الإشارة المرجعية: شايتير، أنّا كريستينا. 2025. «الكتابة من أجل العدالة؟ الأدب كوسيلة للتصالح مع الماضي: مجزرة حماة 1982 نموذجًا». رواق عربي، 30 (3): 20-32. https://doi.org/10.53833/GWMU2566.
خلاصة
يمثل التصالح مع الماضي الدموي إحدى الإشكاليات الجوهرية التي تواجه المجتمع السوري في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد. يستهدف هذا المقال تحليل مجزرة حماة 1982، التي ظل الحديث عنها في الفضاء العام السوري مُحرَّما لعقود، باعتبارها مثالًا محوريًا لفهم الحكم الأسدي ونهجه. يتمحور التحليل أوّلًا حول الأثر الاجتماعي والنفسي لهذه المجزرة سواء على المستوى الوطني أو على مستوى مدينة حماة، مُبْرِزا الدور المهم الذي أدته المجزرة في طريقة حكم النظام الأسدي. كذا يُسلط الضوء على ديناميكيات التذكر التي نشأت وتطورت في ظل مناخ عام من الصمت والقمع. كما يسعى البحث، بالاعتماد على نصوص أدبية للكاتبة منهل السراج وشهادات مباشرة لشهود عيان من حماة؛ إلى إبراز ملكة الأدب في خلق فضاءات بديلة للتذكر، خاصةً في ظل أنظمة استبدادية. ويناقش مساهمة هذا الأدب في فتح أفق للتفكير في العدالة الانتقالية والتصالح المجتمعي في مرحلة ما بعد النزاع.
مقدمة
يعد التصالح مع الماضي الدموي إحدى الإشكاليات الجوهرية التي تواجه المجتمع السوري في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد. يركز هذا المقال على المجزرة التي ارتكبها نظام الأسد على مدينة حماة في شباط/فبراير عام 1982 كمثال بارز لعنف النظام السابق وتأثيراته الكثيرة والعميقة على المجتمع السوري. شكّلت هذه المجزرة حدثًا مركزيًا وحاسمًا أثناء حكم عائلة الأسد وساهمت في تقوية سلطته. وعلى مدار عقود، ظل الحديث عنها محرّمًا، ولم تتم مناقشتها أو التعامل معها علنًا إلا بعد سقوط النظام في عام 2024. ورغم مرور أكثر من أربعين عامًا على حدوث هذه المجزرة؛ إلا أن معالجتها لا تزال حتى اليوم أمرًا ضروريًا وأولوية بالنسبة للعديد من الناجين.
ارتكب النظام المجزرة في سياق مرحلة من الاحتجاجات المفتوحة لمجموعات معارضة متنوعة ضد النظام، والتي بدأت تقريبًا عام 1976 وغالبًا ما يشار إليها باسم «فترة الأحداث».[1] آنذاك، كانت مدينة حماة تعتبر معقلًا للمعارضة، لا سيما جماعة الإخوان المسلمين،[2] التي كانت تشكل أقوى قوة معارضة في سورية في أوائل الثمانينيات. مع تصاعد الصراع وزيادة عنفه، وعندما بدأ النظام يرى خطر حقيقي يداهم سلطته؛ عزلت وحدات الجيش (سرايا الدفاع والوحدات الخاصة) مدينة حماة عن العالم الخارجي،[3] ودمرت أجزاءً كبيرة منها، خاصةً الجزء الأكبر من الأحياء القديمة في مركز المدينة.[4] حتى اليوم، لا يزال العدد الدقيق للضحايا غير معروف، وتشير التقديرات إلى مقتل أربعين ألف شخص، غالبيتهم من المدنيين.[5] فيما اعتُقل العديد غيرهم، وظل مصيرهم مجهولًا بالنسبة لأقاربهم لعقود طويلة، وحتى اليوم لا يزال مصير البعض مجهولًا.[6] مجزرة حماة كانت أعنف رد فعل للنظام على الاحتجاجات،[7] وأنهى بها آخر مقاومة علنية كبيرة ضد نظام الأسد حتى ثورة 2011.
إن عدم اليقين بشأن عدد الضحايا يعطي بالفعل انطباعًا بأن المجزرة لم يتم توثيقها أو التعامل معها أبدًا، ويدلل على أنّ الكلام عن حماة كان يعد من المحرّمات. لم تكن هناك معلومات مؤكدة تصل إلى خارج حماة أثناء القتال؛ نظرًا لحصار المدينة من الخارج،[8] كما منع نظام الأسد في الفترة التالية انتشار المعلومات عن المجزرة بشكل فعال للغاية.[9] وفقًا لخطاب الدولة، لم تحدث هذه المجزرة من الأساس، وإنما الأمر كان مجرد عمليات موجهة ضد إرهاب الإسلاميين المتطرفين، أي الإخوان المسلمين.[10] ظلت المجزرة غائبة تمامًا عن السجلات التاريخية الرسمية والخطاب العام لعقود طويلة.[11] وبذلك أصبحت مجزرة حماة من أكبر المحرمات في سورية، وكان الخوض فيها محفوفًا بمخاطر كبيرة. لذلك كان يُشار إلى المجزرة عادةً بشكل غير مباشر على أنها «الأحداث». وحتى رواية النظام لم تُدرج في الكتب التاريخية أو الكتب المدرسية، ولم يتم إحياء ذكراها بشكل صريح في الأماكن العامة. وفيما لم تتوفر للجمهور أي معلومات محددة عن المجزرة؛ أصبحت الخطابات المعادية لجماعة الإخوان المسلمين جزءً لا يتجزأ من الثقافة السياسية وانتشرت في جميع أنحاء سورية على مدى عقود. وهكذا، فإن الذاكرة الجماعية لمجزرة حماة التي رسخها نظام الأسد في سورية كانت تتألف في المقام الأول من تصوير جماعة الإخوان المسلمين على أنها عدو المجتمع بأسره. أصبحت حماة رمزًا للخوف والعنف وإرادة النظام المطلقة للحفاظ على السلطة وتحول اسم المدينة إلى مرادف لمفهوم الصمت.[12]
بينما ظلت المعلومات المحدّدة عن المجزرة حبيسة الصمت لمدة طويلة؛ بقيت ذكرى المجزرة حية مثلما اتضح أثناء الثورة السورية عامي 2011 و2012 حينما تمّ إحياء الذكرى كجزء من السردية المعارضة للمتظاهرين.[13] وأصبح الناجون والضحايا يستحضرون ذكرى المجزرة علنًا في الفضاء العام لأول مرة في كانون الأول/ديسمبر 2024، وخصوصا بمناسبة ذكراها الـ43 في شباط/فبراير 2025.[14] في هذا الإطار، أقيمت لأول مرة احتفالات تذكارية رسمية في حماة، وحظيت ذكرى مجزرة حماة باهتمام متزايد في وسائل الإعلام الوطنية والدولية. أصبح هذا التذكر ممكنًا فقط بعد سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024؛ إذ أتاح غياب الرقابة الصارمة للمرة الأولى فضاءً عامًا للنقاش حول أحداث حماة، وفتح المجال أمام الناجين وذوي الضحايا للتعبير عن رواياتهم وذكرياتهم. هذا الأمر يؤكد أنّ أحداث 1982 لم تُنسَ رغم التابو والصمت في الفضاء العام، وإنما على العكس ظلت الذكرى على مدى العقود الماضية حية للغاية في التواصل الخاص بين أهل مدينة حماة، وتم الحفاظ عليها رغم التحريم. ومن هنا تشكّلت ثقافة خاصة لإحياء تلك الذكرى في المدينة؛ إذ كانت تُحفظ وتُورّث شفويًا بشكل حصري تقريبًا، يمكننا إلقاء نظرة عليها وفهم التأثيرات واسعة النطاق عن طريق مقابلات وحوارات مع شهود عيان وقراءة أعمال أدبية وردت فيها هذه الذكريات والمعلومات المنقولة شفويًا.
إن إجراء نقاش متعمق حول العواقب الاجتماعية للعنف الحكومي الهائل في عهد الأسد –بعدما أتيحت الفرصة أخيرًا– يُمثل تحديًا مركزيًا للمجتمع السوري، وفي الوقت نفسه شرطًا أساسيًا للمصالحة الاجتماعية والعدالة والاستقرار على المدى الطويل. ورغم وجود عدد لا يحصى من جرائم العنف –لا سيما، ولكن ليس حصريًا، تلك التي ارتكبها نظام الأسد– التي يجب معالجتها؛ فإن حماة تكتسب أهمية خاصة، لأن مجزرة عام 1982 تمثل، أكثر من أي حدث آخر، نموذجًا للعلاقة بين العنف والصمت والحفاظ على السلطة.
يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على الآثار التي خلفتها المجزرة على مجتمع مدينة حماة بشكل خاص، وكيفية توظيف السلطة من خلال ذكرى هذه المجزرة، وكيفية تذكرها في ظل ظروف المنع والحظر. وأخيرًا، سيتم بيان مدى قدرة النصوص الأدبية على فتح آفاق بديلة للذكرى والتشكيك في السرد السائد وكيف يمكنها الإسهام في النقاشات المتعلقة بالعدالة الانتقالية.
الإطار النظري والمنهجية
فيما تؤكد النصوص العلمية على أن الأهمية المركزية لمجزرة حماة في الحفاظ على سلطة نظام الأسد؛ إلا أن الديناميكيات الاجتماعية المحدِّدة التي أدت إلى ذلك لم تُبحث بعد بالتفصيل. وينطبق ذلك بشكل خاص على عواقب الأحداث وممارسات التذكر في حماة نفسها، والتي يصعب الوصول إليها بسبب طابعها المحرَّم وغياب الوثائق المكتوبة؛ إلا أنّ هناك بالفعل عدد من الدراسات قد تناول بعض هذه الجوانب، وسعى إلى تسليط الضوء عليها. على سبيل المثال توجد عدة دراسات متعمّقة بشأن دور جماعة الإخوان المسلمين، والتي كانت أحد الفاعلين السياسيين الرئيسيين في سياق المجزرة وفي الفضاء السياسي السوري خلال السنوات التي سبقت المجزرة وأثناءها.[15] وقد نشرت الجماعة في عام 1983 توثيقًا شاملًا للمجزرة تضمّن تصنيفًا أيديولوجيًا للأحداث من وجهة نظرها تحت عنوان حماة: مأساة العصر.[16] كذلك يتمّ وصف دقيق للخلفية السياسية للمجزرة وتفاصيل سير الأحداث في كتاب الباحث هانز-غونتر لوبماير.[17] كما تتناول الباحثة سلوى إسماعيل العنف السياسي باعتباره أحد أشكال الحكم في سورية، إذ تحلل في أحد فصول الكتاب مجزرة حماة استنادًا إلى شهادات شهود العيان وروايات منهل السراج كأحد أمثلة العنف باعتباره أداةً للحكم.[18] ومن الناحية الأدبية تحلل الباحثة أستريد أوتوسون البيتار رواية الكاتبة منهل السراج كما ينبغي لنهر فيما يتعلق بتصوير الصمت والصدمة (2010، 2016).[19] في سياق متصل، وفيما يتعلق بإمكانات الأدب في سياق العدالة الانتقالية، تتناول الباحثة بريجيت هيرمانز هذا الموضوع بشكل معمّق. ورغم تركيز هيرمانز على المعالجة الأدبية للعنف منذ عام 2011، فإنّ مقاربتها تظلّ ذات صلة أيضًا بمجزرة حماة.[20]
نظرًا لندرة التقارير التي تناولت المجزرة بصورة مباشرة، فإن النصوص الأدبية، التي كثيرًا ما تعالجها بشكل رمزي أو غير مباشر، تفتح نافذة على ثقافة الذاكرة في حماة. وهي ثقافة يصعب الوصول إليها بأساليب أخرى. إذ تكشف هذه النصوص كيف أن المجزرة وتبعاتها ألقت بظلالها الثقيلة على الحياة في المدينة بشكل دائم، وكيف استمر أثر العنف لعقود طويلة. إلى جانب ذلك، تُمكّن الأعمال الأدبية، أكثر من شهادات الناجين أو النصوص التوثيقية الأخرى، فهمًا أعمق للتأثيرات الملتبسة في كثير من الأحيان لممارسات التذكّر على بنى السلطة، وكذلك العمليات المجتمعية المعقدة المرتبطة بها؛ نظرًا لأن الإبداع الأدبي لا يخضع لإطار معياري ثابت، وبالتالي فإنه يتيح قدرًا أكبر من التعددية وعدم الاتساق.[21] الأمر الذي يفتح المجال أمام الممارسات الفنية للتعبير عن حقائق مختلفة وأحيانًا متناقضة واستكشافية، غالبًا ما تُقصى من الفضاء العام.[22] وبهذا المعنى، يمكن للفن المساهمة في بناء فهم أكثر عمقًا وتعقيدًا للحقيقة.[23] وفي محاولة لفهم كيفية تشكّل الذاكرة الجمْعية لمجزرة حماة وتحليل ديناميكياتها الاجتماعية، سيتم فيما يلي تحليل نصوص أدبية تتناول أحداث 1982 والحياة في حماة بعدها. في هذا السياق توفر نظريات الذاكرة إمكانية الاقتراب بديناميكيات التذكر في حماة.
تميّز هذه الدراسة بين مفاهيم الذكرى والذاكرة والتذكّر؛ إذ تشير الذِكرى إلى الحدث الذي يُستَحضَر أو يُحافَظ عليه رمزيًا، فيما تعبّر الذاكرة عن البنية أو الفضاء الذي تُخزَّن فيه التجارب الجماعية، أمّا التذكّر فهو الفعل الذي يُعيد الماضي إلى الحاضر من خلال الممارسة الفردية أو الجماعية. استنادًا إلى مفهوم إليزابيث جيلين بشأن عمل الذاكرة، يمكن فهم التذكُّر على أنه عملية ديناميكية.[24] وبالتالي، فإن الذكرى ليست تمثيلًا للماضي فحسب؛ بل هي الطريقة التي يُضفي بها الناس معنى على تجارب الماضي ويربطونها بالحاضر والمستقبل.[25] يتعلق الأمر هنا باستحضار الماضي بشكل هادف من أجل معالجته ومنحه معنى.[26] يوفر هذا المفهوم مدخلًا لإبراز مجال مناورة الفاعلين الفرديين في عملية بناء الذكريات. وبالنظر إلى هياكل السلطة المرتبطة بممارسات تذكّر معينة، يمكن –باستخدام النهج نفسه– تحديد مدى تشكيك هياكل السلطة هذه من خلال نسخ صور مختلفة عن الماضي. وبناءً على ذلك، سيركّز التحليل على أفعال استحضار الذكريات بصورة متعمدة وواعية، بخلاف التذكّر اللاإرادي لتجارب العنف، الذي يمكن ربطه بمفهوم الصدمة. ومن هذا المنطلق، فإن تطبيق نظريات الصدمة، التي تُستخدم غالبًا في وصف وتحليل المجازر، لن يكون مناسبًا في هذا السياق؛ فالعنف المرتكب في المجزرة لا يُفهم هنا باعتباره حدثًا منفصلًا ومنغلقًا في الماضي، بل كعملية مستمرة ومتجذّرة في الحياة اليومية. وبالتالي، فإنّ النظر إلى المجزرة بوصفها مجرد «صدمة» يبقى قاصرًا؛ لأن مفهوم الصدمة عادةً ما يشير إلى واقعة واحدة محددة من الزمن.
في التحليل للتفسيرات الأدبية للمجزرة، يمكن الاسترشاد بفهم الذاكرة الجماعية الذي صاغه المنظّريْن موريس هالبواكس ويان أسمان. فحسب نظرية موريس هالبواكس حول الإطار الاجتماعي للذاكرة، لا تصف الذاكرة الماضي فحسب، وإنما تنظم أيضًا تجارب الحاضر والمستقبل.[27] ويُعزى ذلك إلى أن الذاكرة والذكريات دائمًا ما تكون مشروطة اجتماعيًا ولا يمكن أن توجد إلا في إطار مرجعي للمجتمع.[28] وبالتالي، فإن ما يتم تذكره وما لا يتم تذكره «يعتمد على قواعد التواصل الحالية للمجموعة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد».[29] يكتسب هذا النهج أهمية خاصة في تناول مجزرة حماة في ضوء الصمت الذي ساد على مدى عقود؛ إذ يَسمح بتحليل تأثير أنماط التواصل حولها على الذاكرة الجمعية، مما يساعد على إبراز نماذج الذكرى الموجودة في المجتمع السوري. يُعرّف هالبواكس نماذج الذكرى بأنها حقائق تاريخية تصبح رموزًا تشكل جزءً من نظام الأفكار في مجتمع ما.[30] لذا يتم تحليل كيفية نسخ مجزرة حماة وتقديمها بشكل سردي كنموذج للذكرى في الروايات ومن خلال ممارسات ثقافية أخرى بطرق مختلفة.
