رؤى: أزمة العقل السياسي العربي في مرآة صراع إمبرياليات الشرق الأوسط

الإشارة المرجعية: الدين حسن، بهي. 2026. «رؤى: أزمة العقل السياسي العربي في مرآة صراع إمبرياليات الشرق الأوسط،» رواق عربي 31 (2): 9-19. https://doi.org/10.53833/XDSI5255.
تزامنًا مع القصف المجنون على إيران ودول الخليج، انخرطت نخب سياسية عربية في عملية انتحار سياسي بدأت إرهاصاته منذ خمسة وثلاثين عامًا؛ فهل يحمل المستقبل بوادر صحوة متأخرة أم ينذر بمزيد من التدهور؟
منذ شنت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل عدوانهما المشترك على إيران في 28 فبراير من هذا العام، ومبادرة طهران بقصف دول الخليج العربي؛ اندلعت بالتوازي جدالات حادة بين النخب السياسية والثقافية والإعلامية في العالم العربي، اتخذت من وسائل التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية لها، قبلما تمتد إلى أعمدة بعض الصحف والبرامج التليفزيونية. هذه الجدالات تُشكل نافذة ملموسة بشأن الكيفية التي تنظر بها هذه النخب –ليس فقط لتلك الحرب؛ بل للعالم، وللمنطقة، ولنفسها، ولأولوياتها.
لا شك أن السجال التلغرافي الذي دار عبر منصة «x» بين عمرو موسى (وزير خارجية مصر الأسبق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية) وعبد الرحمن الراشد (الإعلامي السعودي الأبرز)، بعد أسبوع من اندلاع الحرب، قد تقاطع من موقعين مختلفين مع أهم محاور الجدال، الذي استمر بعد ذلك بمشاركة آلاف آخرين من مختلف الدول العربية، وعلى الأرجح سيتواصل بعد صمت المدافع.[1] لذا فإن تأمل الجدال الجماعي يكتسب أهمية حيوية لمن يسعي لدراسة النخب السياسية في العالم العربي، ومدى حيوية العقل السياسي العربي، وربما بالمقارنة مع أزمات كبرى أخرى صادفت النخب والعقل العربي مثل هزيمة الخامس من يونيو 1967، والغزو العراقي للكويت عام 1990، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003. يمكن لمثل هذه الأزمات أن تمثل أيضًا عدسة كاشفة لسيكولوجية الشعوب وثقافتها السياسية ومنظومة القيم السائدة فيها؛ حيث نلاحظ ذوبان الأسوار الحديدية بين الأيديولوجيات الكبرى المتصارعة، ويتكشف أمامنا جوهر عقل سياسي واحد، بدون رتوش إسلامية أو ماركسية أو قومية عربية.
منذ خمسة وثلاثين عامًا، أفردت جريدة الحياة السعودية حوارًا مع المفكر المصري الراحل د. فؤاد زكريا حول دروس أزمة الغزو العراقي للكويت، واختارت عنوانًا للحوار «المسألة الذهنية أولًا». في ذلك الحوار تساءل الكاتب اللبناني حازم صاغية «هل تعتقد أننا تعلمنا أو على وشك أن نتعلم دروسًا جديدة؟» أجاب زكريا بأن «الدروس التي تعلمناها من هذه الكارثة أو الأزمة دروس ضئيلة جدًا…. يبدو لي أن قدرة الإنسان العربي علي التعلم في هذه المرحلة من التاريخ بطيئة جدًا».[2]
بعد أربع سنوات من نشر جريدة الحياة لذلك الحوار، سيشرف زكريا نفسه على تنظيم حوار معمق حول أزمة الغزو العراقي للكويت بمشاركة نخبة من المفكرين والأكاديميين والمحللين في العالم العربي، ويكرر تقريبًا في ملاحظاته الختامية للمؤتمر ما سبق وقاله لصاغية قبل أربعة سنوات بشأن «ضعف قدرة الإنسان العربي علي التعلم»، مضيفًا «أرى أن جلد الذات غير كاف، وأحيانًا يُخيل لي أن شنق الذات هي الكلمة التي يجب أن تستخدم».[3]
من الاستشراق إلى «الاستخلاج»
في جدالات هذا العام تظهر فجوة كبيرة بين الأطراف المتجادلة، ليس فقط فيما يتصل بأبعاد الأزمة ذاتها، بل أيضًا فيما يتصل بمدى إدراك حقيقة المجتمعات والدول العربية ذاتها. فرغم أن التفاعل بين دول الخليج وبقية العالم العربي لم يتوقف عبر الزمان في الاتجاهين، سواء للعمل في دول الخليج، أو للسياحة في غيرها؛ إلا أنه يتضح أن هذا التزاور لا يعوض فقر الحوار الفكري والثقافي والسياسي بين الطرفين أو في كل دولة عربية على حدة، مقارنة مع الحوار المتدفق ومتعدد المستويات والمنابر الجاري عبر عدة قرون في كل دولة أوروبية على حدة، وبين مجتمعات دول الغرب بشكل عام. وتبدو هذه الفجوة أكثر وضوحًا لدى المتجادلين الذين يبدو أنهم لا يرون في الخليج أكثر من بضعة آبار بترول وغاز يديرها مجموعة من البدو المرفهين والفاسدين. وهو الأمر نفسه الذي لوحظ في الجدالات الموازية للغزو العراقي للكويت؛ إذ مالت قطاعات عريضة من الشعوب العربية لعدم التعاطف مع الضحية: أي الشعب الكويتي. الأمر الذي فسره حينذاك المفكر اليساري المصري إبراهيم سعد الدين بأن «في الدوائر العربية هناك ما أسميه الحقد البدائي على الأغنياء».[4] لكن الكاتب العماني عبد الله حبيب يعتقد أن رأس حربة هذا المسلك «البدائي» يستهدف أهل الخليج العربي بشكل خاص، ولا يتسع لغيرهم من الأغنياء العرب؛ إذ لاحظ حبيب، قبل قرابة الثلاثة عقود، أن مواطني الخليج العربي يعانون من نظرة «استشراقية» من جانب بقية المواطنين العرب –بمن فيهم إدوارد سعيد مؤلف كتاب الاستشراق– أسماها حبيب «الاستخلاج»،[5] أي تبني نظرة نمطية عن مواطني منطقة ما (الشرق في كتاب سعيد والخليج في مقال حبيب) تتمحور حول خصائص سلبية راسخة. وتظن الأكاديمية السعودية ميساء الخواجا أن السينما المصرية مارست دورًا حيويًا في ترسيخ هذا «الاستخلاج» في الأوساط الشعبية في مصر والعالم العربي.[6] هذه النظرة النمطية تفسر خلو مجادلات النخب العربية من أي مؤشرات تدل على مدى إدراك مستوى واتجاه تطور المجتمعات وتنظيم الدولة وارتقاء مستوي التعليم العالي في أغلبية دول الخليج العربي بالمقارنة مع دول أخرى في المنطقة. حتى أن الجامعات الثلاث الأولى عربيًا في التصنيفات العالمية هي جامعات خليجية. كما تنم المجادلات عن عدم إدراك قيمة الدور التنويري البنّاء الذي اضطلعت به ثلاث من هذه الدول لعدة عقود في رفع مستوي الوعي في العالم العربي ككل، من خلال الصحافة المقروءة والإعلام المرئي والنشر والترجمة وإنشاء مراكز للتفكير. وهو ما يتضح بشكل خاص في الأدوار التي مارستها صحيفة «الحياة» السعودية (قبل توقفها) في الإثراء الاستثنائي للحوار الفكري والسياسي، ومجلة «العربي» (الكويت) التي ملأت الفراغ الناشئ منذ منتصف القرن الماضي بعد احتجاب مجلات ثقافية مصرية رائدة: «الكاتب المصري»، و«الثقافة» و«الرسالة». إلى جانب الدور الذي تمارسه قناة الجزيرة القطرية (التي دخلت كل بيت عربي وحلت محل إذاعة صوت العرب المصرية)، والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بمنابره الأكاديمية المتعددة.
من جانب أخر يبدو أن بعض المتجادلين من الخليج لا يدركون مدى عمق التحولات الارتكاسية التي جرت في أكبر دولة عربية (مصر) منذ انتكاس الربيع العربي، وكيفية انعكاسها على منظور هذه النخب وسيكولوجيتها، خاصة وأن بعض دول الخليج متهمة لدي بعض قطاعات هذه النخب بالتسبب في هذه الانتكاسة.
هذه الهوة في المعلومات والوقائع والسياقات والإدراكات والسيكولوجيات توضح لما لا يمكن وصف هذه المجادلات باعتبارها حوارات، فهي أقرب لأن تكون مبارزة بالكلمات في غرفة مظلمة بين أطراف تكاد لا ترى بعضها، بل إن البعض يخاطب طرفًا متخيلًا، أو طرفًا من صنع خياله؛ بينما تكمن الحقيقة في مكان آخر، سواء حقيقة كل طرف، أو حقيقة إيران، فضلًا عما تنم عنه بعض المجادلات من قصور فادح في إدراك الحقائق الكبرى بشأن المنطقة العربية وعالمنا المعاصر.
من هو العدو؟
تشكل الإجابة على هذا السؤال نقطة الافتراق الرئيسية بين المتجادلين، ويبدو أن كلا الجبهتين لا ترى أنه من الوارد أن يكون للدولة الواحدة خصمين عدوين أو أكثر في الوقت ذاته. بيد أن بعض المتجادلين من الخليج يرتؤون أن كلا من إيران وإسرائيل عدوين؛ غير أن الأولى تمثل خطرًا مباشرًا وآنيًا علي الخليج، بينما تعد الثانية خطرًا مستقبليًا مرجحًا ولكنه ليس آنيًا. لكن كثرة من المساهمين في الجدال من خارج منطقة الخليج العربي لا تعترف سوى بعدو واحد، هو إسرائيل (مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية). في المقابل تتراوح نظرة أغلبية هؤلاء المتجادلين الأخيرين نحو إيران بين اعتبارها حليفًا في تحالف إسلامي متخيل، أو في تحالف تحرري جنوبي متخيل، وبين النظر إليها باعتبارها رأس الحربة فيما يسمي محور «الممانعة» أو «المقاومة» ضد إسرائيل وحلفائها. مرة أخرى سنلاحظ أنه لا يجمع بين مناصري كل توجه من هذه التوجهات راية أيديولوجية تقليدية واحدة، ولكن يجمع بينهم تصور إيجابي عن إيران وتوافق ضمني على استبعاد أي شكوك تتعلق بهاجس الحلم الفارسي الإمبراطوري التاريخي. لعل مقال «الخير والشر»[7] هو التجسيد الأفضل لهذه الكتلة؛ إذ يختزله في كونه «صراع بين الحق والباطل وبين الظلم والعدل». وفي السياق ذاته، يمكن تصنيف البيان الصادر عن مئتي شخصية فلسطينية في الأسبوع الأخير من مارس الماضي.[8] يُذكر أن الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، ياسر عرفات، كان قد أعلن في ديسمبر 1990 عقب الغزو العراقي للكويت: «خيارنا الثوري أن أكون في هذا الخندق المواجه لإسرائيل والمواجه لأمريكا» متجاهلًا الشعب الكويتي ولو بكلمة مواساة!
لا يتسع خيال غالبية المتجادلين هذا العام لمظلومية أخرى عدا المظلومية الفلسطينية؛ لذا يتجاوزون مخاوف مواطنو دول الخليج العربي من أطماع إيران التوسعية، قبل وبعد ثورتها الإسلامية عام 1979، والتي تضمنت احتلال ثلاثة جزر إماراتية والتطلع الدائم لضم البحرين؛ إذ لم تعترف إيران بها كدولة مستقلة سوى عقب استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة. تضمنت تلك التوجهات الإيرانية العدوانية تحريض الأقليات الشيعية في دول الخليج، والأكثريات الشيعية في العراق والبحرين، ضد حكوماتهم. كما لم ير هؤلاء المتجادلين في هجمات إيران العدوانية هذا العام على دول الخليج سوى أنها تستهدف قواعد أمريكية في هذه الدول، رغم أن الهجمات استهدفت أيضًا عددًا أكبر من المنشآت المدنية، كما استهدفت عمان الوسيط المفضل لإيران قبل الحرب، والتي لا تستضيف قواعد أمريكية. بل إن الهجمات الإيرانية التي توقفت على إسرائيل عند سريان وقف إطلاق النار بوساطة باكستانية لم تتوقف في اليوم نفسه على دول الخليج.
يغفل هؤلاء المتجادلين دلالة تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981، بعد عامين فقط من الثورة الإسلامية في إيران؛ إذ تضمن المجلس تحالفًا عسكريًا، واقترن بمضاعفة الإنفاق الدفاعي لهذه الدول، ثم لجوء بعضها لاستضافة قواعد عسكرية أجنبية. وعندما قصفت إسرائيل الدوحة في العام الماضي، بادرت السعودية بعقد اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان.
تعكس هذه الاتفاقية الأخيرة، وكذلك إنشاء مجلس التعاون الخليجي، مدى تدني القيمة السياسية والدفاعية لمعاهدة الدفاع العربي المشترك، التي فشل أطرافها في تحويلها لواقع مادي رغم توقيعها قبل ثلاثة عقود من إنشاء المجلس الخليجي. جدير بالذكر أن إطار جامعة الدول العربية كان قد بدأ يتداعى مبكرًا تحت وطأة الصراعات العربية–العربية منذ عهد الرئيس المصري جمال عبد الناصر وحملاته السياسية باسم العروبة على عدد من الملوك والرؤساء العرب، ثم تفاقم الأمر مع إبرام مصر اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل ومعاقبة القاهرة بنقل مقر الجامعة لتونس، ولاحقًا مع غزو صدام حسين للكويت واحتلالها، والاضطرار للاستغاثة بقوات أمريكية لتحرير الكويت بمرافقة قوات عربية. صحيح أن جامعة الدول العربية عادت لتدير عملها من القاهرة في عام 1990 ودائمًا بإدارة أمين عام مصري، لكن مصر لم تعد هي من يدير الجامعة سياسيًا، بل السعودية.
قد يفسر أنصار «الاستخلاج» صعود الدور القيادي الإقليمي للسعودية بالمال، ولكنهم ربما أبدوا استعدادًا لمراجعة تقييمهم إذا تأملوا الدور الديناميكي القيادي للدبلوماسية السعودية –بالتنسيق مع فرنسا ودعم عدة دول أوروبية أخري– في إعادة انتشال القضية الفلسطينية بعد عملية «طوفان الأقصى»، وفرض مسألة الدولة الفلسطينية على جدول أعمال الأمم المتحدة رغم مقاومة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حينذاك. لو جرت تلك الأحداث منذ عقدين أو ثلاثة، فمن المؤكد أن مصر ستكون في مكان السعودية تقود مبادرة كهذه، لكن انتكاسة مصر الآن لم يعد لها قاع. لا يقل أهمية أن دول الخليج مجتمعة قد أظهرت كفاءة لافتة في إدارة أسلحتها الدفاعية المتطورة في التصدي للقصف اليومي الإيراني بالصواريخ والمسيرات، والتي تجاوزت ما تلقته إسرائيل بأكثر من ثمانية أضعاف ونصف.[9]
هذه الوقائع الآنية والخلفيات التاريخية المعروفة لا تستوقف بعض المتجادلين في العالم العربي، بل أن البيان السابق الإشارة إليه الصادر عن مئتي شخصية فلسطينية يطالب دول الخليج بالتخلي عن حماية القواعد الأجنبية، دونما يقترح حماية بديلة. هذا الموقف يكاد يتطابق مع مطالبات نخب سياسية عربية في أعقاب غزو العراق للكويت، بعدم الاستعانة بقوات أجنبية لتحرير الكويت، رغم قناعتها في الوقت ذاته بحقيقة أن صدام حسين لن ينسحب من الكويت طوعًا، وأن القوات العربية وحدها لن تتمكن من هزيمة جيشه.
حليف أم إمبريالية إقليمية؟
لا يتوقف كثرة من المتجادلين عند التأثير الإيراني المدمر على مقومات أربعة دول عربية (كانت للمفارقة؛ تعتبر مجالًا حيويا لمصر الناصرية)، أعني اليمن ولبنان وسوريا والعراق. كان طموح الشاه ينحصر بأن يُترك لبلاده دور شرطي منطقة الخليج بعد انسحاب قوات الاحتلال البريطاني منها. لكن الأمور تغيرت مع الثورة الإسلامية التي احتكر الحكم بعدها نظام سياسي ديني يسعي لتصدير عقيدته السياسية ومذهبه الديني. ليس مصادفة أن المنتمين للمذهب الشيعي في الدول الأربعة المستهدفة يشكلون وزنًا بشريًا وسياسيًا مؤثرًا في ثلاثة منها وأغلبية في الدولة الرابعة. في إطار استراتيجية «الدفاع الأمامي» للنظام الإيراني الإسلامي تم استثمار موارد هائلة في إنشاء وتسليح وتدريب ميلشيات لا تخضع لنظم الحكم في دولها، وإنما تأتمر بتوجيهات الحرس الثوري الإيراني، وتخوض معاركه في دولها، وتساهم في تنفيذ هذه الأولويات في دول أخرى، مثل المشاركة في قمع انتفاضة الربيع العربي في سوريا بالتنسيق مع حزب الله وميلشيات عراقية وجماعات مرتزقة شيعية من بعض دول غرب آسيا، مثل لواء الزينبيون الباكستاني ولواء الفاطميون الأفغاني.
جدير بالذكر أنه خلال الحرب الدامية بين إيران والعراق، التي استغرقت نحو عشر سنوات، قاتل عدد من المواطنين الشيعة العراقيين في صفوف الجيش الإيراني ضد مواطنيهم العراقيين. بعض هؤلاء صاروا يحتلون مواقع مؤثرة سياسية وميلشية في نظام الحكم الحالي في العراق. وقد شاركت بعض هذه الميلشيات في شن هجمات منسقة مع النظام الإيراني في سوريا وضد دول الخليج.
يعتقد بعض المحللين أن إيران تجسد نمط «إمبريالية إقليمية» في الشرق الأوسط، وأن ما يسمي باستراتيجية الدفاع الأمامي ليست دفاعية، وإنما هي ذات طابع هجومي طموح لمنافسة إمبرياليتين إقليميتين (إسرائيل وتركيا) على الفراغ الناشئ في الشرق الأوسط نتيجة انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية التدريجي من المنطقة خلال العقدين الأخيرين.[10] في سياق المواجهة مع الإمبريالية الأمريكية والعراق، تطورت إيران بفضل إمكانياتها المادية والبشرية كإمبريالية إقليمية، «ترتدي في الوقت ذاته رداء المقاومة ضد عدو صهيوني».[11] أحد تعريفات الإمبريالية الإقليمية هي أنها «هيمنة جيوسياسية محدودة النطاق تمارسها دولة رأسمالية صاعدة ضمن فضاءها الحيوي، تهدف إلى إعادة إنتاج علاقات التبعية من خلال أدوات مركبة تشمل النفوذ الاقتصادي، التدخل غير المباشر، والتحكم الرمزي، دون التورط في مشروع إمبراطوري عالمي».[12]
منذ ثورتها الإسلامية، تعتقد إيران أنها تستحق مكانة أفضل في النظام العالمي كأحد اللاعبين الكبار؛ انطلاقًا من عقيدتها المذهبية وعدد سكانها وموقعها الجغرافي ومساحتها الكبيرة وتراثها الفارسي الإمبراطوري، لذا فإنها لا ترى جيرانها باعتبارهم أندادًا متساوين معها، بل مشروع للاستتباع بوسائل متباينة. لذلك تسعي إيران، مستخدمةً أنماطًا من التفاوض الخشن، إلى انتزاع «اعتراف دولي بنفوذها وحقها بمشروع نووي، وفي سبيل ذلك تحشد أوراقها التفاوضية؛ أي دول الممانعة».[13]
لا تحتاج الإمبريالية الإقليمية بالضرورة لاحتلال أراضي الغير، مالم تعتبر تلك الأراضي جزءً لا يتجزأ من دولتها. هكذا تعاملت تركيا –التي تملك ثاني أكبر جيش في حلف الأطلنطي– مع الأراضي التي احتلتها داخل سوريا والعراق خلال مطاردتها للأكراد، بينما لم تتخل عن الاسكندرونة التي اعتبرتها منذ عدة عقود جزءً منها. وهكذا أعادت إسرائيل شبه جزيرة سيناء لمصر وغزة وجنوب لبنان، بينما تعتبر أن الضفة الغربية والجولان جزءً من أراضيها، مثلما تعتبر إيران الجزر الثلاث التي انتزعتها من الإمارات العربية. وبينما قد تحقق الإمبريالية الإقليمية طموحاتها للهيمنة بوسائل أخرى قد تبدو أقل خشونة؛ لكنها لا تتورع عن شن عمليات إبادة، على النحو الذي ساهمت به إيران في سوريا وإسرائيل في غزة.
وفقًا للأكاديمي المصري محمد السيد سعيد، كان العراق في ظل حكم صدام حسين مشروعًا لدولة إمبريالية إقليمية؛[14] إذ سعي للهيمنة على المحيط العربي المجاور في سوريا والسعودية والخليج، بل واحتلال الكويت، مع توظيف هدف «تحرير فلسطين» للتمويه والتعبئة عربيًا. في هذا السياق يحث سعيد على مراجعة نظرية الإمبريالية الموروثة من الماركسية بقوله: «ينبغي تمييز الإمبريالية كسياسة وليست كواقع اجتماعي بعينه، … في معظم المستعمرات لم يتم تصدير رأس المال، … الأمر الأعمق في الإمبريالية أنها سياسة ترمي في الجوهر إلي استخدام الأدوات السياسية أو العسكرية القسرية للحصول على مزايا سياسية أو اقتصادية أو ثقافية».[15]
محور مقاومة أم هدم وتفكيك؟
لم تتواجد إيران في سوريا بصفتها قوة احتلال؛ لكنها كانت شريكًا مباشرًا في القرار السياسي والأمني والعسكري الذي أدى إلى خراب سوريا، وهلاك قرابة نصف مليون سوري، وتشريد ملايين في كافة أرجاء العالم. لكن أغلبية نخب الربيع العربي في المنطقة لم تتبن موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا إزاء إيران وسوريا، يتسق مع جسامة هذه الكارثة الإنسانية قبل السياسية. بل إن بعض رموز هذه النخب –خاصة من مصر وتونس– زاروا دمشق لإعلان دعمهم غير الأخلاقي للرئيس الذي أدار إحدى أحقر حروب الإبادة في المنطقة ضد شعبه وأكثرها وحشية، مبررين ذلك بأن سوريا تصنف عضوًا فيما يسمي بمحور المقاومة دعمًا لفلسطين وضد إسرائيل منذ زمن الرئيس الأب حافظ الأسد.
يقول الأكاديمي الفلسطيني يزيد صايغ:[16] «مارست سوريا نفوذًا مباشرًا أعظم من الذي مارسته أية دولة عربية على مسار الكفاح المسلح الفلسطيني وسياساته»، إذ كانت تتمتع بنفوذ واسع في لبنان، ومن ثم «سيطرت على الحركة البرية لإمدادات الفدائيين» الفلسطينيين، أي على شرايين الاحتياجات الحياتية والسلاح. وينقل عن افتتاحية مجلة «فلسطين الثورة»، الناطق الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية، أن «الرئيس الأسد قضي عمره في محاربة الثورة الفلسطينية». ويؤكد صايغ أن اتهامًا بهذه الخطورة لم يكن لتتبناه افتتاحية بقلم رئيس التحرير دون موافقة ياسر عرفات شخصيًا. وتسخر افتتاحية تالية من قصف الجيش السوري لمخيمات فلسطينية في لبنان، بدلًا من قصف مستوطنات في إسرائيل أو الجولان.
في لبنان صارت إيران الحاكم الفعلي للبلاد منذ عقدين من الزمان من خلال حزب الله، الذي مثّل ذراعها السياسي والأمني والعسكري، وسيطر بمساعدتها على مطار بيروت وممرات حدودية مع سوريا. في غضون ذلك، هيمن الحزب على النظام السياسي اللبناني، وحمي طبقة سياسية نهبت الدولة وأفلستها.[17] اغتال حزب الله رئيس الوزراء، وعدد من أبرز الرموز السياسية والإعلامية والثقافية اليسارية والوطنية اللبنانية الشيعية وغير الشيعية، كما تولى قمع انتفاضة الربيع العربي في لبنان التي كانت تطالب «بمكافحة الفساد وإسقاط نظام المحسوبيات، كما أوقف التحقيق في كارثة تفجير مرفأ بيروت ومنع الوصول إلى الحقيقة حماية لمنظومة حاكمة هو جزء منها».[18]
من خلال إيران يمتلك الحزب ترسانة أسلحة ثقيلة تتضمن صواريخ متطورة يرفض تسليمها لجيش الدولة اللبنانية، كما أنشأ شبكة اتصالات تقنية خاصة بين أنصاره رفض خضوعها للدولة، إلى أن اخترقت إسرائيل الشبكة واغتالت أمينه العام حسن نصر الله، وقتلت وأصابت عددًا كبيرًا من أعضاء وأنصار الحزب في عملية موقوتة في يوم واحد. ولأن الحزب يتخذ لهيئات أركان عملياته العسكرية مقرات وسط المدنيين؛ فقد ترتب على الاستهداف الإسرائيلي لهذه المقار والقيادات أضرارًا مدنية هائلة، واستشهاد عدد كبير من المدنيين غير المنخرطين في النشاط العسكري للحزب. بالطبع لا يعني ذلك اكتراث إسرائيل بالمدنيين أو التزامها بالقانون الدولي.
يعلن الحزب صراحة ولائه للمرشد الأعلى في إيران؛ لذا إبان اغتيال إسرائيل للمرشد السابق هذا العام، قرر الحزب قصف قبرص واستئناف قصف إسرائيل انتقامًا للمرشد (وليس من أجل لبنان أو فلسطين)، وذلك عبر عملية منسقة مع إيران، صدر بها، ولأول مرة، بيان مشترك بين الحزب والحرس الثوري الإيراني، متجاهلًا بذلك قرارات رئيس الجمهورية اللبنانية ومجلس الوزراء والبرلمان اللبناني، الأمر الذي أدى إلى احتلال إسرائيل لجنوب لبنان للمرة الثالثة، ومقتل أكثر من ألف لبناني وإصابة نحو 2500 آخرين، فضلًا عن تشريد قرابة مليون مواطن، أي عشرين بالمئة من عدد السكان. لم يسبق لحزب الله أن أعلن في أي وقت منذ تأسيسه استعداده «لتسليم سلاحه إذا انسحب الإسرائيليون».[19] يفتقر حزب الله لاستراتيجية عسكرية لبنانية، تبرر تكبد اللبنانيين هذا الثمن الإنساني الباهظ؛ إذ ينحصر دوره هذا العام في التخديم اليومي على خطط طهران، من خلال إرهاق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية وتشتيتها، الأمر الذي يتيح للصواريخ الباليستية الإيرانية اختراق الأجواء الإسرائيلية. وعند التوصل، بعد خمسين يومًا، لاتفاق بوقف إطلاق النار لأسبوعين بين واشنطن وطهران، اشترطت الأخيرة شمول لبنان بالاتفاق، تأكيدًا على امتلاكها لقرار السلم والحرب فيه. رفضت بيروت هذا السطو على القرار السيادي اللبناني رغم التهديد الذي وجهه مستشار المرشد الأعلى الإيراني «بتعرض لبنان لمخاطر أمنية لا يمكن إصلاحها»![20]
على الأرجح؛ سيلاحظ دارسو تاريخ مصر مدى التشابه بين هذا النمط من التهديدات وبعض تصريحات المندوب السامي للإمبريالية البريطانية في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، لو كانت إيران تحتل لبنان ربما ما تمتعت بهذا القدر من النفوذ. في سياق متصل، تدير طهران شمال اليمن من خلال نمط مشابه لهيمنتها على لبنان؛ وذلك من خلال الحوثيين الذين يسعون لإعادة عجلة التاريخ في اليمن إلى زمن القرون الوسطي وعهد الإمامة الذي أطاحت به الثورة اليمنية عام 1962، وسقط فيها حينذاك عدة آلاف من الجيش المصري الذي ساند تلك الثورة.
في العراق، لا ترتكز الهيمنة الإمبريالية الإيرانية على مجرد كون الطائفة الشيعية تشكل أغلبية ديموغرافية، ولكن ما يعزز الهيمنة «الإمبريالية» هو أن أتباعها من العراقيين منظمون سياسيًا بشكل أكثر تطورًا من غيرهم من مواطنيهم، ويمتلكون فصائل مسلحة بشكل متطور ومدربة جيدًا تقدر بقرابة نصف مليون فرد، وتخترق أجهزة الدولة العراقية. بل إن بعضها ينشط بشكل قانوني داخل أطر مؤسسات الدولة العراقية العسكرية والمدنية تحت لافتة ما يسمي «الحشد الشعبي»، الأمر الذي يمكنها من التمتع بمشروعية مؤسسات الدولة والإنفاق من مالها العام. بينما ينشط البعض الآخر من هذه الجماعات بشكل شبه سري، لكن هناك أعضاء يتمتعون بعضوية مزدوجة في كلا من الجماعات المندمجة في مؤسسات الدولة وكذلك الأخرى التي تنشط بشكل شبه سري. ويعتقد الباحث العراقي حارث حسن أن هذه الصيغة التنظيمية غير المألوفة ليست مستحدثة، وإنما هي مستقاة من الحرس الثوري الإيراني، الذي صار في النهاية مركز القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية في إيران.[21] فهل ذلك هو مستقبل العراق مع «الحشد الشعبي»؟ جدير بالذكر أن تلك الجماعات العراقية شبه السرية يُنسب لها اغتيال بعض أبرز رموز الربيع العربي في بغداد وجنوب العراق عام 2019، وأعمال اختطاف أجانب والاعتداء على الصحفيين العراقيين أثناء إجراءهم تحقيقاتهم الميدانية.
ثمة ترابط مصيري بين هذه الجماعات وإيران على الصعيد الأيديولوجي والأمني والمصالح الاقتصادية؛ ما يفرض عليها السعي بكل الوسائل لضمان بقاء إيران قوية إقليميًا.[22] انخرطت تلك الجماعات في مساندة طهران بعد شن العدوان الأمريكي الإسرائيلي عليها هذا العام، وذلك عبر قصف السفارة الأمريكية في بغداد وقاعدة عسكرية أمريكية ومقر للمخابرات العراقية ومطار عراقي ومقار سياسية وإدارية في إقليم كردستان العراقي، والمساهمة في قصف بعض دول الخليج والأردن وسوريا بالتنسيق مع إيران. تبنّت فصائل شيعية مسلحة بعض هذه الهجمات الأخيرة وأصدرت بشأنها بيانات مزودة أحيانًا بلقطات فيديو تحت لافتة «المقاومة الإسلامية». الأمر الذي استدعى تحذير رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق من مخاطر انتزاع قرار الحرب من السلطات الشرعية المنتخبة في الدولة العراقية،[23] محذرًا بطريقة غير مباشرة من انزلاق البلاد نحو مصير لبنان واليمن. بينما حذر رئيس وزراء سابق «باختصار؛ كل سلاح مواز لسلاح الدولة، هو سلاح ضد الدولة، مهما كانت نواياه».[24]
يشرح وزير الخارجية العراقي بوضوحٍ كيف تتحكم هذه الجماعات المرتبطة بطهران بسير العمل في الدولة العراقية،[25] إذ يجمعون بين امتلاك «قوة عسكرية منظمة وقوة برلمانية». ويضيف محذرًا من مصير لبنان «إذا تحول الأمر لصدام عسكري فلا أعرف ميزان القوي لصالح من، لأن هذه الجماعات أيديولوجية، والقتال ضد جماعة أيديولوجية يختلف عن قتال قوة عسكرية نظامية… لا أعتقد أن الجيش العراقي مستعد لخوض حرب داخلية». لكن المشكلة قد لا تكون في الأيديولوجية، بل كما في لبنان؛ انعدام الإرادة السياسية وعدم الاستعداد للوفاء بالواجبات الدستورية.[26]
في واقع الأمر نحن نتحدث عن أشلاء دولة، أو أشلاء دول. وبطبيعة الحال، لا تحتاج إيران (الإمبريالية الإقليمية الصاعدة) أن تحتل العراق؛ فكل ما تطمح إليه من هيمنة ومساندة وتبعية وولاء بشكل متفاني وملتزم تحصل عليه دون دفع الثمن الذي دفعته أمريكا باحتلالها العراق. تكاد بصمة الإمبريالية الإيرانية تتطابق في العراق ولبنان واليمن؛ إذ تُدار الدول الثلاث بميليشيات مسلحة تتمتع بقوة عسكرية أقوى من الجيش في كل دولة منها، وتصادر القرار السياسي علي كافة الأصعدة وتسخره لصالح طهران وتعزيز نفوذها الإقليمي، بما في ذلك خوض معارك وحروب تضر في المقام الأول شعوب الدول الثلاث. صحيح أن العراق ولبنان واليمن وسوريا صاروا دولًا فاشلة تحتاج كل منها معجزة إلهية كي تطفو من جديد؛ لكن نفوذ إيران «الإمبريالي» في الشرق الأوسط يتعزز يومًا بيوم.
من المفارقات التي تثير الأسي على مستقبل العالم العربي أن «الولي الفقيه» في إيران صار في القرن الحادي والعشرين بوصلة لنخب سياسية وثقافية عربية حديثة؛ لمجرد أن جلادي الشعب الإيراني، وميلشيات تابعة ترفع رايات قيم القرون الوسطي في عدة دول عربية، يرطنون بكلمات مثل «مقاومة» و«ممانعة» والعداء لإسرائيل وأمريكا! هل يمكن استدعاء نقد لينين (قائد الثورة الاشتراكية في روسيا) لولع الثوريين «بالجمل الثورية والشعارات المسكرة» لتفسير انزلاقات بعض النخب العربية؟ أم نقد محمد السيد سعيد لما أسماه «الراديكالية الزائفة»،[27] التي تشبه رنين الطبل الأجوف؟
مشروعية المقاومة في عصر جديد
تحت راية «محور المقاومة» وباسم «فلسطين» ارتكبت جرائم سياسية مزلزلة. يقول الكاتب الفلسطيني ماجد كيالي «نعم احتلت إسرائيل بشكل مؤقت أراضي في دول عربية وضمت بعض هذه الأراضي (الجولان والقدس)، لكن إيران استطاعت خلال العقدين الأخيرين تحقيق ما عجزت عنه إسرائيل منذ 1948، وذلك بنجاحها في تصديع بُنى الدولة والمجتمع في أربعة دول عربية عبر الميلشيات الطائفية التي ترعاها وتمولها وتسلحها».[28] ذلك الواقع المرير قد يفسر سبب رغبة قوى سياسية نافذة في مقاعد الحكم والمعارضة في العراق ولبنان واليمن وسوريا ودول الخليج الستة –أي نحو نصف عدد أعضاء جامعة الدول العربية– في هزيمة إيران أمام العدوان الأمريكي الإسرائيلي عليها، أي تفضيل انتصار أمريكا وإسرائيل. تقول كاتبة سورية أن تكلفة استمرار الحرب حتى إسقاط نظام الحكم في طهران قد تكون أقل من الكلفة التي يتحملها العالم العربي جراء استمرار هذا النظام.[29] إنه افتراق كبير حول معني «الخير والشر»! حول من هو العدو ومن هو الحليف؟ هل تشكل هذه القوى أغلبية أم أنها أقلية بين النخب السياسية في عشر دول عربية؟
التباين في الإجابات على هذا السؤال لا يقلل بالضرورة من مغزى هذا الانعطاف السياسي الكبير. أيا ما كانت طبيعة الإجابة عليه فإنها تشير إلى ثلاثة حقائق كبري جديدة: أولًا؛ وجود شرخ هائل وغير مسبوق بين النخب السياسية العربية بمعزل عن اختلاف الأيديولوجيات. ثانيًا؛ مأزق أخلاقي وسياسي هائل يواجه مقولة «المقاومة هي الحل». ثالثًا؛ المسألة الفلسطينية لم تعد القضية المركزية في العالم العربي، أو عامل توحيد بين شعوب المنطقة.
لو صحت هذه الاستنتاجات؛ فإن المأزق الاستراتيجي والوجودي للشعب الفلسطيني الذي يتفاقم تدريجيًا على مدار ثمانية وسبعين عامًا يواجه تحدي تاريخي غير مسبوق، يصعب اختزاله في «صراع الخير والشر». بالطبع تختلف نوعية هذا المأزق عن النكبتين، الأولى عام 1948 والثانية عام 1967؛ إلا أن دلالاته وانعكاساته السياسية المستقبلية لا تقل وطأة عن أي من النكبتين. لا سيما وأن تجلي هذه الحقائق يتزامن مع تطورين سلبيين آخرين على الساحة الفلسطينية ذاتها: أولهما؛ التدهور المتسارع منذ عملية «طوفان الأقصى» في الشروط المادية لإنفاذ حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، جراء أ) الدمار الهائل الناجم عن حرب الإبادة في غزة واستمرار احتلال إسرائيل لقرابة ستين بالمئة من مساحتها؛ ب) التوسع السرطاني للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والذي يفاقم صعوبة إدماج مكوناتها في كيان جغرافي واحد. وثانيهما؛ التدهور المتسارع في التوافق السياسي الفلسطيني حول خريطة طريق مدروسة لتحقيق الهدف المشروع المتفق عليه في ظل هذه المعطيات المأساوية.
تظهر استطلاعات الرأي في الضفة الغربية وغزة منذ «طوفان الأقصى» تراجع المشروعية السياسية لرؤوس الشرعية الفلسطينية في كليهما، في مقابل التوافق على المناضل الأسير مروان البرغوثي كقائد مستقبلي وحيد، والذي تخطط الحكومة الإسرائيلية لإعدامه. في هذا السياق يمكن فهم كيف صارت الانتخابات البلدية التي جرت في الخامس والعشرين من أبريل هذا العام أشبه بسرادق عزاء لموت السياسة لدي أكثر الشعوب العربية تسيِّسًا. وكذا، كيف صارت الانتخابات الداخلية لرئاسة حركة حماس ساحة إضافية لصراع إمبرياليتين إقليميتين؟[30]
قبل نصف قرن لم يكن هناك جدال كبير في العالم العربي حول سؤال «الخير والشر» أو سؤال العدو والحليف. كان الصراع مختزلًا في لونين: أبيض وأسود، ليس هناك مساحة للون رمادي في «الصراع بين الاستعمار وأعوان الاستعمار» وفقًا لمقولات النظام الناصري. وبالتالي لا مجال لترف المطالبة بالحرية السياسية أو الاقتصادية، أو الرقابة على الإنفاق العام وأداء مؤسسات الحكم. حتى حلت النكبة الثانية في الخامس من يونيو 1967، وتم احتلال أراضي في ثلاث دول عربية خلال بضعة أيام.
التساؤل حول الخير/الشر والعدو/الحليف بدأ يتردد في دوائر الجدال العام في المنطقة منذ حدثين كبيرين متزامنين: توقيع مصر، أكبر دولة عربية، اتفاق سلام مع إسرائيل في كامب ديفيد، وانتصار الثورة الإسلامية في إيران. رغم التناقض الكبير بين مغزى الحدثين؛ إلا أنهما تضافرا معا بديناميكيات مختلفة لدفع المنطقة في الاتجاه نفسه: التقارب التدريجي مع إسرائيل والتحالف التدريجي، الضمني أو الصريح، معها. لا يمكن تخيل حدوث اتفاقيات إبراهام (بمبادرة خليجية) لولا قوة الدفع التي نشأت عن هذين الحدثين الكبيرين. ففيما تفاقمت عدوانية الجار الإيراني الكبير المدجج بخطاب ديني تحريضي وتطلعاته النووية؛ لم تعد مصر، الشقيقة الكبرى، تقدم نفسها للخليج كحامي للإقليم، بل كمتسول للمال وللدعم السياسي حتى في الصراعات المصرية الداخلية على الحكم. ولا يخلو هذا السياق من دلالة أربع تطورات: أولًا؛ استعانة مصر بسلاح الجو الإسرائيلي لمكافحة الإرهاب في سيناء خلال العقد الماضي، ثانيًا؛ تحول مصر إلى وسيط لنقل الغاز الإسرائيلي إلى دول المشرق العربي، ثالثًُا؛ توافق الحكومة اللبنانية وإسرائيل في مفاوضاتهما بواشنطن في أبريل هذا العام على نزع سلاح حزب الله كهدف مشترك. رابعًا؛ المؤشرات على أن ثلاث دول عربية إضافية (السعودية وسوريا ولبنان) قد حسمت قرارها بشأن تطبيع العلاقة مع إسرائيل، وفي انتظار التوقيت المناسب.
لا شك أن هذه محطات ملموسة إضافية على طريق تعقيد الإجابة على سؤال الخير والشر.
لا ينتقص التوظيف الانتهازي للحق في المقاومة من مشروعية حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وفي تقرير مصيره بنفسه، لكن من الضروري –مثلما يلاحظ محمد السيد سعيد– عدم اختزال المقاومة في العمل العسكري فقط. ويوضح في مقال له منذ ثلاثة عقود أن طريق انتزاع وبناء دولة فلسطينية أمر ممكن بغير الطريق العسكري، بل ربما هو أكثر نجاعة.[31]
جدير بالذكر أن يزيد صايغ كان قد توصل في دراسته المرجعية عن الحركة الوطنية الفلسطينية 1949 –1993،[32] إلى أن الكفاح المسلح كاستراتيجية قد انتهي عمليًا عام 1982 بخروج القوات الفلسطينية من آخر دولة عربية مجاورة لإسرائيل. لا ينتقص صايغ من حق مقاومة الاحتلال عبر عمليات المقاومة من وقت لآخر، لكن تلك العمليات المتفرقة لا تعني أنه يمكن النظر إليها باعتبارها جزءً من استراتيجية متكاملة وناجعة لتحقيق الهدف المعلن. يضيف صايغ أنه «ربما لم يكن في إمكان الكفاح المسلح على الأرجح أن يحقق في أي وقت أكثر مما قدمه مسار كامب ديفيد من حكم ذاتي».
خلال ثمانية وسبعين عامًا، تحولت إسرائيل –الكيان المصطنع وفقًا لصياغات عربية شائعة– من ميثولوجيا دينية إلي الدولة الوحيدة في المنطقة التي انتقلت إلى مرحلة ما بعد صناعية، بينما لم تصل دولة عربية واحدة إلى المرحلة الصناعية. لم يكن ذلك ممكنًا لإسرائيل بدون مؤسسات دولة حديثة ومجتمع سياسي ومدني ديناميكي وتعليم متطور. فيما عصفت عدة دول عربية بمؤسسات الدولة التي شيدها مواطنوها وطوروها إبان مرحلة الكفاح لنيل الاستقلال في النصف الأول من القرن العشرين. تواجه ست دول عربية على الأقل سؤالًا وجوديًا حول أفق استمرارها كدول موحدة (ليبيا والسودان واليمن ولبنان والعراق وسوريا)، فيما تعيش أكبر دولة عربية (مصر) على التسول مع كل عام مالي جديد. ربما تحتاج دول عربية عديدة لإجراء تحقيق سياسي –وربما جنائي– فيما فعله قادتها بدولهم منذ حصولها على استقلالها الوطني.
ثمة ميل شائع لتفسير التفوق الاقتصادي والعسكري الإسرائيلي بالدعم الأمريكي، ولكن القائلين بذلك يغفلون تحول نمط العلاقة السياسية والعسكرية بين الدولتين إلى نمط «شراكة ندية» بالتوازي مع نمو الاقتصاد الإسرائيلي والتطور التكنولوجي لصناعاته المدنية والعسكرية، والتي تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا قائمة مستوردي أسلحتها المصنعة،[33] بينما لا تزال أوروبا تستورد المواد الخام والمنتجات الزراعية من الدول العربية. منذ نصف قرن، كانت المساعدة الأمريكية تشكل ثلاث وعشرين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل، وتسع عشرة بالمئة من ميزانيتها. ورغم ثبات قيمة هذه المعونة؛ فإنها تشكل حاليًا أقل من واحد بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي (الذي تضاعف نحو عشرة مرات)، وثلاثة بالمئة فقط من ميزانية إسرائيل.[34] وحسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية فإن «التحولات في بنية الاقتصاد الإسرائيلي قد نضجت خلال العقدين الأخيرين؛ إذ نجحت الدولة في ترسيخ اقتصاد ليبرالي يعتمد على الاقتصاد الحديث وصناعات التقنيات العالية، والابتكار، والاستثمار الأجنبي، والاندماج في الأسواق العالمية».[35]
يستعصي منطقيًا وعلميًا وأخلاقيًا البرهنة على أن المؤامرات الاستعمارية –وفقًا للخطاب الناصري التبريري المتوارث– هي مصدر الفشل المتواصل في العالم العربي منذ الاستقلال وفقا لمؤشرات التعليم، والصحة، والفقر، والفساد، والتطور الاقتصادي، والتقني، وفعالية مؤسسات الدولة، والمجتمع المدني، وحرية الاعلام، وتداول المعلومات، والحرية السياسية، أو تفسير تقدم إسرائيل في هذه المؤشرات. مما لا شك فيه أن المعطيات السابقة تضفي تعقيدات إضافية على ثنائية الخير والشر، وتفرض تحديات تتجاوز البُعد القانوني على مطوري استراتيجيات كفاح الشعب الفلسطيني.
جدل المظلوميات
منذ انتكاس الربيع العربي يشهد العالم العربي تراجعًا لتأثير الأيديولوجيات الرئيسية الثلاث؛ الماركسية والإسلامية والقومية العربية، التي أدت دورًا حيويًا لقرابة قرن من الزمان في النقاش العام والحراك السياسي. لكن بصمة هذه الأيديولوجيات تكاد تتواري تماما خلال المجادلات العربية حول العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران هذا العام، ليحل محلها عملية إعادة اصطفاف استقطابية خلف سرديات تفتقر لصلة مباشرة بأي من الأيديولوجيات الثلاث.
يُفترض أن الأيديولوجيات الثلاث تتمحور حول الدفاع عن المستضعفين في الأرض، بصرف النظر عن التباين بين هذه الأيديولوجيات في تعريف هؤلاء المستضعفين. إلا أنه من الملاحظ أن أنصار المستضعفين لم يجدوا سبيلًا للتضامن مع الشعب الإيراني المسحوق تحت بطش حكم ديني استبدادي وفاسد، ينتهك أبسط المعايير الإنسانية، بل وأعدم علانيةً عددًا هائلا من أبرز المناضلين من أجل المستضعفين في الأرض وضد استبداد الشاه. بل إن بعض المشاركين العرب في جدالات هذا العام يعتبر أن التضامن مع الشعب الإيراني الآن هو موقف مأجور!
جدير بالملاحظة أن من يستنكرون التضامن مع الشعب الإيراني وشعوب الخليج هم، علي الأرجح، ممن لم يسبق لهم التضامن مع الشعب السوري ضحية حروب إبادية زمن الأسدين الأب والابن، أو مع الشعب الكويتي في مواجهة احتلال العراق، أو مع أكراد وشيعة العراق في مواجهة حروب صدام حسين الإبادية، أو مع الشعب السوداني في خضم حرب الإبادة الراهنة، والتي لا يعد «الاستعمار» طرفًا فيها.
يبدو أن الاتجاه السائد في النخب السياسية في العالم العربي، بشُعُبها الأيديولوجية الثلاث، لا يزال مرتهنًا للمقولة الانتهازية الناصرية، التي تغلب الاصطفاف خلف زعيما ما أوحد في مواجهة قوى خارجية أبدية، على حساب احتياجات التطور الإنساني الروحية والمادية للشعوب. تري هل يعد توحد هذه النخب حول «المظلومية الفلسطينية» تجسيدًا لتضامنها مع الشعب الفلسطيني، أم لتضامنها في مواجهة إسرائيل وداعميها؟ هذان نمطان غير متماثلين من التضامن؛ فليس كل إضرار بإسرائيل يقصر الطريق أمام تحقيق الهدف المشروع للشعب الفلسطيني أو يُحسِّن من شروط كفاحه، بل قد يؤدي لنتائج معاكسة؛ كعملية «طوفان الأقصى» على سبيل المثال.
تتمثل إحدى أبرز سلبيات التمحور حول مظلومية أحادية –كالمظلومية الفلسطينية– في تهميش المظلوميات المزمنة داخل غالبية الدول العربية منذ تحقيق الاستقلال الوطني. الأمر الذي أسفر عن عجز متواصل لهذه النخب –قبل وأثناء وبعد الربيع العربي– عن تنمية كتلة حرجة تفتح آفاقًا سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة للتقدم. بل أضر أيضًا بالمسألة الفلسطينية ذاتها؛ إذ انعكس هذا العجز لاحقًا في إخفاق هذه النخب في حشد شعوبها حتي خلف «مظلوميتها الوحيدة» تضامنًا في مواجهة حرب الإبادة في غزة، في الوقت الذي كانت فيه تتظاهر الشعوب في عواصم ومدن الغرب بالملايين (وبينهم يهود) أسبوعيًا تضامنًا مع الشعب الفلسطيني، مثلما انتفضت دائمًا هذه الشعوب لعشرات السنين، بالمعيار ذاته، إزاء مظلوميات أخري؛ ضد العدوان الأمريكي على فيتنام والعراق وإيران والاحتلال الروسي لأوكرانيا وحروب الإبادة العربية في العراق وسوريا والسودان، وغيرها. بينما صارت الجماهير العربية «كائنًا افتراضيًا» وفقًا لتعبير الكاتب اللبناني حازم صاغية.
عقب استفاقة الشعوب العربية من سبات الهيمنة العثمانية الذي استمر لقرابة أربعة قرون؛ صُدمت بمدى التقدم الأوروبي، لترتفع صيحة المفكرين العرب مطلع القرن الماضي: «لماذا تقدموا ولماذا تخلفنا؟». تعددت الإجابات، لكن التخلف تواصل، وربما تفاقم –حتى في التضامن مع المظلومية المركزية– رغم أننا نستورد كل منتوجاتهم المتقدمة، وصولًا للذكاء الاصطناعي، ولكن مع استمرار التقاليد العثمانية في تقييد الذكاء الإنساني.
من المؤسف أن النظام الدولي يتداعى منذ بداية القرن الحالي وقبلما تبدأ الحرب على إيران، لكن حال النخب السياسية والثقافية في العالم العربي لا يشكل استثناءً من هذا التدهور، بل أن له أسبابه التاريخية الخاصة. تُحفز مضامين المجادلات الجارية بين النخب السياسية في العالم العربي هذا العام الحركة الحقوقية على مراجعة جدول أعمالها وأولوياتها وخطابها اليومي، في لحظة يتقاطع فيها المأزق العالمي مع تعثر التطور المزمن للدولة في العالم العربي، والأزمة غير المسبوقة لقيم وحركة حقوق الإنسان.
ربما يفوق التأثير السلبي لتفاعلات المنطقة في عقول وقلوب الحقوقيين في العالم العربي في الشهور الثلاثين الأخيرة –منذ «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر 2023 حتى وقف إطلاق النار في الحرب على إيران في السابع من أبريل 2026– تأثير التفاعلات على مدار الثلاثين عامًا الماضية. قد يستنفر هذا التأثير أفضل عناصر الطاقة الإيجابية في الحركة، ويدفعها نحو مسار صاعد أكثر ديناميكية، أو قد تتماهى الحركة مع التيار العام، فتلحق بالمصير المؤسف للتيارات الثلاث في النخب السياسية والثقافية في العالم العربي.
إقرار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي
لم يستخدم الكاتب أي أدوات أو برامج للذكاء الاصطناعي.
[2] فؤاد زكريا، الثقافة العربية وأزمة الخليج، (مؤسسة هنداوي، 2025؛ الطبعة الأصلية 1991)، https://www.hindawi.org/books/29174713/.
[3] محمد السيد سعيد وآخرون، الغزو العراقي للكويت: المقدمات – ردود الفعل والوقائع – التداعيات، (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت: 1995).
[4] المرجع السابق.
[5] سليمان المعمري، «القاهرة تكتب وبيروت تطبع والخليج يستخلج،» جريدة عمان، 29 أبريل 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل2026 ، https://bit.ly/4ttJUzr.
[6] مجلس الشرق الأوسط للشئون الدولية، «تحوّلات الوعي المعرفي: من الاستشراق الكلاسيكي إلى الاستخلاج المعاصر،» يوتيوب، 21 أبريل 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل2026 ، https://www.youtube.com/watch?v=C6oHU2_B5f8.
[7] مصطفي البرغوثي، «في الصراع بين الخير والشر،» العربي الجديد، 22 مارس 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://t.ly/oDNsv.
[8] وكالة وطن للأنباء، «قوى ومؤسسات وشخصيات وطنية فلسطينية: لا للعدوان الصهيوأمريكي على إيران ولبنان وفلسطين،» 26 مارس 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://www.wattan.net/ar/news/483433.html.
[9] ريّا ريدي وآخرون، «تحديث إيران – التقرير المسائي الخاص،» مشروع التهديدات الحرجة في معهد أمريكان إنتربرايز، 4 مارس 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://tinyurl.com/32z6u83z.
[10] آن الكسندر، «الديناميات المعاصرة للإمبريالية في الشرق الأوسط – تحليل أوَّلي،» ترجمة سيد صديق، حركة الاشتراكيين الثوريين، 3 سبتمبر 2018، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://revsoc.me/theory/38328/.
[11] أحمد نبوي، «إيران التي لا نعرفها.. «رأسمالية» ضد أمريكا و«إمبريالية» معادية لإسرائيل،» الجزيرة نت، 23 مارس 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://t.ly/dbMNW.
[12] ستار جبار رحمن، «الإمبريالية الإقليمية: أزمة تشظي الإمبريالية العالمية،» المركز الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط، 3 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، http://mevp.ecmes.academy/sattar/5664/.
[13] نبوي، «إيران التي لا نعرفها.»
[14] السيد سعيد وآخرون، الغزو العراقي للكويت.
[15] المصدر السابق.
[16] يزيد صايغ، الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية 1949 – 1993، (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002).
[17] مايكل يونج، «قراءة واقعية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل، مركز مالكولم كير – كارنيغي للشرق الأوسط،» 17 أبريل 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://carnegieendowment.org/ar/middle-east/diwan/2026/04/being-realistic-about-lebanon-israel-talks.
[18] حسام عيتاني، «أرواحنا الرخيصة وقضايانا العظيمة،» المجلة، 21 أبريل 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://t.ly/y75h.
[19] حازم صاغية، «عن موت الحدث،» الشرق الأوسط، 26 أبريل 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://t.ly/11Z2H.
[20] يونج، «قراءة واقعية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل.»
[21] حارث حسن، ««الشيعية المحاربة»: الحشد الشعبي ومحاكاة الحرس الثوري»، العربي الجديد، 5 أبريل 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://t.ly/AVUfC.
[22] ريناد منصور، «حرب إيران تنتقل إلى العراق» (The Iran War Comes to Iraq)، الشئون الخارجية، 31 مارس 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://www.foreignaffairs.com/united-states/iran-war-comes-iraq.
[23] فائق زيدان، «إعلان حالة الحرب دستوريًا»، الشرق الأوسط، 27 مارس 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://t.ly/5pYsR.
[24] مصطفي الكاظمي، «المعضلة العراقية والحل البسيط»، الشرق الأوسط، 9 أبريل 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://t.ly/4fplS.
[25] سنكر عبد الرحمن، «وزير الخارجية العراقي لرووداو: هناك نقل واستقبال رسائل بين أمريكا وإيران بشكل غير مباشر،» شبكة رووداو الإعلامية، 23 مارس 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://www.rudawarabia.net/arabic/interview/230320261.
[26] رستم محمود، ««شيعة العراق»… العسكر والعسكرة»، المجلة، 22 أبريل 2026، تاريخ الاطلاع 28 أبريل 2026، https://t.ly/mWQ6p.
[27] السيد سعيد وآخرون، الغزو العراقي للكويت.
[28] ماجد كيالي، «ما فعله النظام الإيراني في المنطقة وفي بلده ذاتها»، المجلة، 20 مارس 2026، تاريخ الاطلاع 28 أبريل 2026، https://t.ly/NVmCF.
[29] عالية منصور، «عندما تكون كلفة الحرب أقل من كلفة التهدئة،» المجلة، 21 مارس 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://t.ly/gwk41.
[30] عبد المنعم محمود، «مستقبل جماعة الإخوان المسلمين في عالم اجتثاث المقاومة»، المنصة، 15 يناير 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://manassa.news/stories/29733.
[31] محمد السيد سعيد، «الافتتاحية: مدرستان في بناء الدولة الفلسطينية»، رواق عربي، 4 (1)، 6-15، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://cihrs-rowaq.org/two-schools-in-building-the-palestinian-state/.
[32] يزيد صايغ، الكفاح المسلح والبحث عن الدولة.
[33] ماثيو جورج وآخرون، اتجاهات عمليات نقل الأسلحة الدولية 2025 (Trends in International Arms Transfers 2025)، (ستوكهولم: معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري»، مارس 2026)، https://doi.org/10.55163/OSMS3959.
[34] رافائيل بن ليفي، «ينبغي لأمريكا أن تكون شريكًا لإسرائيل لا وصيًا عليها» (America Should be Israel’s Partner, Not its Patron)، الشئون الخارجية، 22 أبريل 2026، تاريخ الاطلاع 29 أبريل 2026، https://www.foreignaffairs.com/united-states/america-should-be-israels-partner-not-its-patron.
[35] إمطانس شحادة وإيناس خطيب، «الاقتصاد الإسرائيلي،» في دليل إسرائيل 2025، تحرير همّت الزعبي وآخرون (معهد الدراسات الفلسطينية، 2025)، https://www.palestine-studies.org/ar/node/1658237.
Read this post in:



