة التحديات الاقتصادية.[15] فهي إشارة إلى الحاجة لدولة قوية تمتلك مؤسسات قادرة على العمل واقتصاد مزدهر يلبي احتياجات السكان وينمو، وكذلك توفير الخدمات مثل التعليم والصحة والإسكان والمواصلات. هذا هو التعريف السائد للتنمية/التحديث الذي لا يُفسح مجالًا يُذكر لحقوق الإنسان.

بحلول 2011، أدرك الكثيرون من العرب أن نُظمهم كانت عاجزة عن تحقيق ذلك الحلم، ثم جاءت الانتفاضات العربية. خرج الناس للشوارع لاستبدال نظمهم الفاشلة بنظم قادرة على العمل لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها والاقتصاد والخدمات، وليس لحماية الحقوق الفردية وحقوق الأقليات. عندما عبرت الأغلبيات العربية عن دعمها للديمقراطية، فقد فعلت هذا أملةً في أن تساعدها الديمقراطية لتحقيق ذلك الهدف. منذ التسعينيات، سوّقت المعارضة السياسية في المنطقة العربية للديمقراطية باعتبارها علاجًا لإخفاق النظم، فهي تضع ضوابط وموازين لمنع إساءة استخدام السلطة، وتدفع بالمحاسبة في مواجهة الفساد المنتشر، وتشمل انتخابات تجلب قادة ممثلين لمصالح الجماهير لا للمصالح الشخصية، إلخ.[16] حتى 2011، كان الرأي الغالب حول الديمقراطية هو تبنيها انطلاقًا من منطلقات وظيفية، مثل حال الرأي السائد حول التنمية والتحديث أو النهضة: أي أن الديمقراطية أداة لتحقيق النهضة المنتظرة التي أخفقت النظم السلطوية في تحقيقها. وعندما اكتشف المصريون ثم التونسيون أن الديمقراطية ليست بالضرورة دولة أقوى بمؤسسات مُحسّنة، أو اقتصاد وخدمات أفضل، تخلى الكثيرون عنها وهرعوا عائدين لفكرة «المستبد المستنير».

إن التنمية أو التحديث/النهضة في معناها الوظيفي التقني هي ما يحلم به العرب. تحقيقها –وليس انعتاق الانسان أو احترام الحقوق الفردية– هو الأولوية. واللاعبون السياسيون –سواء من الإسلامويين أو القوميين أو اليسار أو الليبراليين وكذلك الأغلبيات التي يمثلوها ومن يدعموهم– يرون جميعًا أن الحقوق الفردية تحتل المرتبة الثانية بين الأولويات، على أفضل تقدير.

الصمود قبل الحقوق

هيمنة سردية «الغرب» ككيان موحد وعدائي، مع رفض عالمية القيم والثقافة الحديثة، فضلًا عن التخندق في مفهوم «الأصالة الثقافية» أو «الخصوصية الثقافية» والحاجة للدفاع عنها أمام الغرب المتمدد، هي مسألة شكلت أولويات الفاعلين عبر عدة طرق.

أولًا، وربما الطريقة الأوضح، هي منح الأولوية لدعم «الصمود والمقاومة» على أي أمر آخر، بما يشمل حقوق الإنسان. هي أولوية تفسر دعم اللاعبين السياسيين وبينهم الليبراليين لسوريا الأسد، وحزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين والجهاد الإسلامي، بل وحتى منح الدعم لطالبان في حربها ضد الولايات المتحدة. كيف يمكن تفسير هذا؟ الإجابة واضحة: جميع هؤلاء اللاعبين يقفون في مواجهة أمريكا و«العدوان الغربي» على «أمتنا»، سواء كانت «أمتنا» تشير إلى العرب أو المسلمين أو المصريين أو الشعوب المهمشة والمقهورة عموما.

ثانيًا، يجعل هذا التصور اللاعبين السياسيين العرب أقل قابلية –وغير مستعدين على الإطلاق أحيانًا– لتمويل المدافعين عن حقوق الإنسان. بينما يسعد جميع مجموعات ونشطاء المعارضة بتلقي المساعدة من جانب المدافعين عن حقوق الإنسان عندما تُنتهك حقوقهم، ويسعدهم رؤية هذه المجموعات تنتقد خصومهم؛ فإن هذا لا يُترجم لدعم حقيقي، يُعرف بالالتزام المالي، لهؤلاء المدافعين. إنما يتوقعون من المانحين الغربيين تسديد الفاتورة. لماذا؟ لأنهم يعتبرون حقوق الإنسان شأنًا غربيًا بالأساس، بناءً على قيم غربية، وهو جزء لا يتجزأ من أجندة «العولمة الغربية». اللاعبون السياسيون العرب قد يقفون أحيانًا على جانب المُستقبِل لهذه الأجندة، وهذا يناسبهم حين يحدث، لكنهم لا يعتبروها أجندتهم.

ثالثًا، هيمنة السردية المشككة في الغرب تتضمن التشكيك في ولاء المدافعين عن حقوق الإنسان، بما في ذلك التفكير فيهم أحيانًا كـ«طابور خامس» للغرب. يقترن هذا برفض مطلق لـ«التدخل الأجنبي» باسم حقوق الإنسان، واعتبار الانتقاد الخارجي لانتهاكات حقوق الإنسان العربية أداة سياسية يستخدمها الغرب كوسيلة لممارسة الضغوط على الدول العربية والإسلامية. إن السردية المهيمنة حول الغرب تجعل هذا الموقف مُغرٍ سياسيًا ومثمر. لا عجب أن كل مجموعة سياسية قائمة اعتمدته في وقت من الأوقات، بما يتضمن ضحايا القمع الذين عبّروا –من داخل زنازين السجون– عن معارضتهم لـ«التدخل الغربي» و«مجموعات المعارضة خارج البلاد». من الطبيعي إذن أن يحرم هذا المدافعين عن حقوق الإنسان من أحد أقوى السبل المتاحة للضغط، مع تقويض قاعدة دعمهم داخل البلاد.

التداعي الرابع، وربما الأكثر خطورة، لهذه السردية المهيمنة المعادية للغرب هي أنها تلقي بظلال الشك على قابلية تطبيق حقوق الإنسان على العرب من الأساس. إذا كانت مبادئ حقوق الإنسان تعكس «الثقافة الغربية» وليست قيمًا عالمية، إذن من المنطقي أن يحدد العرب حقوقهم بأنفسهم، بشكل يعكس ثقافاتهم وقيمهم. من هذا المنظور، يعد الدفاع عن عالمية حقوق الإنسان صنفًا من صنوف الإمبريالية الثقافية والاغتراب. وفي ظل غياب فهم متفق عليه لماهية الأصالة الثقافية العربية وما يميزها عن الثقافة الغربية، فمن الممكن أن تصبح أية ممارسة ثقافية بمثابة حق وتكتسب المشروعية. على سبيل المثال، قد يصبح ضرب الزوجات «دون إيذائهن جسديًا لكن فقط لإهانتهن وكسر شوكتهن»،[17] كما قال شيخ الأزهر، جزءً من تلك الأصالة والخصوصية الثقافية. الشيء نفسه بالنسبة للحقوق الشخصية والفردية.[18] حتى مفهوم المساواة في الحقوق –عندما يتصادم مع الهوية الدينية– يصبح مسألةً مطروحة للنقاش.[19] أي باختصار، أي لاعب سياسي أو اجتماعي يمكنه رفض أي بند من بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان باستخدام حجة «الخصوصية الثقافية» عندما يتعلق ذلك البند بحقوق سياسية أو اجتماعية أو شخصية. من ثم، عندما يتصادم أي من هذه الحقوق مع أولويات اللاعبين السياسيين، أو يتصادم مع أولويات جمهورهم، يجد ذلك اللاعب من السهولة –بل من المفيد سياسيًا حتى– التضحية بهذا الحق.

خيارات المدافعين عن حقوق الإنسان

ليس بإمكان المدافعين عن حقوق الإنسان تغيير السرديات المهيمنة عن الغرب أو التحديث/النهضة، ومن ثم لا يمكنهم تغيير أولويات اللاعبين السياسيين العرب. بطبيعة الحال، هذه الخلافات جارية، وربما من الممكن –بل من المهم– مناوئة هذه السرديات المهيمنة. يحاجج الكثير من المحللين بأن التوجه العام لعملية التحديث يجعل هذه السرديات المهيمنة غير مستدامة. على ذلك، سيكون من غير المناسب سياسيًا أن ننتظر ونتوقع تغيرًا كبيرًا في أولويات الأطراف السياسية العربية في المستقبل المنظور. إذا قبلنا هذه الحقيقة القاسية، سيصبح السؤال: كيف يمكن الدفاع عن حقوق الإنسان في ظل هذه السرديات المهيمنة وما يُنتج عنها من أولويات؟

بشكل عام، هناك استراتيجيتان متمايزتان. تعتمد الأولى على عالمية حقوق الإنسان وقيمها، بينما تسعى الأخرى للتوفيق بين هذه الحقوق والقيم، ومقتضيات «الخصوصية الثقافية» للوصول لحل وسط.

حماية العالمية

هذه الاستراتيجية تسعى لحماية عالمية حقوق الإنسان وما ورائها من معايير، وتجعل احترام حقوق الإنسان المقياس الذي يُقاس إليه كل سلوك سياسي. تندد بانتهاك الأطراف السياسية هذه المعايير بغض النظر عن مدى قربهم من حركة حقوق الإنسان. في حقيقة الأمر، تتطلب هذه الاستراتيجية من المدافعين الامتناع عن دخول تحالفات سياسية، والابتعاد عن أي أطراف سياسية، بما يتضمن من تزعم مناصرتها للديمقراطية (نظرًا لنزوعهم للانحراف عن المعايير العالمية حينما تتصادم مع آرائهم عن النهضة أو «الصمود»). بدلًا من ذلك، يركز المدافعون حصرًا على قضايا حقوق الإنسان مع تجنب التورط في صراع سياسي على الحكم. بشكل من الأشكال، تحاكي هذه الاستراتيجية ممارسات اللجنة الدولية للصليب الأحمر المتصلة بالقانون الدولي الإنساني والنزاعات المسلحة، لكن بشكل أكثر ايجابية.

في هذه الاستراتيجية، يواصل المدافعون عن حقوق الإنسان عملهم الهادف للتوعية ورصد السلوكيات والعمل مع الأطراف المختلفة لتحسين الالتزام ومنع معاودة ارتكاب الانتهاكات. كما يشتبكون في صراع على الخطاب حول عالمية مبادئ وقيم حقوق الإنسان وما يتصل بها بسرديات النهضة والخصوصية الثقافية و«الغرب». بمعنى آخر، هم يشتبكون مع السرديات المهيمنة في المنطقة العربية وآثارها على أولويات الأطراف السياسية المختلفة.

مخاطر هذه الاستراتيجية واضحة. فهي تربط فعالية الدفاع عن حقوق الإنسان بانتشار عالمية المبادئ والقيم في المنطقة العربية. ومن ثم فهي تتضمن خطر «حبس» المدافعين عن حقوق الإنسان في وضعية الأقلية، ما يفاقم من عزلتهم عن التوجهات السياسية والاجتماعية القوية في المنطقة. قد يتسبب ذلك في تقويض جهودهم لتحقيق انتصارات واضحة –تغيرات ظاهرة في السياسات العامة وسلوك الأطراف السياسية– وهو أمر سيئ لمعنويات المدافعين، وقدرتهم على حشد التمويل.

التماس حل وسط

هناك نسختان من استراتيجية «الحل الوسط». الأولى تعتنق «الخصوصية الثقافية» وتسعى للتوصل لتعاريف لحقوق الإنسان متسقة مع هذه الخصوصية. هذه النسخة تعتنقها العديد من المنظمات النسائية الساعية لتعزيز حقوق المرأة «الأصيلة». وترفض النسخة الثانية نسبية حقوق الإنسان، وتسعى للتفاوض على حل وسط مع الأطراف السياسية والاجتماعية. هذا ما يحاول المدافعون عن حقوق الإنسان حاليًا فعله مع طالبان. النسختان لهما الهدف نفسه: تعزيز احترام حقوق الإنسان على الأرض، وإشراك الأطراف بأشكال تدفعهم لتطوير مواقفهم بشأن مسألة الحقوق.

هذه النسخة وتلك من «الحلول الوسط» تستخدم الحجج نفسها. في النسخة الأولى، فإن جسامة انتهاكات حقوق الإنسان تعني إمكانية حدوث تحسّنات كثيرة دون –أو قبل– التصدي للقضايا الأكثر ارتباطًا بالقيم العالمية. هكذا حصلت النساء المصريات على حق الطلاق (باستخدام رخصة الخلع من النصوص الإسلامية) وكيف سُمح لبعض النساء والفتيات الأفغانيات بالعودة للمدرسة تحت حكم طالبان. في الحالتين، حمت هذه الاستراتيجية حقوق ملايين النساء بينما أخفقت استراتيجيات أخرى. فيما يخص النوع الثاني من الاستراتيجية، فهو يتضمن دفع الأطراف المترددة للعثور على إجابات لأسئلة يتجنبوها. هذا التفاعل مع المدافعين في حد ذاته، يطور فهمهم لحقوق الإنسان. هكذا تطورت مواقف الإخوان المسلمين في مصر تاريخيًا إزاء حقوق الإنسان.

مخاطر هذه الاستراتيجية واضحة بالقدر نفسه؛ إذ تضفي المشروعية على مواقف غير مشروعة أو تجمّد فهم نسبي لحقوق الإنسان بدلًا من مكافحة هذه الأمور. بهذا تخاطر تلك الاستراتيجية بموافقات نهائية على مكتسبات قابلة للانتكاس، ما يؤذي في النهاية قضية عالمية حقوق الإنسان. أي أنها تخاطر بالتضحية بالمكتسبات طويلة الأجل مقابل المكتسبات قصيرة الأجل التي قد لا يطول مفعولها أساسًا.

على سبيل الختام، فإن دعم حقوق الإنسان في المنطقة العربية اتضح أنه أضعف مما كان يفترض الكثيرون قبل الانتفاضات العربية. أصبح هذا واضحًا حينما صدّق اللاعبون السياسيون على انتهاكات حقوق الإنسان، وبرروا لها تحت اسم الوطنية والدين والقومية –وأحيانًا حتى تحت لواء حماية الحرية. إن التيارات الفكرية والثقافية العميقة تؤطر أولويات الفاعلين في اتجاهات تقوّض من الحقوق والحريات. تركز هذه الورقة على الصراعات الثقافية العربية العميقة وأثرها على هذه الأولويات. وعلى وجه التحديد، فهي تشير لهيمنة سردية معايدة للغرب وتخندق هوياتي يرفض عالمية القيم التي تنهض عليها حقوق الإنسان. وكذلك تشير الورقة لهيمنة نسخة تقنية من التحديث/النهضة تركز حصرًا على جانبها المادية دون مهادها الإنساني –أي خلاص البشر والفردانية– التي تقدمها كثقافة تخص الغرب العدواني. إن هيمنة هذه السرديات يرتب أولويات الفاعلين السياسيين والاجتماعيين بأشكال تقوض من حقوق الإنسان، ويمنح الأولوية للتحديث المادي والتنظيمي على أساس حقوق الإنسان والقيم التي تنهض عليها. كما تتيح غطاءً لدعم من يزعمون حماية الأمة من المخططات الغربية، ويشككون في عالمية حقوق الإنسان وما تنهض عليه من قيم ومن يدافعون عنها.

هذا كله يحد من الخيارات المتاحة للمدافعين عن حقوق الإنسان ويضطرهم لاتخاذ خيارات صعبة. الإصرار على عالمية حقوق الإنسان والقيم التي تنهض عليها هو الموقف الأكثر اتساقًا والأكثر التزامًا من الناحية الفكرية والأخلاقية. لكنه أيضًا اختيار يثير أسئلة صعبة حول فعالية جهود حماية حقوق الإنسان في المنطقة. على الجانب الآخر، رغم أن التماس الحلول الوسط مع أنصار «الخصوصية الثقافية» ومن ينكرون عالمية حقوق الإنسان يبدو أمرًا أكثر فعالية؛ فهذه الاستراتيجية تثير أسئلة صعبة حول التكلفة طويلة الأجل وما إذا كانت المكتسبات تبرر هذه التوافقية.

على ذلك، لا يوجد سبب لاعتبار هذه الاستراتيجية وتلك متعارضتان تمام التعارض تنفي إحداهما الأخرى. من الممكن للمنظمات التي تتّبع استراتيجية ما التعايش مع المنظمات التي تتبنى الأخرى. من الممكن أيضًا تصوّر منظمة تعتنق مبادئ العالمية لكنها في الوقت نفسه مستعدة لإبداء المرونة في مواقف معينة لتحقيق تحسينات ملموسة. الاعتبارات المهمة هنا هي ألا يتطور اختيار الاستراتيجية لقطيعة داخلية بين المدافعين عن الحقوق، وألا تفقد الحركة الحقوقية الرؤية للحاجة إلى توسيع نطاق فهم عالمية حقوق الإنسان، وهي المبادئ التي تمثل الحقوق جزءً منها.

وأخيرًا، فإن المدافعين عن الحقوق في المنطقة العربية ليسوا وحدهم في هذه الإشكالية. النظراء في الصين والهند وروسيا يواجهون التحديات نفسها تقريبًا، وتنبع من الأسباب نفسها أيضًا. ومن ثم، هناك دروس مستفادة بلا شك من مقارنة الاستراتيجيات وفحص فعالية كل استراتيجية ومخاطرها.

هذا المقال كتب في الأصل باللغة الانجليزية لرواق عربي.

[1] تشير هذه الورقة بمصطلح إسلامويين إلى من يعتبرون الإسلام «دين ودولة» (أي أساسًا لتنظيم الدولة)، ومن يعتبرون مسألة الدولة مسألة عقل عملي وإنساني هم العلمانيون في تعريف الورقة.
[2] سعيد، إدوارد (1978). الاستشراق (Orientalism). نيويورك: بانثيون بوكس. الفصل الأول.
[3] حوراني، ألبير (1970). الفكر العربي في العصر الليبرالي (Arabic Thought in the Liberal Age). مجلة الشئون الدولية 4، 46
[4] روجان، يوجين (2017). العرب: تاريخ (The Arabs: A History). الولايات المتحدة: بيسك بوكس، الفصل الخامس.
[5] حسين، طه (1938). مستقبل الثقافة في مصر (مقتطفات) (The Future of Culture in Egypt’ (Excerpts)). أرشيف مركز ويلسون الرقمي، https://digitalarchive.wilsoncenter.org/document/taha-hussein-future-culture-egypt-excerpts
[6] التعبير الأبسط لهذا التعريف للغرب نجده في: عبد الناصر، جمال (1955). تحرير مصر: فلسفة الثورة. الولايات المتحدة: مطبعة الشئون العامة، ص 38-48.
[7] قطب، سيد (1951). أمريكا التي رأيت. مجلة الرسالة، 959.
[8] للاطلاع على استعراض ممتاز لهذا الجانب من إرث سعيد الفكري، اطلع على: شاتز، آدم (2021). الفلسطينية Palestinianism)). مجلة لندن للكتب, 43 (9). انظر أيضًا مراجعة كتاب برينان، تيموثي (2021). أماكن العقل: حياة إدوارد سعيد (Places of Mind: A Life of Edward Said). بلومزبري.
[9] التحديث أو Modernisation يُفهم هنا باعتباره عملية تتخذ عدة أشكال ومسارات حسب التكوين الاجتماعي محل التحليل، وليس بصفته «نموذجًا مثاليًا» تمثل تجارب التحديث المختلفة على الأرض نسخًا مخففة منه.
[10] مع الاستثناء الواضح المتمثل في الحركة الوهابية، فإن المُنظرين والمنظمين الإسلامويين عطفوا نحو تفسير حديث للإسلام والحكم السياسي.
[11] دي بيلاجو، كريستوفر (2018). النهضة الإسلامية: الصراع الحديث بين الإيمان والعقل (The Islamic Enlightenment: The Modern Struggle Between Faith and Reason). المملكة المتحدة: فينتيج، الفصول الأول والثاني. بالنسبة للإسلاميين المبكرين: انظر حوراني، ألبير (1970). المرجع السابق، صفحات 103-192. وبالنسبة لمناقشة محددة حول حسن البنا وعلاقة جماعة الإخوان المسلمين بالتحديث، انظر: فيشر، عز الدين (2013) تمدد التطرف (Mainstreaming Radicalism). في جورج جوفي (المحرر)، تطرف الإسلاميين في أوروبا والشرق الأوسط. (Islamist Radicalisation in Europe and the Middle East). مكتبة العلاقات الدولية، لندن: آي بي تورس.
[12] للاطلاع على تحليل بسيط وواضح وحاد بهذه التحولات، أنظر جيدنز، انطوني (1990). عواقب الحداثة (The Consequences of Modernity). سـتانفورد، كاليفورنيا: دار جامعة ستانفورد.
[13] من المدهش، والكاشف في الوقت نفسه، مقارنة «أمريكا التي رأيت» لسيد قطب بـ «الرحلة: أيام طالبة مصرية في أمريكا» لرضوى عاشور (1983)، والتي صدرت عن دار الآداب في بيروت. https://www.bookleaks.com/files/ketab/ketab2/139.pdf
[14] لا أعرف مصدرًا واحدًا انحاز ضد هذه المقولات. يمكن للقراء الذين لم يختبروا الانتفاضة المصرية بأنفسهم مراجعة حسابات منصات التواصل الاجتماعي والخطب ومقاطع الفيديو للممثلين الأساسيين لهذه الأطراف السياسية.
[15] انظر على سبيل المثال الباروميتر العربي (2021) بالإنجليزية: https://www.arabbarometer.org/2021/06/fact-sheet-mena-region-economy/
[16] للاطلاع على مثال واضح لهذا النوع من المقولات، أنظر: الأسواني، علاء (2014). الديمقراطية هي الحل: سنوات الثورة في مصر (Democracy Is the Answer: Egypt’s Years of Revolution). جينكو.
[17] حديث شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب (2019). حلقة 26 رمضان «حكم ضرب الزوجة». الفضائية المصرية، 31 مايو. تاريخ الاطلاع 20 أغسطس 2023، https://youtu.be/9aiiS9K4IuE
[18] الوطن البحرينية (2021). “الأزهر” يحذر من المواد الإعلامية التي تستهدف تطبيع الشذوذ الجنسي. الوطن، 4 ديسمبر. تاريخ الاطلاع 20 أغسطس 2023، https://bit.ly/3YZAYEb. يلاحظ أن هذا الموقف كان يُوجِّه الموقف المصري الرسمي حيال القضايا الاجتماعية –لا سيما مسائل النوع الاجتماعي والحقوق الشخصية– في الأمم المتحدة ووكالاتها.
[19] للاطلاع على تقرير موسع: السفارة الأمريكية في مصر (2023). تقرير 2022 حول الحرية الدينية الدولية: مصر (2022 Report on International Religious Freedom: Egypt). https://eg.usembassy.gov/2022-report-on-international-religious-freedom-egypt/

Read this post in: English

Exit mobile version