ومن أجل الحصول على فهم أعمق وأكثر تفصيلًا لثقافة التذكّر الخاصة في حماة –خاصة نماذج التواصل عن المجزرة– ووضع النصوص الأدبية في سياقها التاريخي والاجتماعي؛ تمّ إجراء مقابلات نوعية مع شهود عيان من حماة ممن عايشوا المجزرة أو الفترة بعدها في حماة. هذا المزيج من التحليل الأدبي والمقابلات مع شهود العيان يسلط الضوء على الصلة الوثيقة بين الذكريات المنقولة شفويًا والأعمال الأدبية الناتجة عنها.[31] وهنا يمكن قراءة الروايات التي كتبها مؤلفون من حماة على أنها مزيج من الشهادة والتاريخ المضاد والتفسير الأدبي للأحداث. انطلاقًا من التحليل السياقي للروايات، وارتباطها الوثيق بالسياق التاريخي للأعمال الأدبية، تستند هذه الدراسة إلى نهج التاريخانية الجديدة، الذي يقضي بقراءة النصوص الأدبية وتفسيرها في سياقها التاريخي.[32] مما يتيح فهم الروايات في إطار تحليلي باعتبارها جزءً من بنية الخطاب العام، ووضعها في سياق الوضع السياسي والاجتماعي السائد وقت نشرها.
تأثير المجزرة على الحياة في حماة
يصف الكاتب ياسين الحاج صالح نتيجة المجزرة الدموية بأنّها تتسم بالتناقض: الصمت في الفضاء العام من ناحية والذكرى في الفضاء الخاص من ناحية أخرى:
كان الغرض من هذا العقاب الوحشي صنع ذاكرة خوف ومنعكسات خوف مناسبة. الوجه الآخر للمنسى العام هو الذكر الخاص، أن تبقى المقتلة في ذاكرة الناس، لا ينساها أحد، لكن أن يتداولوا الكلام في شأنها همسًا وفي نطاقاتهم الخاص. بهذا يُصان مفعولها الترويعي كهوْل غير محدد، كواقعة شبحية رهيبة لا شكل لها، ولا يمكن استيعابها. كان من شأن التداول العام بشأنها أن ينظمها ويحددها، فينزع طابعها الشبحي، ويجعل منها واقعة تاريخية قابلة للفهم، بلا «سحر» ولا هوْل.[33]
وفقًا للكاتب الحاج صالح فإن المجزرة تستمد تأثيرها الاجتماعي الهائل بسبب التناقض المتمثل في حظر تناولها بشكل علني، فيما يعلم الجميع بشأنها في الخفاء. تصف الكاتبة ديمة ونوس في روايتها الخائفون (2017) تأثير المجزرة على المجتمع السوري كـ«خوف من الخوف».[34] الأمر الذي يعني خوفًا غامضًا وشبه شبحي، خوف دائم الحضور في الحياة اليومية لجميع السوريين، خصوصًا في اللقاءات مع ممثلي النظام. فرغم أن عواقب المجزرة كانت غير مرئية؛ إلا أنها كانت متجذرة في اللاوعي المجتمعي. كان هناك خوف شديد من حدوث «حماة ثانية» نتيجة أي مقاومة للنظام.[35] وتعتبر مجزرة حماة أحد أهم الأسباب التي أدت إلى عدم وجود أي مقاومة علنية ضد النظام في سورية حتى عام 2011.
على مستوى سورية ككل، كانت عواقب المجزرة هائلة، ولكنها في الوقت نفسه كانت غير مباشرة وصعبة الإدراك. على النقيض من ذلك، كانت عواقب المجزرة في مدينة حماة نفسها وتبعاتها على سكان المدينة أقل تجريدًا بكثير؛ إذ كانت لا تزال ملحوظة بشكل مباشر في الحياة اليومية بعد عقود من الزمن، على سبيل المثال الأثار العينية بأطلال المدينة وفي التفاعلات الاجتماعية. يشير أحد الأشخاص الذي أجريت حوارًا معه إلى تغييرات عميقة وواسعة في حياة المدينة في مرحلة ما بعد المجزرة:
حماة قبل الـ 1982كانت شيء وبعد الـ 1982صارت شيء مختلف تمامًا […] تغيرت الحياة. الحياة تغيرت عمرانيًا، تغيرت ثقافيًا، تغيرت اجتماعيًا. ساد الخوف عند الناس كلها.[36]
يمكننا هنا ملاحظة أن زيادة الخوف وتسلطه كان أحد أبرز التغييرات التي حدثت بعد المجزرة، مما أدى إلى ظهور صمت صارخ في المدينة. إذ تأثرت جميع العائلات تقريبًا بالأحداث بشكل مباشر، سواء من خلال تدمير منازلها أو مقتل أو اعتقال أفرادها، ما أسفر عن تطور ثقافة خاصة بالذكرى أثناء السنوات والعقود التالية. تصف النصوص الأدبية وشهادات شهود العيان مجتمع المدينة بوصفه كيانًا تغير بشكل جذري ودائم وتأثر بعمق جراء تجربة العنف الشديد من جهة، ويتسم في الوقت ذاته بضرورة تذكر وتوثيق أحداث المجزرة، من جهة أخرى.
في روايتيها كما ينبغي لنهر (2003)[37] وعصي الدم (2012)[38] تتناول منهل السراج الآثار الهائلة التي خلفتها المجزرة على الحياة في مدينة حماة، وتكشف الكاتبة الخلفيات متعددة الطبقات للصمت الذي يحيط بمجزرة حماة. ومن خلال تصوير الحياة اليومية في المدينة، تُظهر الكاتبة مدى تأثير ذكرى المجزرة على حياة سكان المدينة، سواءً الناجين منها أو أسرهم. تتناول الروايتان مجزرة عام 1982 والحياة اليومية في المدينة قبلها وبعدها. وتُبرزان بذلك الآثار العميقة والمستمرة للعنف. في رواية كما ينبغي لنهر تحاول البطلة «فطمة» الحفاظ على ذكرى المجزرة وضحاياها في مواجهة النسيان العام المتزايد. أمّا رواية عصي الدم فتدور حول عائلة كبيرة في حماة يتأثر أفرادها بالعنف بأشكال مختلفة، ويختار كلّ منهم أسلوبًا خاصًا للتعامل مع تجربته، سواءً عبر الاستسلام أو المنفى أو التكيّف مع الواقع السياسي في ظلّ الدكتاتورية.
تركز تمثيلات منهل السراج الأدبية للمجزرة على عواقب تهميش ذكرى المجزرة من الخطاب العام، وما ينجم عن ذلك من أشكال للذاكرة في مدينة حماة نفسها. ويظهر نموذج «حماة» للذكرى هنا كعملية مستمرة من العنف والإذلال، التي أعادت تشكيل المدينة بشكل دائم منذ حدوث المجزرة، فيما لا تزال آثارها ممتدة على الحياة اليومية فيها. تؤدي أشكال العنف المختلفة، التي ترسخت بعمق في الحياة اليومية في المدينة، إلى صمت متعدد الأوجه، وتجعل من المستحيل تقريبًا على الناجين صياغة روايتهم الخاصة للأحداث ومواجهتها بالرواية السائدة للنظام.
في هذا السياق، يرتبط استمرار العنف ارتباطًا وثيقًا بالصمت عن الأحداث. أسباب هذا الصمت المطبق لا تقتصر فقط على القمع السياسي، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. ويتمثل أحد أوجهها الأساسية في العجز عن استيعاب طبيعة العنف الذي أصاب الشهود بالذهول.[39] في روايتها عصي الدم، يؤدي حجم الدمار الذي لا يمكن فهمه إلى عجز الناجين عن إيجاد الكلمات للتحدث عنه:
حين تحسّنت صحّة فؤاد، في أواخر شهر آذار، التقى بجاره وصديق عمره أبو خيري، وترافقا سويًّا لتفقّد أحوال خراب المدينة والأرزاق. لم يطل غيابهم كثيرًا، رجعا بوجوم وذهول، لم يسعفهما الخيال لفهم كلّ ما شاهداه، لم يجدا شيئًا أو زاوية أو ركنًا كما كان، إمًا تهدّم […][40]
يبدو هنا أن العنف المفرط الذي يمكن رؤيته في الأنقاض يتجاوز كل ما يمكنهم تخيله. وبما أن خيال شهود العيان أنفسهم لا يكفي لفهم ما رأوه، فمن البديهي أنه لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، سواء كتابيًا أو شفويًا، لمنح الآخرين فكرة عن حجم الحدث.
بالإضافة إلى ذلك، يتميز أي حديث عن المجزرة بالصمت المطبق. فيما تبدو الآثار المادية للقتال واضحة في جميع أنحاء المدينة. ورغم أن الذكرى تبدو وكأنها لا تزال حية في أذهان غالبية السكان البالغين في المدينة؛ إلا أن الأحداث لا تُناقش علنًا، لذا تواجه «فطمة»، بطلة رواية كما ينبغي لنهر، مقاومة متكررة لمحاولاتها التحدث عن المجزرة. تُظهر ردّة فعل أحد التجار في السوق، عندما تحاول فطمة بدء محادثة حول الأحداث الدموية، مدى تأثير الصمت على الحديث عن المجزرة:
فيرجوها ألا تتحدث عن تلك الفترة كي لا توقظ ذكريات موجعة وذلًا شربه مع الجميع وصار في دمهم، عدا عن أنه خائف مثل الجميع، يريدها أن تسكت كما يسكت ويسكتون، كي لا يدعوه رجال أبو شامة إلى فنجان قهوة، فيغيب، ويتوه ذكره، مثل الغائبين.[41]
يحاول محاور «فطمة» تجنب الحديث عن المجزرة، إذ يعود ذلك من جهة إلى الخطر النفسي المرتبط بتذكّرها «كي لا توقظ ذكريات موجعة»، ومن جهة أخرى إلى الخوف من العقاب من جانب النظام. ويُشار إلى هذا الأخير هنا بعبارة «يدعوه إلى فنجان قهوة»، وهي عبارة مجازية شائعة في سورية تشير إلى الاستدعاء للاستجواب من قبل المخابرات، والذي غالبًا ما يؤدي إلى الاختفاء القسري. وهنا تظهر منعكسات الخوف التي يصفها ياسين الحاج صالح بأنها التأثير الذي يسعى إليه النظام من خلال المجزرة. لذا فإن صمت التاجر والشخصيات الأخرى في الرواية، بغض النظر عن الأسباب، يعني تعزيزًا أدائيًا للرواية الرسمية التي تنكر وجود المجزرة. إن استحالة التحدث بصراحة عن هذا الحدث العنيف يمكن أن يمثل استمرارًا للعنف، كما يلاحظ دوري لاوب: «إن عدم سرد القصة يساهم في استمرار استبدادها».[42]
مع ذلك، فإن التجنب الفعلي لأي اتصال صريح حول المجزرة لا يؤدي بأي حال من الأحوال إلى نسيانها، كما يوحي تعبير «صار في دمهم»، والذي يوضح أن الحدث راسخ في الذاكرة الجماعية، حتى لو تم تجنبه بشكل فعال في المحادثات العامة وحتى الخاصة. ويبدو أن ترسيخ الذكرى أعمق من ذلك أيضًا؛ فقد أصبحت ذكرى المجزرة جزءً لا يتجزأ من الجسد، بحيث أن اختفاء شخص ما يعني اختفاء الذكرى أيضًا.
تشير شهادات شهود العيان إلى أن ذكرى المجزرة أضحت متجذرة بعمق في الحياة الاجتماعية للمدينة، وأصبحت جزءً من هويتها بعد عام 1982، وكان يتم تناولها مرارًا وتكرارًا في المحادثات الخاصة.[43] يقول الرسام خالد الخاني، الذي كان شاهد عيان على المجزرة، أنّ الذكريات كان يتم تداولها في المدينة بشكل شفوي باستمرار لأنّ الكتابة عن الأحداث خارج السردية الرسمية كانت شبه مستحيلة:
فبهي المرحلة كان ممنوع حدا يكتب هذا الموضوع، ممنوع حدا يكتب شي، بس كان ما ممنوع انو يعطوا للناس، يعني، بيقول للناس وبيرجع ويقول للناس أكتر. ]…[ كان يعني الكتابة هي بالراس.[44]
يصف الخاني هنا نشوء ثقافة التذكّر الشفوي، إذ أنّ تعبير «الكتابة بالراس» يهدف إلى تحقيق مستوى عالٍ من الموثوقية في الحفاظ على المعلومات. وبحسب أشخاص عاشوا في حماة في السنوات التالية للمجزرة، فإن هذه الحوارات –بشأن تفاصيل المجزرة– جرت بشكل سري فقط وبحذر كبير، إذ شكّلت الذكرى جزء مهم وجوهري من الحياة الاجتماعية في المدينة بعد 1982. الموضوع الرئيسي لهذه المحادثات، إلى جانب الأحداث المحدَّدة التي وقعت خلال المجزرة، تمثل في الأشخاص الذين قُتلوا أو اعتُقلوا أو اختفوا خلال القتال، والذين ظل مصيرهم مجهولًا في كثير من الحالات.[45]
يقارن الكاتب الحموي براء السراج هذا الحضور المستمر للمجزرة في المحادثات الخاصة بنواعير المدينة القديمة،[46] أحد أشهر رموزها. إذ يشكل صوتها المميز، الذي يسميها سكان المدينة أنين، أجواء المدينة. وبالمثل، وفقًا لوصف السراج، أضحت القصص السرية التي يتم تداولها همسًا حول المجزرة ضجيجًا دائمًا في المدينة، فقد أصبحت جزءً من هوية المدينة. وتصف منهل السراج الهوية الحموية بعد المجزرة في روايتها عصي الدم كالتالي:
ورغم محاولات الحكومة إهالة الأغطية على ما حدث: إنشاء أبنية جديدة، ترميم المهدّم والمخرّب، إلّا أنّ آثار الأحداث كانت تُشاهَد في الوجوه وعلى الجباه. حموي، ويصمتون، يعني، قهر، خوف، ألم وتذكَر مرير.[47]
في تفسير الرواية، فإن هوية سكان حماة يُعاد تشكيلها من خلال المجزرة، وتحديدًا العنف وذكريات الإذلال الذي عانوا منه. مع استمرار العنف في الحياة اليومية وتأثيره على هوية سكان حماة، أصبح حتى أولئك الذين لم يشهدوا مجزرة شباط/فبراير 1982 شهودًا عليها. بمعنى أنّ أبناء المدينة الذين كانوا غائبين عنها خلال المجزرة أو وُلدوا بعدها يمكن اعتبارهم شهودًا على العنف المتواصل الذي لم ينته في 1982، ولا يمكن اعتباره حدثًا منعزلًا في الماضي، إنما عملية مستمرة لعقود. ويمكن تقسيم عنف المجزرة إلى عنف مباشر حدث في شباط/فبراير 1982، وعنف غير مباشر ناتج عن الصمت والإذلال. تصف امرأة حموية فهمها لمعنى تجربة «حماة» في نص كتبته خلال الثورة السورية في عام 2012:
في ذكراها الثلاثين وأنا أكبرها بأربع سنوات أريد أن احكي عن حماة … رغم أني لم أعش المجزرة … لكني عايشت حماة … أنا لست شاهد عيان على القتل والذبح والاغتصاب ولكني شاهدة على كل شيء سواها … ومن قال أن المجازر تنتهي عند القتل والذبح والاغتصاب.[48]
توضح عبارة «لكني عايشت حماة» أن اسم المدينة نفسه أمسى مرادفًا للمجزرة وآثارها، ما يجعل العيش في المدينة تجربة تستوعب المجزرة بما يتجاوز العنف المادي الذي ارتُكب في فترة زمنية محددة (شباط/فبراير 1982). ولا يقتصر العنف على آثاره المادية الظاهرة في المدينة، مثل الأنقاض المنتشرة في كل مكان والتي أقيمت فوقها مبانٍ حديثة؛ وإنما يمتد ليشمل المستوى النفسي أيضًا. تسرد الشاهدة العديد من المواقف والقصص من الحياة اليومية في حماة، والتي ترى فيها استمرارًا للمجزرة، مثل غياب العديد من أقاربها أو استخدام عبارات معينة تعكس عدم اليقين بشأن مصيرهم.
ورغم مرور وقت طويل على الأحداث؛ إلا أن تأثير العنف في الحياة اليومية لا يزال واضحًا في العديد من المواقف والأنشطة التي تُعزى إلى المجزرة أو ترتبط بها في الذاكرة الجماعية. وبهذه الطريقة، تصبح الحياة اليومية نفسها جزءً من العنف الذي تم تجربته، كما تلاحظ فينا داس: «وهكذا، تمامًا كما أعتبر الحدث مرتبطًا بالحياة اليومية، أعتبر الحياة اليومية نفسها حافلة بالأحداث».[49] يتجلّى الأثر المستمر للمجزرة في روايتي السراج، كما ينبغي لنهر وعصي الدم، على نحو خاص عبر محورين متلازمين؛ إعادة الهيكلة المكانية للمدينة وغموض مصير العديد من الأشخاص الذين اختفوا خلال المجزرة.
في أعقاب المجزرة، ظل مصير العديد من سكان حماة مجهولًا؛ لأنّه تم اعتقالهم أو قتلهم ودفنهم في مقابر جماعية دون علم ذويهم. كانت تحدث حالات الاختفاء القسري في جميع أنحاء سورية تحت نظام الأسد –وقد تكشّف نطاق الاختفاء القسري في سورية بشكل أوسع بعد سقوط النظام حينما شرعت العائلات في البحث عن مصير أقاربها المفقودين عند فتح السجون. يُسمي ياسين الحاج صالح المعتقل السياسي «تجربة وطنية عامة».[50] ومع ذلك، كانت هذه التجربة مكثفة إلى حد كبير في حماة: فكل عائلة في المدينة تقريبًا لديها أقارب مفقودون.[51] وفقًا لشهود عيان، كان تبادل المعلومات حول مكان وجود هؤلاء الأشخاص أحد الموضوعات الرئيسية للمحادثات بعد المجزرة. إذ كان من الخطورة الإشارة إلى فقدان أحد الأقارب خلال المجزرة في الأماكن العامة، بينما غالبًا ما كان يتم تبادل المعلومات حول مصير الأفراد ومقارنتها مع بعضها البعض بشكل متكرر في الأماكن الخاصة.[52] إن ذكرى «الغائبين»، حسبما تسميهم منهل السراج في رواياتها، هي جزء أساسي من ثقافة الذكرى التي تطورت في حماة منذ عام 1982. يوضح المشهد التالي من رواية كما ينبغي للنهر أنّ انتظار عودة الغائبين يؤثر على الحياة في المدينة بشكل كبير:
عند مدخل المدينة الأول المحسّن، غرسات صغيرة موزعة على طرفي الأوتوستراد، وفي وسطه، جديدة لكنها جافة وبطيئة النمو، مغبرة وكسولة. يمكث الناس الليل والنهار عندها، في أيام البرد يشعلون النار، يتحلقون في صمت وانتظار وصبر، وفي كل الفصول ينتظرون.
تنتشر الشائعات أن هناك دفعة من الرجال عائدة من المجهول، يتركون ما بأيديهم، ويهرعون إلى هناك، ينتظرون عودة الابن أو الأب أو الأخ أو القريب، أهل المدينة أقارب، الجميع يقرب الجميع.[53]
نرى هنا أنّ انتظار سكان المدينة للغائبين صار عنصرًا أساسيًا في معنى تجربة «حماة» على مدار السنوات والعقود التالية للمجزرة. معظم العائلات في المدينة لديها أقارب مفقودون، وبالتالي فإن أهل المدينة يعيشون حالة انتظار مستمرة وحالة عدم يقين. ورغم استمرار غياب الأشخاص المفقودين، إلا أنهم يظلون حاضرين في الوقت نفسه؛[54] إذ يتواصل تأثير فقدهم على المجتمع وذاكرته الجماعية. على سبيل المثال، تصف السراج أمًا فقدت ابنها خلال المجزرة، ما يدفعها لتجهيز وإعداد قبر فارغ له وزيارته بانتظام.[55] بينما في الوقت نفسه، تحيا كما لو أن ابنها لا يزال على قيد الحياة وتسمح للجميع بمناداتها بـ«أم الدكتور»، لأن ابنها كان يدرس الطب.[56] يوضح هذا الأمر أن عدم اليقين والانتظار الدائم يجعلان من المستحيل إغلاق الملف:[57] إذ يشكل التأثير المتواصل للعنف عائقًا يجعل من المستحيل على الضحايا (أو الناجين) صياغة سرد للأحداث من منظورهم الخاص أو استيعاب طبيعة تجربتهم،[58] لأنها غير واضحة ومستمرة. وهذه الاستحالة في صياغة رواية لمواجهة رواية النظام للأحداث هي أحد أسباب الصمت حول المجزرة –مما يديم الرواية الرسمية بأن المجزرة لم تحدث أبدًا.
كذا يتجلى طموح النظام إلى إعادة تعريف هوية المدينة بشكل واضح من خلال إعادة الهيكلة المكانية بعد المجزرة. السرد السائد عن المجزرة ليس ملموسًا فقط في قواعد التواصل والصمت عن الأحداث، وإنما كذلك على المستوى الجغرافي في المدينة. فالنظام جسّد عنفه وسلطته في فضاء المدينة بشكل مرئي لم يقتصر أثره على البنية المادية فحسب؛ بل انعكس أيضًا على الممارسات اليومية للسكان وطريقة عيشهم داخل هذا الفضاء. إن الهيمنة الواضحة لوجود النظام في حماة ترمز إلى سلطته في التحكم في الخطاب وقدرته على فرض روايته للأحداث على الرأي العام. من الناحية المكانية، كانت آثار المجزرة واضحة في أنقاض المنازل المدمرة والمساحات الخالية في المدينة، وحتى بعد عدة سنوات من المجزرة، لا يزال الزوار يتحدثون عن آثار الدمار الواضحة للعيان. ورغم مرور 43 سنةً، لا تزال آثار المجزرة واضحة في مشهد المدينة، إذ لم يتم إعادة بناء العديد من المنازل في المنطقة التي كانت تضم في السابق جزءً كبيرًا من البلدة القديمة. لتبدو وكأنها تذكير بعواقب المقاومة ضد النظام الحاكم. بالإضافة إلى ذلك، يتم في كثير من الأحيان بناء مبانٍ جديدة فوق المنازل المدمرة بشكل واضح وفي بعض الحالات فوق المقابر الجماعية الموجودة تحت الأنقاض. إذ يرتبط إعادة الإعمار ارتباطًا وثيقًا بإخفاء الأشخاص المفقودين. وهكذا فرض النظام هيمنته على المشهد الحضري –وبينما تم وصف ذلك الأمر بأنه إعادة إعمار أو تحديث للمدينة؛[59] ولكن يمكن فهمه على أنه عمل عنيف أدى إلى استمرار تجربة المجزرة. ومن بين الأمثلة البارزة على ذلك فندق أفاميا الذي شُيد على أنقاض حي من أحياء المدينة القديمة يُدعى كيلانية، والذي دُمر بالكامل في عام 1982. وبجوار الفندق، شُيد مقر حزب البعث في حماة، وهو رمز واضح لقوة النظام. تصف منهل السراج في روايتها مبنى الفندق –وهو في تمثيلها الرمزي في الرواية مركز اتصالات– بأنه رمز لاحتلال النظام للمدينة:
أمر رجال أبو شامة ببناء مركز «الخلية الذكية» للاتصالات مكان تلك البيوت التي دخلوا حاراتها بالدبابات وهدموها بالطائرات وأن يُنصب أمام البناء الجديد، على عمود عال، لوحة كهربائية هائلة تحمل إعلانات ضوئية متناوبة تحتل النهر حين تنعكس فيه.[60]
يمكن فهم تشييد المباني الحديثة فوق أنقاض المدينة القديمة باعتباره امتدادًا للعنف الذي دمر الأحياء القديمة في عام 1982. تجسد محو تاريخ المدينة على مستويات متعددة: فبينما ساهمت الأنقاض والمقابر الجماعية في إخفاء آثار المجزرة جزئيًا؛ فقد طال التدمير تاريخ المدينة القديم أيضًا، وفقًا لما أفاد به أحد الأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلة.[61] إذ سعى نظام الأسد لإحلال نفسه في المدينة عبر ادعاء السيطرة على مستقبل المدينة وترسيخ هيمنته المادية والرمزية فيها.
في روايتها، تحافظ السراج من ناحية على ذاكرة تاريخ المدينة وهويتها قبل المجزرة، ومن ناحية أخرى تخلق مساحات غير رسمية للذكرى، حسبما يتجلى في مشهد يضفي دلالة رمزية خاصة على درج عادي في المدينة:
شهد هذا الدرج الهابط الصاعد ازدحامًا شديدًا، خلال أحداث نذير وأبو شامة. كان أهل المدينة يتراكضون متصادمين، بسبب انعطافاته، فكل منهم يريد العودة إلى بيته.[62]
تصف الرواية الدرج نفسه بأنه شاهد على المجزرة بحيث أضحى جزءً لا ينفصل عن الذاكرة الجماعية لسكان المدينة. وتحول الدرج إلى نقطة مرجعية غير رسمية تربط الحاضر بالماضي،[63] وتترسخ فيها الذكريات المكبوتة للمجزرة،[64] حتى وإن ظلت غير مرئية للغرباء. ومن خلال ربط ذكريات محددة من فترة المجزرة بمواقع اعتيادية داخل المدينة، تُعاد صياغة هذه المواقع لتصبح نصبًا تذكارية غير رسمية يمكن فهمها بوصفها شكلًا من أشكال مقاومة الرواية الرسمية السائدة، إذ يُحفظ من خلالها نسخةً بديلةً من الماضي.
الكتابة من أجل العدالة؟
في روايتيها كما ينبغي لنهر وعصي الدم تُسلط الكاتبة منهل السراج الضوء على التأثير الهائل والمستدام لمجزرة حماة على الحياة في المدينة وعلى هوية سكانها. فالمجزرة لم تكن مجرد حدثًا من الماضي وانتهت، بل هي عملية مستمرة: غياب الناس وتحول الفضاء الحضري جعل العنف ممتدًا لعقود. وحسبما اتضح سابقًا، فإن الصمت المتعدد الطبقات يمارس دورًا مهمًا في إدامة العنف. هنا تبرز وظيفة أساسية للأدب: تقديم بديل عن الصمت المفروض. فبينما اختزل النظام المجزرة إلى مجرد «أحداث»؛ تكشف الروايتان عن تراكم العنف واستمراره في الحياة اليومية وعبر الأجيال. وهكذا تعارض سردية النصوص الأدبية السردية الرسمية للنظام بشكل واضح. وفي هذه المقاربة، لا تقتصر السراج على إحصاء الأرقام ورصد الضحايا؛ بل تكشف أنّ أخطر عواقب المجزرة لا يقتصر على الخسائر البشرية فحسب، وإنما في الإذلال والمهانة وما يُرسّخ في الذاكرة الجمعية من أشكال القهر غير المرئي:
قيل، ثلاثون ألف قتيل، وقيل أربعون ألفًا، ومع أنّ المجال بين الرقمين واسع إلّا أنّ كلمة الآلاف هذه كانت ضئيلة أمام ما حُفر في ذاكرة الناس والمدينة من ذلّ وقهر.[65]
رغم ارتفاع أعداد الضحايا، ترى السراج أنّ أخطر عواقب المجزرة يتمثّل في الإذلال، أي ذلك البعد غير المرئي والمجرد من الملموسية. ومن هنا تكتسب الرواية مشروعيتها بوصفها مقاربة لفهم العنف التجريدي وغير المرئي. وتكمن إحدى إمكانات الأدب في هذا السياق في قدرته على معالجة العنف من خلال نقل الحقائق العاطفية التي قد تغيب عن التقارير القانونية أو الوثائق الرسمية.
يرى ياسين الحاج صالح أنّ إنهاء نظام الأسد وحده لا يكفي، بل يجب إحياء ما تم نسيانه أو ما اعتبره النظام من المحرمات من منظور الضحايا، حتى يتسنى تحرير البلاد بالفعل.[66] نظرًا إلى أن عنف المجزرة أصبح عملية طويلة الأمد بسبب الصمت القسري متعدد الأوجه، يتضح أن التحدث أو الكتابة علنًا عن الأحداث ودخولها في الذاكرة الثقافية يمكن أن يكونا شكلًا من أشكال المقاومة ضد العنف وخطوات أولى نحو تحقيق العدالة. ويتمثّل دور الأدب هنا في استحضار الماضي إلى وعي القارئ، كما توضّحه الأعمال الأدبية لمنهل السراج. ففي رواياتها تحظى ذكرى تاريخ المدينة قبل المجزرة، وخصوصًا ذكرى الأقرباء المقتولين والمخطوفين،، بأهمية متميزة. وتتجسد هذه الوظيفة في شخصية فطمة، التي تحوّل استحضار ذكرى أقاربها الغائبين إلى طقس يومي وجزء من حياتها. وفي هذا الصدد، من المهم التأكيد على أن هذا التذكر ليس اجتياحًا مخيفًا للذاكرة، بل عملية واعية وهادفة؛ إذ كانت فطمة تكرر النظر في الصور القديمة وتغوص في الذكريات بينما تستحضر الماضي. ويُبرز المقطع التالي من النص المكانة المركزية التي تمنحها الرواية لهذه الذكريات، إذ تتأمل فطمة صورة عائلية قديمة التُقطت قبل المجزرة:
كانت فطمة تحدق في أغصان الليمونة التي ظهرت في أعلى الصورة، عندما تنبهت لخدر قدمها تحتها. دائمًا تنوي الجلوس لدقائق، ثم تنسى نفسها ساعات، هي المشغولة حتى الثمالة بتاريخ وتأريخ الأحداث.[67]
يُظهر هذا المقطع أنّ الحفاظ على الذكريات واستحضارها وتكرارها الداخلي الذي تمارسه فطمة يُعتبر نوعًا من التأريخ. وبناءً على ذلك يُمكن اعتباره أيضًا رفضًا للسردية التاريخية الرسمية للنظام. ويمكن وصف هذا الفعل بكونه عملًا ذاكريًا حسبما تُعرّفه جيلين من خلال استحضار الماضي وإضافة المعاني إليه.[68]
وبالمثل، يمكن اعتبار الروايات والمؤلفين الذين يوثقون ممارسات الذاكرة غير المرئية للعالم الخارجي، والذكريات المنقولة شفويًا، وينقلونها إلى جمهور أوسع، عناصر فاعلة في سياسة الذاكرة. هؤلاء الكتاب، الذين كانوا سابقًا أهدافًا للقمع والتمييز، أصبحوا من خلال تدوين ذكرياتهم الشخصية فاعلين نشطين في تشكيل السياسة الذاكرية في سورية،[69] إذ توفر نصوصهم لغةً للتعبير عن الذكريات وبناء سرد مستقل. ونظرًا لأن الأعمال الأدبية تتيح رؤية غير مرئية إلى حد كبير ضمن الفضاء العام للأحداث، وتجعلها مفهومة بكل تعقيداتها؛ فإنه يمكنها ممارسة دور في جهود العدالة الانتقالية، وإضفاء معنى أعمق على الحقائق الملموسة المتعلقة بالمجزرة. بالإضافة إلى ذلك، يتيح المؤلفون من خلال نشر رواياتهم الأدبية تفسيرًا للمجزرة يتجاوز نطاق «انعكاسات الخوف»، التي كان هدفها إثارة الخوف، وفقًا للحاج صالح.[70]
من أجل التصالح مع الماضي، من الضروري فهم طرق حكم نظام الأسد والديناميكيات الاجتماعية والنفسية التي دعمت هذا النظام بشكل دقيق وعميق. وفي هذا الشأن، توفر الأعمال الأدبية، وخصوصًا الروايات ذات السردية المعقدة، وسيلة لفهم ما لا يمكن التعبير عنه مباشرة. ففي سياق مجزرة حماة، يتيح الأدب فهم استمرار العنف من خلال تدوين الروايات الشفوية عن الضحايا، وإضفاء معنى على المساحات في المدينة كنقاط مرجعية مرتبطة بتاريخ تم إسكاتُه ومحوه. ومن خلال هذه التمثيلات، يتحدى الأدب رواية النظام ويخلق مساحات بديلة للذكرى، مبرزًا تجارب الضحايا –التي أُخمد صوتها– في الخطاب العام. وهكذا، يستعيد الناجون والمؤلفون سلطة التفسير على تاريخ وهوية حماة، وفيما يتيح الأدب الحفاظ على الذكريات المسكوت عنها، فإنه أيضًا يخلق مواقع بديلة للذكرى وسلطة التفسير.
يعمل الأدب على توثيق الذكريات المنقولة شفويًا، محررًا إياها من الاعتماد الحصري على التقليد الشفوي ويثبتها كتابةً. وفيما تمثل النصوص الأدبية وسيلة للحفاظ على الروايات الشفوية، التي غالبًا ما تبقى خارج نطاق التوثيق الرسمي؛ فإنها توفر إطارًا يمكن من خلاله نقل التجارب الفردية والجماعية المتعلقة بالعنف والمقاومة والذاكرة إلى الأجيال القادمة.
حين تكون الإجراءات القضائية الرسمية شبه مستحيلة –كما كان الحال حتى وقت قريب في سورية؛ تكتسب الممارسات الفنية أهمية كبيرة.[71] في مثل هذه السياقات، يمكن للأعمال الأدبية التي تتناول تجارب العنف الماضية أن تشكل أساسًا لنقاش مجتمعي أوسع، وهو أحد المعايير الجوهرية لعملية العدالة الانتقالية.[72] وبهذه الطريقة، تساهم الروايات الخيالية في دعم جهود العدالة الانتقالية من خلال فتح وإعادة تشكيل النقاش العام حول أسباب العنف وآثاره.[73]
في المحصّلة، يتّضح أنّ مجزرة حماة لم تُتناول في الخطاب العام أو عبر مقاربات منهجية رسمية، غير أنّ ذكراها ما تزال حاضرة بعمق في النسيج الاجتماعي السوري. تكشف أعمال منهل السراج، من خلال سردها الأدبي، عن الأثر المستمر للعنف وما خلّفه من تحوّلات في الهوية والذاكرة، خاصة في مدينة حماة. ويظهر من كتاباتها أنّ العنف لم يكن مجرّد حدث ماضٍ، وإنما عملية متواصلة يُعاد إنتاجها عبر آليات اجتماعية، وفي مقدّمها الصمت، الذي يعمل كأداة لتثبيت الهيمنة وإدامة الإذلال.
باختصار، يساهم الأدب على مستويات متعددة في التفكير في الماضي الدموي ومعالجته، وفي تحقيق مصالحة اجتماعية محتملة. ولأنّ الأدب يتيح التعبير عمّا مُنِع من التداول في الفضاء العام، فإنّه يصبح وسيلة لاستعادة ما تمّ إسكاتُه وإعادة إدخاله في الوعي الجمعي. تكمن قوّة الأدب في قدرته على تمثيل ما يتعذّر قوله أو توثيقه بلغة قانونية أو تاريخية؛ إذ ينقل الأثر النفسي والإنساني للعنف بدلًا من الاقتصار على وصف الوقائع فحسب. ومن خلال خلق فضاءات للتعاطف والتأمّل المشترك، تساهم الأعمال الأدبية في فتح نقاش مجتمعيّ حول أسباب العنف وسبل تجاوزه.
بهذا المعنى، لا يكتفي الأدب بتوثيق المأساة، بل يسهم بفاعلية في إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية وصياغة سرديات بديلة، عبر تحويل التجربة الفردية إلى خبرة قابلة للتداول والفهم. ومن خلال تسليط الضوء على ما تم إنكاره أو إخفاؤه في المجال العام، يفتح الأدب فضاءات بديلة للذكرى، ويكمّل مسارات العدالة الانتقالية دونما يحلّ محلّها، إذ يُتح إدراك ما تعجز الأدوات القانونية والسياسية عن استيعابه من أبعاد إنسانية ووجدانية للذاكرة.
إقرار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي
تمّ استخدام أدوات الذكاء الصناعي (DeepL وChatGPT) بشكل محدود ولأغراض لغوية بحتة، مثل اختيار المرادفات المناسبة وكلمات أكثر وضوحًا. لم يتم الاعتماد على هذه الأدوات في إعداد أو تطوير محتوى المقالة العلمي أو الفكري بأي شكل من الأشكال.
[2] ألزداير درايسديل، «نظام الأسد ومشكلاته» (The Asad Regime and Its Troubles)، 110 MERIP، 9 (1982)، https://doi.org/10.2307/3012278. أيضًا، إيتسخاك فايسمان، «سعيد حوى: صناعة مفكر مسلم راديكالي في سورية الحديثة» (Saʿid Hawwa: The Making of a Radical Muslim Thinker in Modern Syria)، الدراسات الشرق أوسطية 29/4 (1993)، 602، https://doi.org/10.1080/00263209308700969.
[3] منظمة العفو الدولية، تقرير من منظمة العفو الدولية إلى حكومة الجمهورية العربية السورية (Report from Amnesty International to the Government of the Syrian Arab Republic)، (منظمة العفو الدولية، 1983)، 37.
[4] ميديل إيست واتش: سورية بلا قناع: قمع حقوق الإنسان من قبل نظام الأسد (Syria Unmasked: The Suppression of Human Rights by the Asad Regime)، (يايل أنيورسيتي بريس، 1991)، 20.
[5] لوبماير، المعارضة والمقاومة في سورية، 225؛ ميديل إيست واتش: سورية بلا قناع، 20.
[6] رضوان زيادة، السلطة والسياسة في سورية: أجهزة المخابرات والعلاقات الخارجية والديمقراطية في الشرق الأوسط الحديث (Power and Policy in Syria: Intelligence Services, Foreign Relations and Democracy in the Modern Middle East)، (آي. بي. توريس، 2013)، 29، https://doi.org/10.5040/9780755692804.
[7] شهادة تفصيلية عن المجزرة: خالد الخاني، «حماة 1982»، دحنون، 2011، تاريخ الاطلاع 25 مارس 2024، https://bit.ly/3xvtzTB.
[8] فواز حداد، «أن تكتب رواية عن مجزرة حماة»، العربي القديم، 07 فبراير 2024، تاريخ الاطلاع 08 فبراير 2024، https://tinyurl.com/23udc2t
.[9] ليزا ويدين، إبهامات الهيمنة: السياسة والبلاغة والرموز في سورية المعاصرة (Ambiguities of Domination: Politics, Rhetoric, and Symbols in Contemporary Syria)، (جامعة شيكاغو للنشر، 2015)، 44-47، https://doi.org/10.7208/chicago/9780226345536.001.0001.
[10] حافظ الأسد، «كلمة الرئيس حافظ الأسد في الذكرى التاسعة عاشرة لثورة الثامن من آذار»، بريسيدينت أسد، تاريخ الاطلاع 05 يوليو 2019، https://bit.ly/2YrKxyU.
[11] سلوى إسماعيل، حكم العنف: الذاتية والذاكرة والحكومة في سورية (The Rule of Violence. Subjectivity, Memory and Government in Syria)، (كامبريج أنوورسيتي بريس، 2018)، 132، https://doi.org/10.1017/9781139424721.
[12] أمل حنانو، «من حماة إلى داريا» (From Hama to Daraya)، في زيودين سردار وروبن ياسين-قصاب (تحرير)، سورية (Syria)، (هيرست، 2014)، 88.
[13] أنّا كريستينا شايتير، «حماة لم تمُت: تذكر مجزرة حماة بعد سقوط نظام الأسد» (“Ḥamā lam tamut”: Remembering the Hama Massacre after the Fall of the Assad Regime)، ترافي – مدونة البحث عبر الإقليمية، 06 فبراير 2025، ، تاريخ الاطلاع 26 سبتمبر 2025، https://doi.org/10.58079/139ju . وعبد الجبار الجماتي، «مجزرة حماة.. 43 عامًا من الصمت ينكسر»، العربية، 04 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع 28 أبريل 2025، https://tinyurl.com/592uh7n6. وملاذ قاسم آغا، «لأول مرة.. أبناء حماة يحيون ذكرى مجزرة 1982»، الجزيرة، 01 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع 28 أبريل 2025، https://tinyurl.com/3svymd4h.
[14] شايتير، «حماة لم تمُت».
[15] رافائيل ليفيفر، رماد حماة: الإخوان المسلمون في سورية (Ashes of Hama: The Muslim Brotherhood in Syria)، (أوكسفورد: مطبعة جامعة أوكسفورد، 2013). وناومي راميريز دياز، الإخوان المسلمون في سورية: الخيار الديمقراطي للإسلام السياسي (The Muslim Brotherhood in Syria: The Democratic Option of Islamism)، (أوكسون/نيويورك: روتليدج، 2017) ، https://doi.org/10.4324/9781315203928. وبرينجار ليا، «الانتفاضة الإسلامية في سورية، 1976-1982: تاريخ وإرث تمرد فاشل» (The Islamist Uprising in Syria, 1976-82: The History and Legacy of a Failed Revolt)، المجلة البريطانية لدراسات الشرق الأوسط 43، العدد 4 (2016): 541-559، https://doi.org/10.1080/13530194.2016.1139442.
[16] الديمقراطيون السوريون، حماة: مأساة العصر [Hama: Tragedy of the Age] (التحالف الوطني لتحرير سوريا، 1983).
[17] لوبماير، المعارضة والمقاومة في سورية.
[18]اسماعيل، حكم العنف.
[19] أستريد أوتوسون البيطار، «إتاحة المجال للقصص الصامتة في رواية كما ينبغي للنهر لمنهل السراج» (Giving Voice to Silenced Stories in the Novel Kamā yanbaghī li-nahr [As is appropriate for a river]by Manhal al-Sarrāj)، أوريانتاليا سوكينا LIX (2010)، 73ـ84. وأستريد أوتوسون البيطار، «وكان هناك صمت كامل: الصمت كموضوع واستراتيجية سردية في ثلاث روايات سورية» (And There was Complete Silence: Silence as Theme and Narrative Strategy in Three Syrian Novels)، في صبحي بسطاني، رشيد الإناني، ووليد حمرنة (تحرير)، الأدب في زمن الربيع العربي (La littérature à l’heure du printemps arabe)، (كارثالا، 2016)، 211-226.
[20]بريجيت هيريمانز، «مواجهة المحو والتهميش: إمكانات الأدب في فتح آفاق العدالة في السياق السوري» (أطروحة دكتوراه، جامعة خنت، 2023).
[21] بريجيت هيريمانز، تينه ديستروبر، «تجاوز ممارسات الحقيقة الرسمية والجنائية في الصراع السوري: كيف تساهم ممارسات الحقيقة غير الرسمية في فهم أعمق للحقيقة» (Moving Beyond Formal Truth Practices and Forensic Truth in the Syrian Conflict: How Informal Truth Practices Contribute to Thicker Understandings of Truth)، الدراسات الاجتماعية والقانونية 32، العدد 4 (2023)، 520، https://doi.org/10.1177/09646639221134965.
[22] هيريمانز وديستروبر، «تجاوز ممارسات الحقيقة الرسمية والجنائية في الصراع السوري»، 527.
[23] هيريمانز وديستروبر، «تجاوز ممارسات الحقيقة الرسمية والجنائية في الصراع السوري»، 519.
[24] إليزابيث خيلين، أعمال الذاكرة (Los Trabajos de la Memoria)، (سيغلو 21 دي إسبانيا إديتوريس، 2002).
[25] إليزابيث خيلين، الصراع حول الماضي: كيف نبني الذكريات الاجتماعية (The Struggle for the Past: How We Construct Social Memories)، (بيرغهان بوكس، 2021)، 3، https://doi.org/10.1515/9781789207835.
[26] جيلين، أعمال الذاكرة، 14.
[27] يان أسمان، الذاكرة الثقافية: الكتابة والذاكرة والهوية السياسية في الحضارات المبكرة (Das kulturelle Gedächtnis: Schrift, Erinnerung und politische Identität in frühen Hochkulturen)، (سي. إتش. بيك، 2018)، 42، https://doi.org/10.17104/9783406703409.
[28] أسمان، الذاكرة الثقافية، 35.
[29] أليدا أسمان، أشكال النسيان (Formen des Vergessens)، (المركز الفيدرالي للتربية السياسية، 2018)، 47.
[30] موريس هالبواكس، الذاكرة وظروفها الاجتماعية (Das Gedächtnis und seine sozialen Bedingungen)، (سوهركامب، 1985)، 189.
[31] استنادًا إلى ملاحظات شخصية أُجريت خلال زيارة ميدانية إلى مدينة حماة، وإلى مقابلات غير رسمية مع عدد من سكانها في شباط/فبراير 2025.
[32] موريتز باسلر (تحرير)، النهج التاريخي الجديد (New Historicism)، (إيه. فرانكه فيرلاج، 2001)، 22-23. ومايكل باين، «المقدمة: غرينبلات والنهج التاريخي الجديد» (Introduction: Greenblatt and New Historicism)، في مايكل باين (تحرير)، قارئ غرينبلات (The Greenblatt Reader)، (بلاكويل للنشر، 2005)، 3.
[33] ياسين الحاج صالح، «المنسى السوري… المنساة السورية»، الحوار المتمدن، 20 أكتوبر 2023، تاريخ الاطلاع 20 سبتمبر 2025، https://tinyurl.com/5n7vuz4z.
[34] ديمة ونوس، الخائفون (دار الآداب، 2017).
[35] إسماعيل، حكم العنف، 132.
[36] مقابلة س. ش.، 08 سبتمبر 2020.
[37] منهل السراج، كما ينبغي لنهر، (منشورات الاختلاف، 2007). نشر قي الاصل في عام 2003.
[38] منهل السراج، عصي الدم، (دار الآداب، 2012).
[39] شوشانا فلمان، «صمت بنيامين» (Benjamin’s Silence)، كريتيكال إنكوايري 25 (1999)، 205-207.
[40] السراج، عصي الدم، 181.
[41] السراج، كما ينبغي لنهر، 50.
[42] دوري لاوب، «حدث بلا شاهد: الحقيقة والشهادة والبقاء» (An Event Without A Witness: Truth, Testimony and Survival)، في شوشانا فلمان، دوري لاوب (تحرير)، الشهادة: أزمات الشهادة في الأدب والتحليل النفسي والتاريخ (Testimony: Crises of Witnessing in Literature, Psychoanalysis, and History)، (روتليدج، 1992)، 79.
[43] مقابلة خالد الخاني، 18 مايو 2020. مقابلة زاهر عمرين 21 أبريل 2020.
[44] مقابلة خالد الخاني، 18 مايو 2020.
[45] مقابلة زاهر عمرين، 21 أبريل 2020. مقابلة خالد الخاني، 18 مايو 2020.
[46] براء السراج، «حماة: بعد المجزرة» (Hama: Post-Massacre)، جدلية، 07 مارس 2012، تاريخ الاطلاع 24 يناير 2023، https://tinyurl.com/39va7s2y.
[47] السراج، عصي الدم، 225.
[48] سمية، «جراح الذاكرة…في ذكرى حماة»، قصص من الثورة السورية، 02 فبراير 2012، تاريخ الاطلاع 24 يناير 2023، https://tinyurl.com/yc2fm4n3.
[49] فينا داس، الحياة والكلمات: العنف والانحدار نحو العادي (Life and Words: Violence and the Descent into the Ordinary)، (مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2007)، 8، https://doi.org/10.1525/9780520939530.
[50] ياسين الحاج صالح، ما بعد «أدب السجون»: شرط الشتات السوري وإلزام المقارنة، داون مينا، 05 أبريل 2021، تاريخ الاطلاع 19 مارس 2024، https://bit.ly/3PSH1az.
[51] الخاني، «حماة 1982».
[52] مقابلة خالد الخاني، 18 مايو 2020. مقابلة زاهر عمرين 13 مايو 2025. مقابلة س.ش، 29 أبريل 2025.
[53] السراج، كما ينبغي لنهر، 135.
[54] بولين بوس، الفقد الغامض: تعلم التعايش مع الحزن غير المحلول (Ambiguous Loss: Learning to Live with Unresolved Grief)، (مطبعة جامعة هارفرد، 1999)، 106، https://doi.org/10.4159/9780674028586.
[55] السراج، كما ينبغي لنهر، 87.
[56] السراج، كما ينبغي لنهر، 130.
[57] لورا مينين، «حياة الانتظار: العنف السياسي والذكريات الشخصية والاختفاء القسري في المغرب» (A Life of Waiting: Political Violence, Personal Memories, and Enforced Disappearances in Morocco)، في نورمان سعدي نيكرو، سونجا هيغاسي (تحرير)، الحياة الاجتماعية للذاكرة: العنف، الصدمة، والشهادة في لبنان والمغرب (The Social Life of Memory: Violence, Trauma, and Testimony in Lebanon and Morocco)، (بالغريف ماكمايلان، 2017)، 36، https://doi.org/10.1007/978-3-319-66622-8.
[58] منین «حياة الانتظار»، 36.
[59] باتريك سيل، أسد سورية: الصراع على الشرق الأوسط (Asad of Syria: The Struggle for the Middle East)، (توريس، 1988)، 334.
[60] السراج، كما ينبغي لنهر، 109.
[61] مقابلة س. ش، 08 سبتمبر 2020.
[62] السراج، كما ينبغي لنهر، 50.
[63] أليدا أسمان، ظل الماضي الطويل: ثقافة الذاكرة وسياسة التاريخ (Der lange Schatten der Vergangenheit: Erinnerungskultur und Geschichtspolitik)، (سي. إتش. بيك، 2006)، 218، https://doi.org/10.17104/9783406622625.
[64] أسمان، الذاكرة الثقافية، 38.
[65] السراج، عصي الدم، 151.
[66] الحاج صالح، «المنسى السوري».
[67] السراج، كما ينبغي لنهر، 9.
[68] جيلين، أعمال الذاكرة، 30.
[69] سوزان باكلي-تستيل، «تجسيد الذاكرة والعدالة في عمليات التحول» (Spatializing Memory and Justice in Transformation Processes)، في رشيد وعيسى، فريديريكه باننويك، ألينا شترهماير (تحرير)، إعادة التكوين: وضع عمليات التحول والأزمات المستمرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في سياقها (Re-Configurations: Contextualising Transformation Processes and Lasting Crises in the Middle East and North Africa)، (سبرينجر، 2021)، 31، https://doi.org/10.1007/978-3-658-31160-5_2.
[70] الحاج صالح، «المنسى السوري».
[71] بريجيت هيريمانز، مواجهة المحو وإخفاء الوجود: إمكانيات الأدب في فتح خيال العدالة في السياق السوري (Countering Erasure and Invisibilisation: The Potential of Literature to Open Up the Justice Imagination in the Syrian Context)، (أطروحة دكتوراه، جامعة غنت، 2023)، 297.
[72] أجلا ديميراغيتش، إدين حوجيتش، «الرؤى القاتمة للعدالة الأدبية لنجاة سربرينيتشا: دراسة السرديات الخيالية لمجزرة سربرينيتشا في ضوء رؤى العدالة الانتقالية» (The Bleak Visions of Literary Justice for Survivors of Srebrenica: Examining the Fictional Narratives of Srebrenica Genocide in Light of the Insights from Transitional Justice)، في بيتر دي. رش، أوليفيرا سيميتش (تحرير)، فن العدالة الانتقالية: الثقافة والنشاط والذاكرة بعد الفظائع (The Arts of Transitional Justice: Culture, Activism, and Memory after Atrocity)، (سبرينجر، 2014)، 138، https://doi.org/10.1007/978-1-4614-8385-4_8.
[73] ديميراغيتش و حوجيتش، «الرؤى القاتمة للعدالة الأدبية»، 37.
Read this post in:
